نشرت هذه الدراسة فى سلسلة كراسات استراتيجية الصادرة عن مركزالدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام، العدد رقم 138، ابريل 2004

-------------------------------------------

مقدمة:

حين تم الإعلان عن توقيع اتفاق ماشاكوس الاطارى فى 20 يوليو 2002 فى كينيا، بين وفدى حكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان الذى تضمن فى أبرز بنوده منح حق تقرير المصير لجنوب السودان بعد فترة انتقالية قدرها 6 سنوات، بدا وكأن الأمر قد شكل مفاجأة صادمة لمصر وللعالم العربى، حيث توالت ردود الأفعال والتحفظات، وقفز الجدل حول المسألة السودانية وتعرض وحده التراب السودانى للخطر، وما سيترتب على ذلك من تداعيات، ليمثل أولوية متقدمة، ليس فقط على الأجنده الرسمية، بل وأيضا فى اهتمامات الرأى العام ووسائل الأعلام.

وعلى الناحية الأخرى أثار ذلك الموقف، قدراً من الاندهاش لدى العديد من المراقبين والمهتمين، باعتبار أن مسألة حق تقرير المصير لجنوب السودان قد بدأت فى الظهور بشكل جدى على مسرح الحياة السياسية السودانية منذ عام 1991، أى قبل عشر سنوات على الأقل من توقيع ماشاكوس، وأخذت هذه المسألة تتكرس وتتعمق بمرور الوقت، وتكتسب مساحات متزايدة وأبعادا إضافية لدى القوى السياسية السودانية بمختلف أطيافها – المعارضة أو الحاكمة – حتى تم النص عليها بشكل صريح فى الدستور السودانى الذى تم إقراره فى عام 1998، والذى مازال معمولاً به حتى الآن .

وعلى ذلك فإن الشعور بالمفاجأة أو الصدمة لم يكن مبرراً فحق تقرير المصير كحل لمشكلة الجنوب، كان قد بدا يتسرب للحياة السياسية السودانية بشكل تدريجى من خلال المناورات السياسية الحزبية التى هدفت فى معظم الوقت إلى إحراز مكاسب سياسية حزبية ضيقة، ونتيجة للتفاعلات الصراعية الجدلية بين مختلف أطراف اللعبة السياسية من ناحية، وتمسك نظام الإنقاذ " بمشروعة الحضارى" باعتباره المصدر الاساسى لشرعيته من ناحية أخرى، الأمر الذى أدى إلى اكتساب مسألة تقرير المصير قوة ملزمة ولم يعد مقبولاً ولا مقدورًا التراجع عنها بعد أن تلاعب بها الجميع، كل منهم لأهدافه الخاصة .

أولا :ما قبل عهد الإنقاذ

بدأ السودان مسيرته بعد حصوله على الاستقلال فى الأول من يناير 1956، كدولة موحدة سمحت بتوزيع محدود للسلطة التى تم نقلها بموجب قانون الحكم المحلى الى وحدات إدارية ( مجالس محلية) لتمارسها فى ظل حكومة مركزية لها السيادة المطلقة على الأرض والمواطنين. وبالنظر إلى خصوصية وضع الجنوب، وما تعرض له من عزله إبان الحكم البريطانى، طالب الجنوبيون قبل إعلان الاستقلال بالحكم الفيدرالى، والذى وعدوا بأن يتم النظر فيه عند وضع الدستور الدائم للسودان، الا أن اللجنة القومية للدستور التى مارست عملها فى الفترة 1956- 1958، رفضت مطلب " الحكم الفيدرالى" ، وتعللت بتخوفها من أن يشكل ذلك المطلب خطوة نحو انفصال الجنوب عن الشمال.

وفى مؤتمر المائدة المستديرة الذى عقد فى 16مايو1965، فى أعقاب ثورة أكتوبر 1964، لمناقشة قضية توزيع السلطة فى السودان، وشاركت فيه كل الأحزاب السودانية، لم يتمكن المجتمعون من الوصول الى صيغة محدده يتم بناء عليها صياغة العلاقة الدستورية بين المركز والولايات، لذلك تم تكوين اللجنة التى عرفت بلجنة الأثنى عشر، ومراعاة لأهمية وخصوصية قضية الجنوب، تم تشكيل تلك اللجنة من عدد متساو من الشماليين والجنوبيين (6 أعضاء لكل طرف) .

