أحاديث سودانية

 

أثارت التحديات العديدة التى تواجه تطبيقات اتفاقية نيفاشا، الكثير من المخاوف فى الغرب ، حيث يمكن ملاحظة أن هناك نوعا من القلق من أن تتحول هذه التحديات المزمنة والمتمثلة فى الخلاف على عائدات النفط وقضايا ترسيم الحدود ومشكلة إبيى، إلى إحتكاكات وإضطرابات أمنية قد تفضى فى نهاية المطاف بشكل مقصود أو غير مقصود الى الإنزلاق مرة إخرى نحو الحرب الاهلية. حيث هناك حرص غربى واضح على الوصول بهذه الاتفاقية الى مداها وغايتها الاساسية وهو ممارسة الجنوب لحق تقرير المصير المقرر فى عام 2011، وهذا الحرص الواضح على الوصول بسلام الى استفتاء تقرير المصير يترافق معه موقف يتسم بشكل عام بالغموض من قضية الانفصال نفسها وهذا حديث اخر .

 

فى هذا الاطار صدرت مؤخرا دراسة لإدوارد توماس عن المعهد الملكى للشئون الدولية تحت عنوان : تامين اتفاقية السلام الشامل فى السودان فى مواجهة الضغوط المتزايدة " . تضمنت الدراسة اطلالة شاملة على اتفاقية نيفاشا، ومناقشة لابعاد هذه الاتفاقية من زوايا مختلفة، وكذلك طبيعة التحديات التى تواجهها والظروف ذات الطبيعة المركبة والمتداخلة التى تحيط بعملية التطبيق.

 

ما لفت نظرى بشكل اساسى هو تناول الكاتب لمشكلة الانفصال والوحدة لجنوب السودان، والغموض الذى يلف هذه القضية وما قد يترتب على الانفصال –فى حالة وقوعه- من تداعيات، ويقول الكاتب ان هذه التداعيات لاتحظى بالنقاش العلنى، بسبب التكلفة الباهظة – من الناحية التكتيكية- لمثل هذا النقاش لكل من طرفى نيفاشا.  فالتأييد العام لشعار "جعل الوحدة جذابة" يتناقض مع قبول الواسع لفكرة أن الوحدة باتت غير مرجحة بشكل أو بأخر. والتساؤل الاهم الذى طرحتة الدراسة وحاولت الاجابة عليه يتعلق بطرح بعض الاحتمالات السياسية والتكاليف المنتظرة. والتساؤل عن ما هية الملامح التى ستميز جنوب سودان مستقل؟

 

فى محاولة الاجابة على هذه التساؤلات وردت الاشارة الى عدة عوامل من اهمها ان النظر فى ميزانيات حكومة جنوب السودان يوفر بعض الأفكار عن الأولويات السائدة فى الجنوب والمستقبل الذى ينتظرة، حيث زادت الميزانية من مبلغ زهيد للغاية فى إطار نظام ما قبل إتفاقية نيفاشا إلى مبلغ 800 مليون دولار فى عام 2005، ثم 1.5 مليار دولار فى عام 2008، ومن المعروف ان معظم عائدات حكومة جنوب السودان تأتى من حصتها فى الثروة النفطية ومثلت أكثر من 91% فى عام 2008، فى الوقت الذى شكلت فيه المنح أقل من 5%، وتم تخصيص 45% من العائدات للمرتبات، و28% لمصروفات التنمية. حيث أدت قوائم المرتبات الضخمة إلى ظهور الاتهامات بانتشار الفساد. ومن زاوية ثانية تذهب معظم الأموال إلى المركز وليس إلى الولايات: حيث تم تخصيص حوالى 90% من المرتبات ونحو 67% من مصروفات التنمية فى عام 2008 للحكومة الاقليمية للجنوب. وكماهو معروف ايضا فان نسبة كبيرة من اجمالى الميزانية ينفق من الناحية الفعلية على الامن والدفاع  حيث اظهرت ميزانية 2008 ان هناك 30% من مصروفات الحكومة ذهبت للأمن والدفاع ، بخلاف المصروفات الاضافية التىخصصت للجيش الشعبى فى الوقت الذى تشير فيه التقديرات غير الرسميةالى ارقام ونسب أعلى بكثير.

