هانئ رسلان
منذ الشهور الاولى لاندلاع ازمة دارفور وقبل ان تصل الى المدى الذى بلغته فى الوقت الحالى، والذى اصبح يشكل تهديدا حقيقيا لاستقرار السودان ، ومدخلا واسعا للتدخلات والاجندات الخارجية، كانت هناك العديد من الاشارات الدالة على وجود دور اسرائيلى يبذل جهودا قوية لتوسيع الازمة وتوطينها وتكريسها، وتشجيع العديد من اطرافها المحليين على المضى قدما عبر توفير التمويل ووسائل الدعم اللوجستى والمساعدة على فتح مجال الاتصالات السياسية والدبلوماسية والضخ الاعلامى. حيث تستغل الاجهزة الامنية الاسرائيلية شهوات البعض للسيطرة والهيمنة ولعب ادوار قيادية، ومع العزف على اوتار الاختلافات الاثنية وايقاد روح الضغينة والكراهية وتعميق الرغبة فى التمايز والسيطرة القبلية، لاشعال نار الفتنة وصب الزيت على النار فى الازمة التى تعبر فى الاساس عن اجندة تنموية، لتحويل مسارها الى ازمة سياسية ذات طبيعة اثنية مركبة ومعقدة، تعمل فى نهاية المطاف فى اتجاة إضعاف السودان وتمزيقه من الداخل، وصولا الى تفكيكه الى  دويلات صغيرة متنازعة واقعة فى اسر من يقدمون لها التمويل والحماية.
وكان من بين الاشارات الاولى التى فضحت التدخل الاسرائيلى المباشر، التقارير التى نشرت فى مطلع عام 2003حول وقوع خلاف فى قيادة التحالف الفيدرالى الديمقراطى فى العاصمة الاريترية اسمرا، والذى كان يتزعمه انذاك احمد ابراهيم دريج وشريف حرير ، وتمحور الخلاف حول تلقى شريف حرير لدعم مالى اسرائيلى عبر احدى السفارات الاسرائيلية العاملة فى غرب افريقيا ، مما ادى الى استقالة بعض اعضاء المكتب السياسى للتحالف احتجاجا على هذا السلوك. وفيما بعد انفصل شريف حرير عن التحالف الفيدرالى واصبح متجولا بين العديد من الفصائل المسلحة بدارفور حيث عمل مع حركة تحرير السودان، ولعب دورا واضحا فى مفاوضات نجامينا، ثم تحرك فى انتقالات متعددة الى ان   اصبح قياديا فيما يعرف بجناح الوحدة.
وفيما بعد وحين اوشك نظام ادريس ديبى على السقوط بعد ان حوصر فى قصرة لعدة ايام فى فبراير 2008 ، كانت اسرائيل بين القوى التى تدخلت لانقاذه، كما اشارت الى ذلك وكالة الانباء الفرنسية فى احد تقاريرها آنذاك، ولا تخفى دلالة هذا التدخل وانعكاساته فيما بعد على تطورات الاحداث فى دارفور. وهناك ايضا الدور المؤثر الذى لعبه "تحالف انقاذ دارفور"  الذى انطلق من متحف الهولوكوست فى نيويورك، وتسيطر عليه المنظمات الصهيونية، فى التاثير ليس فقط على صياغة رأى عام عالمى ضاغط فى اتجاهات محددة، بل تعدى ذلك الى التاثير على السياسات الامريكية تجاه ازمة دارفور – كما اشار الى ذلك صراحة الرئيس بوش فى احد تصريحاتة العلنية- بالاضافة الى دور هذا التحالف فى ازمة المحكمة الجنائية الدولية. 
هذه الاشارات كانت كافية للدلالة على وجود اليد الاسرائيلية ، ولكن البعض- ولاسباب مختلفة - كان يشكك فى وزن ومدى إسهام اسرائيل فى اشعال الازمة وخلق العراقيل التى تحول دون حلها داخليا، وسعيها المستمر لفعها الى المزيد من التعقد، من اجل الاستمرار فى توظيفها وصولا الى الاهداف الاستراتيجية الموضوعة والمحددة سلفا وهى تمزيق وتفتتيت السودان. غير ان الشواهد استمرت تتوالى، لكى تتاكد بشكل علنى وقطعى عبر قيام عبدالواحد نور بإعلان علاقته باسرائيل بشكل رسمى بعد ان لاذ بفرنسا واصبح تحت حماية اجهزتها.