استبعد تقرير اللجنة الذى أعلن فى مارس 1966، خيارى الانفصال والكونفدرالية، وأوصى بالأخذ بمبدأ الحكم الأقليمى،وفى الحقيقة فإن توصيات هذه اللجنة شكلت الأسس الرئيسية التى بنيت عليها اتفاقية أديس أبابا عام 1972، التى وضعت حدا للحرب الأهلية التى كانت قد اندلعت منذ عام 1955، ومنحت الاتفاقية الإقليم الجنوبى حكما ذاتيا واسع الصلاحيات، الأمر الذى خلق استقرار نسبيا فى الجنوب وساهم فى إعادة بناء جسور الثقة بين أبناء الوطن الواحد، الا أن الحرب الأهلية اندلعت من جديد فى مايو 1983، بعد قرار الرئيس نميرى بتقسيم الإقليم الجنوبى إلى ثلاثة أقاليم، ثم بدأت الحرب تكتسب أبعاداً إضافية تعمقت مع مرور الوقت بعد إعلان نميرى تطبيق الشريعة الإسلامية فى السودان فى سبتمبر 1983، وهو ما عرف " بقوانين سبتمبر " وهكذا فإن التمرد أو بدء الحرب الأهلية مرة ثانية، كان سابقا على " قوانين سبتمبر" ، إلا أن هذه الأخيرة ألقت وقودا إضافياً على الحرب، حيث أصبحت هذه القوانين التى تطورت فى عهد نظام الإنقاذ الى ما عرف باسم " المشروع الحضارى" تلعب دورا محورياً وجوهرياً فى تشكيل تفاعلات مشكلة الجنوب ومساراتها، ومواقف القوى السياسية منها، كما أدت الى فشل كل المحاولات والاتفاقات المختلفة للوصول إلى حلول بشأنها فى عهد الديمقراطية الثانية 1985-1989، وكانت أيضا المحرك الأساسى لوقوع انقلاب 30 يونيو 1989 والذى وصل بمقتضاه نظام الإنقاذ الحالى الى الحكم، لاستباق الموافقة على اتفاقية الميرغنى – قرنق، التى وقعت فى نوفمبر 1988، والتى كان مفترضا أن يتم إقرارها فى 4 يوليو 1989، وكانت هذه الاتفاقية قد نصت فى أهم بنودها على تجميد قوانين سبتمبر، وعقد مؤتمر دستورى شامل فى 18 سبتمبر 1989، لوضع صيغة سياسية ودستورية جديدة لحكم السودان.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن حق تقرير المصير لم يكن جزءا من اتفاق كوكا دام بين الحركة الشعبية والتجمع الحزبى النقابى كما أنه لم يطرح فى اتفاق الميرغنى / قرنق ، وكانت الفكرة الأساسية فى ذلك الوقت هى محاولة الاصطلاح والتوافق على نموذج جديد لحكم السودان من خلال مؤتمر قومى دستورى يتم عقده بعد استيفاء مجموعة من الشروط تتلخص فى تجميد قوانين سبتمبر، وإلغاء كل الاتفاقيات العسكرية بين السودان والأقطار الأخرى، بالإضافة الى رفع حالة الطوارئ والاتفاق على وقف إطلاق النار.    

ثانيا : الإنقاذ وحق تقرير المصير

جاءت مسألة جنوب السودان على رأس برنامج سلطة " الإنقاذ" التى أعلنت فى بيانها الأول أن القوات المسلحة السودانية قد قامت بالثورة، لإنقاذ الوطن من التردى والانهيار الذى أدت إليه سياسات الحكومة المنتخبة، خاصة استمرار الحرب الى ورثتها عن النظام المايوى.