 ويرى الكاتب ان مثل هذه الاقوال تكشف عن وجهة نظر واسعة الانتشار، بأن جنوب السودان مهدد  بمخاطر الحروب العرقية وأن الجنوبيين غير قادرين على حكم أنفسهم، الا ان الكاتب يرى ان الهوية الوطنية الجنوبية ربما تسير فى اتجاه التماسك ويشير الى ان الجيش الشعبى لتحرير السودان استطاع ان يحشد انصارا له من أجزاء مختلفة من جنوب السودان خلال حربة الطويلة لما يقرب من عقدين من الزمان، الا انه  خلال هذه الفترة ايضا خاض حروباً أهلية عرقية محلية، بالرغم من المرونة السياسية التى مكنت الحركة الشعبية من استيعاب فصائل عرقية مختلفة حين تتطلب السياسة ذلك. وفى نوع من الاعتراف تشير الدراسة فى هذا المجال الى  الدور  الذى لعبته الكنائس المسيحية الغربية فى محاولة تحديد الهوية الجنوبية حيث تم تعميد عدم ضخم من السودانيين الجنوبيين – فى منطقة تسودها المواريث الدينية المحلية الثرية.

ولكن الكاتب يقر فى نهاية المطاف بأن الانتماء القبلى يظل لاعباً سياسياً بالغ الأهمية فى جنوب السودان، حيث ان أحد المطالب السياسية الرئيسية خارج  العاصمة جوبا هو تكوين مزيد من المراكز على أساس عرقى. ويرجع ذلك إلى مخاوف محلية بشأن الأمن وحقوق الأراضى، نتيجة للاوضاع الخاصة باستمرار نظام ملكية الأراضى الذى يخصص الأراضى عبر التقاليد والقيادات القبلية، مما يجعل الانتماءات والامتيازات القبلية هامة للحفاظ على حياة الناس ومصادر عيشهم. ونتيجة لذلك ورغم أن تجربة النضال الوطنى قد خلقت وعياً وطنياً، إلا أن حوادث العنف بين المدنيين المسلحين من مختلف القبائل، أو بين الفئات  المختلفة من نفس القبيلة، قد زادت منذ التوقيع على اتفاقية السلام الشامل، فضلا عن وجود ميلشيات خاصة ضخمة يديرها "قادة فى الحكومة" والتهديد المتواصل الذى يمثله جيش الرب.

 

وحول أعباء الانفصال بالنسبة لشمال وجنوب السودان يقول الكاتب أن تكاليف الانفصال باهظة على الجنوب، ويقبل الانفصاليون بأن الجنوب سيحتاج إلى التنازل عن بعض الثروة النفطية للشمال حيث يجرى ضخ نفط الجنوب عبر خط أنابيب يمر عبر شمال السودان، وعائداته تأتى عبرالخرطوم. وقد يتم قطع هذه العائدات فى غضون شهر واحد إذا انفصل الجنوب بطريقة أحادية. وقد يؤدى انفصال غاضب إلى حدوث خلاف عنيف حول كمية النفط المتنازع عليها، ونشر عدم الاستقرار على طول الحدود بين الشمال والجنوب. وقد يتم استدراج سكان المناطق الغنية بالنفط إلى أعمال العنف، ولن يكون فى مقدور قوات حفظ السلام، بدون إعادة صياغة مثيرة للتفويض الممنوح لبعثة الأمم المتحدة فى السودان، تقديم الكثير لحماية المدنيين.

وستكون تكاليف انفصال الجنوب ضخمة أيضاً على الشمال، حيث من الممكن استدراج سكان مناطق التخوم التى يبلغ طولها 2000 كيلو متر، وهى حدود من الصعب السيطرة عليها سواء من جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان أو القوات المسلحة السودانية. وبدون التوجيه العقائدى الذى توفره الحركة الشعبية لتحرير السودان، فإن هذه المجموعات قد تجد من الصعب صياغة مظالم شرعية لمواجهة حزب المؤتمر الوطنى – وقد تصبح حركات ذات طابع محلى، يتم نبذها باعتبارها "عصابات".

نقلا عن مجلة الاهرام الاقتصادى