تقرير ديختر
بين ايدينا الان وثيقة اسرائيلية مهمة هى عبارة عن التقرير الذى قدمه آفى ديختر وزير الامن الداخلى الاسرائيلى، ويتناول فيه التقديرات الاسرائيلية الاستراتيجية للموقف فى الساحات المحيطة باسرائيل ، حيث بدأ بالوضع الفلسطينى الداخلى ثم لبنان وسورية ، وانتقل بعدها الى العراق وايران، لكى يختتم بتقديراته عن الاوضاع فى مصر ثم فى السودان. واهمية هذا التقرير انه حديث الصدور ( سبتمبر 2008 ) ، وانه صادر عن شخص مازال فى موقع المسئولية الامنية الاولى ، بعد ان تدرج فى اجهزة الامن الاسرائيلى الى ان وصل الى موقع قائد جهاز "الشاباك" .
 اسرائيل والسودان
استهل أفى ديختر وزير الأمن الداخلى الحديث عن البعض فى إسرائيل ممن يتساءل: لماذا نهتم بالسودان ونعطيه هذا القدر من الأهمية؟ ولماذا التدخل فى شئونه الداخلية فى الجنوب سابقاً وفى الغرب فى دارفور حالياً طالما أن السودان لا يجاورنا جغرافياً وطالما أن مشاركته فى المواجهة ضد إسرائيل معدومة أو هامشية، وارتباطه بقضية فلسطين ظل حتى نهاية الثمانينات ارتباطاً واهياً وغير مباشر.
والاجابة كما يوردها ديختر على النحو التالى :
ان إسرائيل حين تبلور محددات سياسياتها واستراتيجياتها حيال العالم العربى، تنطلق من عملية استجلاء واستشراف للمستقبل وأبعاده وتقييمات تتجاوز المدى الحالى أو المنظور.
السودان بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه كان من الممكن أن يصبح دولة إقليمية قوية، لكن الأزمات الداخلية البنيوية، والصراعات والحروب الأهلية فى الجنوب التى استغرقت ثلاثة عقود ثم الصراع الحالى فى دارفور، فضلاعن الصراعات داخل المركز فى الخرطوم، أدت الى تحول هذه الازمات إلى أزمات مزمنة. مما ادى الى تفويت الفرصة على السودان ، والحيلولة دون تحوله إلى قوة إقليمية مؤثرة فى البنيتين الأفريقية والعربية.
كانت هناك تقديرات إسرائيلية منذ بداية استقلال السودان، أنه لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عن اسرائيل، أن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربى لأن موارده إن استثمرت فى ظل أوضاع مستقرة ستجعل منه قوة يسحب لها ألف حساب. وفى ضوء هذه التقديرات كان على إسرائيل أو الجهات ذات العلاقة أو الاختصاص أن تتجه إلى هذه الساحة وتعمل على مفاقمة الأزمات وإنتاج أزمات جديدة حتى يكون حاصل هذه الأزمات معضلات يصعب معالجتها فيما بعد.
ان السودان يشكل عمقا استراتيجيا لمصر. وقد تجسد هذا المعطى بعد حرب  1967 عندما تحول السودان إلى قواعد تدريب وإيواء لسلاح الجو المصرى وللقوات البرية، هو وليبيا. كما ان السودان أرسل قوات إلى منطقة القناة أثناء حرب الاستنزاف التى شنتها مصر منذ عام 1968 – 1970 وفى حرب اكتوبر.
كان لابد أن تعمل اسرائيل على إضعاف السودان وانتزاع قدرته على بناء دولة قوية موحدة رغم أنها تعج بالتعددية الأثنية والطائفية – لأن هذا من المنظور الاستراتيجى الإسرائيلى ضرورة من ضرورات دعم وتعظيم الأمن القومى الإسرائيلى.
تاريخ من التدخل
كانت جولدا مائير قد عبرت عن هذا المنظورعندما قالت: (إن إضعاف الدول العربية الرئيسية واستنزاف طاقاتها وقدراتها واجب وضرورة من أجل تعظيم قوتنا وإعلاء عناصر المنعة لدينا فى إطار المواجهة مع أعداءنا. وهذا يحتم علينا استخدام الحديد والنار تارة والدبلوماسية ووسائل الحرب الخفية تارة أخرى).
وكشفت عن أن إسرائيل وعلى خلفية بعدها الجغرافى عن العراق والسودان مضطرة لاستخدام وسائل أخرى لتقويض أوضاع هذين البلدين من الداخل لوجود الفجوات والثغرات فى البنية الاجتماعية والسكانية فيهما.
 وقد اورد ديختر بعض المعطيات عن وقائع الدور الإسرائيلى فى إشعال الصراع فى جنوب السودان انطلاقاً من مرتكزات قد اقيمت فى أثيوبيا وفى أوغندا وكنيا والزائير سابقاً (الكونغو الديموقراطية حالياً). واشار الى ان جميع رؤساء الحكومات فى إسرائيل من بن جوريون وليفى اشكول وجولدا مائير وإسحاق رابين ومناحيم بيغن ثم شامير وصولا الى شارون وأولمرت تبنوا هذا الخط الاستراتيجى فى التعاطى مع السودان الذى يرتكز (على تفجير بؤر وأزمات مزمنة ومستعصية فى الجنوب وفى أعقاب ذلك فى دارفور).