والتقت الحكومة بالحركة الشعبية لتحرير السودان، لأول مرة فى أديس أبابا فى أغسطس 1989، وكان واضحا منذ البداية أن اللقاء لن يسفر عن نتائج تذكر، فقد كان معلوماً أن الانقلاب الذى وقع فى 30 يونيو 1989، كان إجهاضاً لاتفاق الميرغنى / قرنق، وأن وفد الإنقاذ جاء إلى أديس أبابا وهو يحمل مشروعاً جاهزاً لحل مشكلة الجنوب، هو عبارة عن المشروع الذى طرحته الجبهة الإسلامية القومية فى مؤتمرها الأول الذى عقدته خلال الفترة الديمقراطية عام 1987، ورغم فشل الاجتماع الأول، إلا أنه تم عقد اجتماع ثان بين الطرفين فى نيروبى فى ديسمبر 1989، بوساطة من الرئيس الأمريكى جيمى كارتر، والذى كان قد بدأ آنذاك فى الاهتمام بالمسألة السودانية من خلال " مركز كارتر لحل النزاعات سلميا"، وقد لحق الفشل بهذا الاجتماع أيضا، الا أن الرئيس كارتر أعلن فى مؤتمر صحفى أن الاجتماع لم يحقق النجاح المطلوب، لأن الوفد الحكومى لم يكن مفوضا من قبل الخرطوم لاتخاذ موقف حول المبادرة التى طرحها كارتر على الجانبين، وأن وفد الحركة الشعبية جاء مزوداً بهذا التفويض، الأمر الذى أثار حفيظة الخرطوم التى اتهمت كارتر صراحة بالانحياز للحركة الشعبية مما أدى الى توقف المفاوضات بين الجانبين، وقد كانت حكومة الخرطوم تهدف فى الحقيقة الى تعديل الموقف العسكرى فى الجنوب، الذى كان يميل بقوة لصالح الحركة الشعبية فى نهاية فترة الديمقراطية الثانية، حيث كانت الحركة قد استولت على مساحات هائلة فى الجنوب، بل أصبحت قواتها على وشك أن تدق أبواب المدن الشمالية، وهو الوضع الذى أثار الكثير من القلق والاضطراب فى ذلك الوقت، ودفع الجيش الى تقديم مذكرته الشهيرة إلى حكومة الصادق المهدى فى فبراير 1989، والتى احتج فيها على الأوضاع المتردية للقوات المسلحة آنذاك، وعلى عدم توافر الدعم الكافى لها.

ومن خلال الاستراتيجية الجديدة لنظام الإنقاذ والتى هدفت أساساً إلى تعديل الميزان العسكرى لصالحها، نجحت الحكومة السودانية فى تحقيق مكاسب ميدانية هامة من خلال تركيزها على تحسين أوضاع الجيش، وأيضا من خلال رفدها للقوات المسلحة بأعداد ضخمة من قوات الدفاع الشعبى، بعد أن أعلنت الجهاد وأطلقت على مقاتلى الجنوب أسم " الخوارج"، وخلقت أجواء تعبوية شاملة، تعلى من قيمة التضحية والفداء والقتال فى الجنوب، باعتباره جهاداً إسلامياً للدفاع عن الثغور ضد حركة التمرد التى تستند إلى القوى المعادية "للمشروع الحضارى" لنظام الإنقاذ، وقد بالغ نظام الإنقاذ فى سياسته التعبوية هذه على المستوى الاجتماعى حتى أدخل تقليداً جديداً على الحياة الاجتماعية بإقامة أعراس صاخبة لقتلى العمليات العسكرية فى الجنوب، فيما عرف باسم "عرس الشهيد"، تطلق فيه الزغاريد ويترنم الحاضرون خلاله بالأهازيج والأناشيد الدينية، ويرتدى ذوو الشهيد الملابس البيضاء باعتبار أن هذا عرساً له يزف من خلاله إلى "الحور العين" فى الجنة.

وعلى الصعيد الإقليمي كانت الأحداث تسير فى غير صالح الحركة الشعبية بعد انهيار نظام منجتسو هايلى مريام فى أثيوبيا، و سقوطه فى مايو 1991، والذى كان الداعم الرئيسى لجون قرنق، الأمر الذى ساهم فى إضعاف الحركة بعد فقدانها لحليفها الرئيسى، والذى كان يسعى من وراء هذا الدعم الى استخدام قرنق كورقة ضغط ضد الخرطوم، حتى يجبر الأخيرة على إيقاف دعمها للحركات المناوئه لنظام منجستو داخل أثيوبيا، وأيضاً لحركات التحرير الإريترية وعلى رأسها الحركة الشعبية لتحرير إريتريا بقيادة اسياس أفورقى.

ثالثا : إعلان توريت ووثيقة فرانكفورت

ونتيجة لزيادة حده الاستقطاب بعد نجاح نظام الإنقاذ فى تعبئة أعداد ضخمة من ميليشيات الدفاع الشعبى خلف خطابه الجهادى، وبعد الهزائم المتكررة التى تعرضت لها الحركة الشعبية وفقدانها للعديد من مواقعها فى الجنوب، وازدياد الضغوط العسكرية عليها، بدأت تظهر بوادر الانقسام فى الحركة، احتجاجا على خطابها السياسى، الذى كان يدعو الى تحرير كل السودان –شماله وجنوبه- من أجل إعادة صياغته فى إطار مختلف، أطلق عليه جون قرنق مسمى دولة " السودان الجديد " ويقوم هذا الخطاب على أسس ديمقراطية وعلمانية واشتراكية، تهدف الى تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، وإلى نزع هيمنة الأقلية الشمالية العربية على الحكم، وتتيح للتعدد العرقى والثقافى والدينى فى السودان التعبير عن نفسه فى إطار هوية سودانية " متمايزة" تختلف عن تلك التى يتبناها شمال السودان فى ارتباطاته العربية والإسلامية .

فى أغسطس 1991، وقع الانقسام فى صفوف الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور لام أكول، والدكتور رياك مشار، وكلاهما كان يعمل أستاذا جامعيا، وقد شكلا معا ما عرف وقتها " بمجموعة الناصر" استنادا الى المنطقة التى نشأت فيها حركتهما، وجوهر الخطاب السياسى لهذه المجموعة يتركز فى أنه ليس من المقبول الاستمرار فى القتال والتضحية بدماء الجنوبيين، نيابة عن الشمال، من أجل هدف لن يتحقق، وهو بناء " السودان الجديد"، طالما أن القوى الشمالية لا ترغب أو لا تستطيع حمل السلاح لإحداث التغيير المطلوب، وأنه من الأجدى التركيز على حق تقرير المصير، والعمل من أجل انفصال الجنوب واستقلاله، بسبب البون الشاسع بين المكونات الثقافية والاجتماعية والتنموية لكل من الجنوب والشمال،  فضلا عن انعدام الثقة بينهما، إلى درجة اعتبار أن السعى إلى " الوحدة العادلة مع العرب"، ليس الا نوعا من السراب.

وفى الحقيقة فإن انشقاق مجموعة الناصر وغيره من الانشقاقات الجنوبية الأخرى التى توالت بعد ذلك، لم تنبع فقط من وجود مثل هذا الخلاف الفكرى أو السياسى حول الرغبة فى حق تقرير المصير أو الانفصال، بل غذتها أيضاً عوامل أخرى ذات جذور عميقة فى التركيبة الجنوبية، فرياك مشار ينتمى الى قبائل "النوير" التى تعارض هيمنة قبائل "الدينكا" وهى أكبر قبائل الجنوب والتى ينتمى إليها جون قرنق، كما أن لام أكول ينتمى الى قبائل "الشلك" وهى ثالث أكبر القبائل فى الجنوب بعد كل من الدينكا والنوير، مع ما بين هذه القبائل وغيرها من حروب داخلية على الأرض والمرعى واختلافات ثقافية ولغوية ودينية، وهذه الاختلافات والصراعات لا يتم التعبير عنها مباشرة أو بشكل صريح، بل يعبر عنها فى بيانات كل انشقاق تحت لافتات مثل ديكتاتورية القيادة، والفساد المالى والإداري، وانتهاك حقوق الإنسان، والمؤامرات الداخلية واغتيال المنافسين.