هذا الخط الاستراتيجى كانت له نتائج ولا تزال أعاقت وأحبطت الجهود لإقامة دولة سودانية متجانسة قوية عسكرياً واقتصادياً قادرة على تبوأ موقع صدارة فى العالمين العربي والأفريقي.
اسرائيل ودارفور
يقول ديختر: ان تدخلنا فى انتاج وتصعيد البؤرة الجديدة فى دارفور، كان حتمياً وضروريا،ً حتى لا يجد السودان المناخ والوقت لتركيز جهوده باتجاه تعظيم قدراته. وان ما أقدمنا عليه من جهود على مدى ثلاثة عقود يجب أن لا يتوقف لأن تلك الجهود كانت بمثابة المداخل والمقدمات التى أرست منطلقاتنا الاستراتيجية فى "أن سودان ضعيف ومجزأ وهش أفضل من سودان قوى وموحد وفاعل".
واشار ديختر الى ان الحركة الاسرائيلية فى دارفور لم تعد قاصرة على الجانب الرسمى وعلى نشاط أجهزة معينة، بل ان المجتمع الإسرائيلى بمنظماته المدنية وقواه وحركاته وامتداداتها فى الخارج تقوم بواجبها لصالح سكان دارفور.  وأكد " نحن متواجدين فى دارفور لتأكيد خطنا الاستراتيجى من أن دارفور كجنوب السودان من حقه أن يتميع بالاستقلال وإدارة شؤونه بنفسه"، لوضع حد لنظام السيطرة المفروض عليه عنوة من قبل حكومة الخرطوم.
وحول التعاون الامريكى الاوروبى الاسرائيلى يقول ديختر، ان الدور الأمريكى فى دارفور دور مؤثر وفعال، ومن الطبيعى أن يسهم هذا فى تفعيل الدور الإسرائيلى وإسناده، وقد كان من الممكن ان نواجه مصاعب فى الوصول إلى دارفور لنمارس دورنا المتعدد الأوجه بمفردنا وبمنأى عن الدعم الأمريكى والأوروبى.
خطة التدخل
يشير ديختر الى ان الفضل فى وضع خطة التدخل الإسرائيلى فى دارفور عام2003 ، يعود إلى رئيس الوزراء السابق اريئيل شارون. وان ذلك  أثبت نظرة شارون الثاقبة والمستمدة من فهمه لمعطيات الوضع السودانى خصوصاً ، والوضع فى غرب أفريقياعموما.  وان هذه النظرة وجدت تعبيرا لها فى كلمة قاطعة ألقاها شارون خلال اجتماع للحكومة فى عام 2003 (حان الوقت للتدخل فى غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل وبنفس أهداف تدخلنا فى جنوب السودان).
وفى الختام قال ديختر: اريد أن أنهى بالقول أن استراتيجينا التى ترجُمت على الأرض فى جنوب السودان سابقاً وفى غربه حالياً، استطاعت أن تغير مجرى الأوضاع فى السودان نحو التأزم والتدهور والانقسام. وأصبح من المتعذر الان الحديث عن تحول السودان إلى دولة إقليمية كبرى وقوة داعمة للدول العربية التى يطلق عليها "دول المواجهة مع إسرائيل".
وانه لابد من التذكير مرة أخرى بأن قدرا هاما وكبيرا من أهداف اسرائيل فى السودان، قد تحقق على الأقل فى الجنوب الذى يوشك ان ينفصل . وهذه الأهداف تكتسب الآن فرصة التحقق فى غرب السودان (فى دارفور) . وان السودان فى ظل أوضاعه المتردية والصراعات المحتدمة فى جنوبه وغربه وحتى فى شرقه غير قادر على التأثير بعمق فى بيئته العربية والأفريقية، لأنه  مشتبك وعالق داخليا فى صراعات ستنتهى إن عاجلاً أو أجلاً بتقسيمه إلى عدة كيانات ودول، مثل يوغسلافيا التى انقسمت إلى عدة دول: البوسنة والهرسك وكرواتيا وكوسوفو ومقدونيا وصربيا.
وفى النهاية يشير ديختر- فى نبرة تحمل الثقة فى الادوات والوسائل التى يديرها مع الرغبة فى استعجال النهايات- الى ان هذا المسار يتفاعل، وان السؤال المطروح الآن يتعلق بالمدى الزمنى للمرحلة الحالية: الى متى؟
نقلا عن ملف الاهرام الاستراتيجى