وتجدر الإشارة فى هذا السياق أيضاً إلى أن هناك العديد من وجهات النظر التى ترى أن الطرح الوحدوى للحركة الشعبية بقيادة جون قرنق ليس أصيلاً، وأن استمساك قرنق بشعار الوحدة، إنما يعود منذ البداية لأسباب تكتيكية تتعلق بوعيه بأن الدعوة الصريحة إلى الانفصال، ستضّيق من مجالات المناورة والحصول على الدعم أمامه، وذلك فى الإطارين الأقليمى والدولى. فالدول الأفريقية لن ترحب يمثل هذه الدعوة طبقاً لمبدأ الحفاظ على الحدود السياسية الموروثة من الاستعمار الذى أقرته منظمة الوحدة الأفريقية، كما أن دول الجوار السودانى لن تكون سعيدة بالمطالبات الانفصالية التى قد تنتقل عدواها إليها بسبب التداخلات الاثنية والقبلية العابرة للحدود السياسية، وربما رأى جون قرنق أيضاً أن المطالبة بالانفصال ستؤدى بلا شك إلى استنفار القوى المؤيدة لمناؤيه، بالإضافة إلى أن نظام " منجستو " وهو الداعم الأساسى له آنذاك، لم يكن ليقبل منه المناداة بالانفصال أو بحق تقرير المصير، بسبب تعدد القوميات فى الدولة الاثيوبية والتى ستنتقل اليها عدوى هذا الطرح، ومن ثم فإن وجهات النظر هذه ترى أن الطرح الوحدوى لقرنق يرتكز على تفضيله الحصول على الدعم السياسى والمادى والعسكرى اللازم لاستمرار حركته، والعمل على تحقيق مكتسبات متزايدة على الأرض، الأمر الذى سيؤدى به فى نهاية المطاف الى تحقيق أهدافه فى السيطرة على كل السودان، إعادة صياغة هوية الدولة فيه، أو التراجع عن هذا الهدف الكبير إذا اقتضت الضرورة ذلك،  والاقتصار على السيطرة على الجنوب فى كيان مستقل أو ذا صلاحيات واسعة النطاق مع المشاركة فى حكم الشمال، مع ما بين هذين الاحتمالين من سيناريوهات وتصورات متعددة .

وما يهمنا هنا هو أن انشقاق مجموعة "الناصر"(1)، قد ترتب عليه تطوران مهمان، التطور الأول يتعلق بالحركة الشعبية نفسها ، حيث بادرت الحركة لمواجهة هذه الأحداث، إلى عقد مؤتمر عام لها فى سبتمبر 1991، فى مدينة "توريت" التى كانت تسيطر عليها آنذاك، وذلك لمراجعة برنامجها الداعى إلى السودان الجديد، وتبنى شعار"تقرير المصير"، وقامت الحركة الشعبية فى هذا المؤتمر بإجراء تغييرات جوهرية فى الأولويات الواردة فى "المانيفستو" الذى أصدرته عام 1983، حيث أكدت الحركة أن الاستقلال وحق تقرير المصير، نتيجتان محتملتان إذا تعذر الوصول لاتفاق حول سودان علمانى ديمقراطى موحد، وذكر المتحدثون باسم الحركة الشعبية، بأنها تبحث فى حق سكان الجنوب فى تقرير المصير إذا اختارت غالبية السودانيين قيام دولة دينية فى الشمال، وأصبح ذلك المؤتمر علامة بارزة فى تاريخ الحركة الشعبية بعد أن صدر عنه ما عرف "بإعلان توريت"، والذى ورد فيه حق تقرير المصير لأول مرة، كخيار ضمن خيارات الحركة التى ظلت قبل ذلك تعلن إنها تحارب من أجل الوحدة وترفض الانفصال.

التطور الثانى تمثل فى سعى حكومة الخرطوم الى تعميق الانقسام والانشقاقات فى صفوف الحركة الشعبية، وبدأت الاتصالات مع لام أكول الذى كان قد أعلن انشقاقه تحت اسم "الحركة الشعبية المتحدة" وقد تمخضت هذه الاتصالات التى تمت برعاية الكنيسة الألمانية عن التوصل إلى " وثيقة فرانكفورت" فى يناير 1992، بين نظام الإنقاذ الذى كان يمثله فى هذه المفاوضات على الحاج، وبين لام أكول ، وهى الوثيقة التى اعترفت فيها – ولأول مرة – حكومة سودانية بحق تقرير المصير. وقد كانت " وثيقة فرانكفورت" وستظل علامة فارقة فى تاريخ مشكلة جنوب السودان، فرغم إنكار الخرطوم لهذه الوثيقة وقتها، إلا أن هذا الاتفاق ظل يلقى بظلاله على مسار النزاع حيث حدد له مساره الجديد وترك من وراءه كل الاطروحات السياسية والفكرية السابقة التى بدأت بمؤتمر جوباً عام 1947، مروراً باتفاقية أديس أبابا عام 1972، والتى كانت تتحدث على استحياء عن حكم ذاتى وعن ادارة الجنوبيين لشئونهم المحلية.

وفى تلك الأثناء أخذت الدعوات الجنوبية الى حق تقرير المصير تتزايد، حيث اجتمعت مجموعة من المثقفين الجنوبيين على رأسهم بونا ملوال وفرانسيس دينق وجوردون مورتات، وبيتر نيوت كوك، فى مدينة "ادير" بايرلندا، وذلك لمناقشة الوضع فى السودان واصدر المجتمعون بيانا أطلق عليه " إعلان أدير" وحدودا فيه ثلاثة خيارات وهى الفيدرالية والكونفدرالية والانفصال، على أن يتم الحسم بين هذه الاختيارات عن طريق استفتاء الجنوبيين.

وعاد شعار تقرير المصير للظهور بصورة أكثر وضوحاً لدى الحركة الشعبية، فى ندوة واشنطن التى عقدت فى أكتوبر 1993، وذلك فى محاولة لاحتواء الآثار الناجمة عن انشقاق رياك مشار ولام أكول ، ولتفادى انقسام القائد "كاربينو كوانين " نائب جون قرنق فى قيادة الحركة الشعبية حيث كانت ملامح هذا الانقسام قد أخذت فى التبلور آنذاك، وقد أكدت الحركة الشعبية فى هذه الندوة معارضة حكومة الجبهة الإسلامية فى الخرطوم، وأية حكومة قادمة، لا تحترم حق شعب الجنوب وجبال النوبة والمناطق المهمشه فى تقرير المصير.

كما ظهر بعد ذلك المنبر الانفصالى الذى يقوده الوزير السابق بونا ملوال، الذى يتخذ من لندن مقراً له ، ويقوم بونا ملوال بنشر مقالاته التى تنادى بحق تقرير المصير باعتبار هذا الحق تعبيرا عن طموحات غالبية شعب جنوب السودان، وتنبع أهمية هذا المنبر فى أن بونا ملوال هو أحد أهم الشخصيات التى لعبت دوراً بارزاً فى اتفاقية أديس أبابا كما كان وزيراً للإعلام فى عهد الرئيس نميرى لعدة سنوات، مما يكسبه وضعا مميزا فى الأروقة الدولية .

وهكذا بدأ حق تقرير المصير يأخذ طريقه كأحد الحلول الرئيسية المقترحة لحل مشكلة الجنوب، نتيجة للمناورات والانقسامات الحزبية فالفصائل المنشقة فى الجنوب وجدت فيه تعبيراً سياسيا مناسبا لتغطية انشقاقاتها التى تعود فى جزء مهم منها، الى الصراعات القبلية والصراعات على السلطة والنفوذ فى الحركة ، كما أن نظام الإنقاذ سعى إلى إضعاف الجنوبيين وتعميق الانشقاقات والحروب الضارية بين الفصائل الجنوبية لمساعدة قواته العسكرية فى الميدان وتسهيل القضاء على هذه الفصائل واحتوائها من خلال مبدأ "فرق تسد"، وذلك حتى يتسنى له الوقت اللازم لإحداث التغيير الاجتماعى والسياسى واسع النطاق الذى انهمك فيه فى الشمال للقضاء على القوى السياسية التقليدية بعد خلخلة قواعدها.

رابعا: مبادرة الإيجاد

واستمراراً فى نفس هذه الاستراتيجية من جانب نظام الإنقاذ، وبالنظر إلى أن حكومة الخرطوم كانت ما تزال فى حاجة إلى مزيد من الوقت لإكمال استعداداتها العسكرية فى الجنوب، وإضعاف معارضتها فى الشمال، فقد طلب الفريق البشير من قمة "الإيجاد" المنعقدة فى أكتوبر 1993، أن تتدخل لحل المشكلة السودانية، الأمر الذى رحبت به المنظمة، خاصة بعد فشل محاولة منظمة الوحدة الأفريقية للوصول إلى حل، و التى جرت برعاية الرئيس بابا نجيدا فى أبوجا الأولى، وأبوجا الثانية وفى مايو 1992 وأبريل 1993 على الترتيب.

رحبت "الإيجاد" بالمطلب السودانى وشكلت على أثره لجنة دائمة للسلام فى السودان فى سبتمبر 1993، تكونت من رؤساء أربعة من الدول الأعضاء، هى كينيا وأوغندا، و إريتريا، وأثيوبيا. وبادرت هذه اللجنة إلى دعوة الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان إلى أول لقاء بينهما تحت مظلة الإيجاد فى مارس 1994، ثم عقدت الجولة الثانية بعد ذلك بشهرين فى مايو 1994 فى نيروبى، وهى الجولة التى شهدت إعلان منظمة الإيجاد عن تصورها فى شأن حل النزاع السودانى، والذى عرف فيما بعد باسم "إعلان المبادئ".

كان من أهم مبادئ هذا الإعلان النص على أن تقوم بالسودان دولة ديمقراطية علمانية، تكفل حرية الاعتقاد والعبادة لكل المواطنين السودانيين، وأنه يجب فصل الدين عن الدولة، وكذلك الاعتراف بالتعدد العرقى والاثنى والثقافى والدينى، وضرورة استيعاب كل أنواع التعدد هذه والاعتراف بها، كما أكد إعلان المبادئ على أن كل الأطراف يجب أن تعطى الأولوية للمحافظة على وحدة السودان، وأنه يجب التأكيد على حق تقرير المصير على أساس الفيدرالية أو الحكم الذاتى لكل أهل المناطق المختلفة، فإذا تعذر الاتفاق على هذه المبادئ يكون للطرف المعنى الخيار فى تقرير المصير بما فى ذلك الاستقلال عن طريق الاستفتاء.

وهكذا انتقل مبدأ تقرير المصير من مجال الصراع السياسى بين الفصائل الجنوبية، ومن محاولات الغزل أو الاستقطاب بين الحكومة وبعض هذه الفصائل، لكى يصبح مبدأ رئيسياً فى مبادرة إقليمية، كانت حكومة الخرطوم هى التى سعت إليها بنفسها، وبالرغم من ذلك فقد بدا أن نظام الإنقاذ قد فوجئ بالبنود الواردة فى إعلان المبادئ، ونتيجة لذلك أعلنت الحكومة السودانية رفضها القاطع على لسان غازى صلاح الدين، رئيس وفدها إلى المفاوضات، وأكدت على رفضها فصل الدين عن الدولة، وأن المشروع الحضارى لنظام الإنقاذ يتعدى حدود السودان، وأنه قادر على مواجهة الاستكبار والصهيونية والصليبية الدولية.

كانت الخرطوم قد أكملت استعداداتها للحرب، ومن ثم لم تعبأ بفشل العملية التفاوضية، وعادت إلى الخيار العسكرى الذى حشدت له بقوه واستطاعت من خلاله أن تحقق العديد من المكاسب الميدانية عام 1995، حدت بها إلى الإعلان أن هذه المعارك هى آخر معارك الجنوب، وأطلقت على صيف ذلك العام اسم "صيف العبور"، وأن الحركة الشعبية لن يكون لها أى وجود مؤثر بعد ذلك، ومن هذا المنطلق بدأت بالتركيز على مشروعها المسمى "السلام من الداخل"، وسارت فيه شوطاً طويلاً، أدى فى النهاية إلى توقيع اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1997، وإلى تضمين مبدأ تقرير المصير فى دستور 1998.