أحاديث سودانية

 

أتابع منذ فترة ما تكتبة الكاتبة والأديبة السودانية متعددة المواهب سلمى الشيخ سلامة، أقرأ ما تكتبه بكثير من الإنصات الداخلى.. تكتب بطريقة السهل الممتنع .. يجذبك سردها الجميل وصدقها الشفيف وتلقائيها المحببة.. وصياغاتها التى تعبر عن موهبة فطرية عميقة.. يزيدها حسنا تلك الشمائل النبيلة  المغموسه فى شجاعتها الداخلية، هذه الشجاعة النابعة من الثقة فى الذات والإحساس الحقيقى  بالغنى الناتج عن الامتلاء بالقيم والمعانى الجميله .. ومن ثم فهى ليست  مضطرة للكذب .. ولا للتجمل .

  

ذكرتنى فى البداية بشجاعة المفكر المصرى المعروف "لويس عوض" فى سيرته الذاتية "أوراق العمر" ، والتى تحدث فيها بقدر كبيرمن الصراحة والمكاشفة عن أحداث طفولته وشئون عائلته ومراهقته، وحتى بعض المشاعر أو المواقف السلبية من أخيه الإستاذ الجامعى رمسيس عوض، الذى كان يرى ان شهرة لويس عوض حجبت عنه المكانة التى كان يستحقها. الطريقة التى كتب بها  لويس عوض فى ذلك الوقت لم تكن معتادة فى مثل هذا النوع من السير، حيث يحرص الناس على إبراز كل ما هو جميل وبراق، والصمت عن كل ما يعتقدون انه من الممكن أن يخدش صورتهم اللامعة أمام الناس .

 

فى البداية شدتنى تلقائيتها غير أننى مع الوقت بدأ يتكون لدى الشعور – كقارئ - أن كتابات سلمى الشيخ تأخذك الى مناطق ومساحات أكثر صدقا وأكثر إمتاعا.. وجدتها تطرق بسلاسة متناهية مناطق خاصة لا يجرؤ الكثيرون على الاقتراب منها . وهى فى كل ذلك لاتعبر  عن تجربتها الشخصية فحسب بل تعطيك تصويرا اجتماعيا وثقافيا ممتعا عن المدن والأماكن والشخوص، تحكى لك عن رحلتها بمراحلها المختلفة فتحس انك تعيش معها ، فى طفولتها ومدرستها الابتدائية وإستاذها الذى تأثرت به كثيرا.. عن الأبُيّض وإمدرمان والقاهرة وجفاف وقسوة الحياة فى الغرب.. تحس معها بمعاناتها المادية وضيق ذات اليد فى الغربة، وتحس بالفرح لفرحها بنجاحاتها وانجازاتها..

 

تحدثت سلمى عن السنوات التى قضتها فى القاهرة بكثير من المحبة والشوق والحنين حيث بقيت  ثمانية أعوام فى عقد التسعينيات ، تقول (هى الأجمل فى تاريخى(. نقلت لنا تجربتها فى المرحلة الإولى لوصولها حين كانت تخشى مجرد النزول إلى الشارع بمفردها، متأثرة فى ذلك بالصورة الذهنية التى تكونت لديها من متابعة السينما والاعمال الدرامية، الى ان تأكد لديها أن فى القاهرة أمانا (أكثر من أى حته فى الدنيا) . و (إكتشفت السر ، سر المدينة، بت أعود إلى السكن فى وقت متأخر من الليل ، كنت اجوس المدينة من اقصاها إلى ادناها انزل حيث موقف الباصات ، اختار باصا فى غير ما تحديد ، اجول عبره فى الانحاء ، اتعرف على المدينة التى ستغدو صديقتى الحميمة ).

 

من المقاطع التى إستوقفتنى فى ذكريات سلمى الشيخ القاهرية حديثها  الحميم والدافئ عن الاستاذ فاروق الجوهرى عاشق السودان بالاذاعة المصرية، وكذلك مقابلتها للسيدة أمينة النقاش، الكاتبة المعروفة بإهتمامها بالشأن السودانى.. ومديرة تحرير جريدة الاهالى التى تصدر عن حزب التجمع المعارض ..وشعورها بالدهشة والسعادة معا حين إكتشفت أن أمينة النقاش تتابع كتاباتها فى جريدة الاتحادى السودانية التى كانت تصدر فى القاهرة آنذاك .. (وخرجت ذلك اليوم وكنت امتلئ وجدانا بتلك المقابلة غير المرتبة مع صحفية وانسانة كان الهم السودانى يؤرقها ربما أكثر من بعض السودانيين أنفسهم ). وأذكر أننى فى أول مرة إلتقيت فيها بالاستاذه أمينة بعد ذلك ذكرت لها هذه الحكاية، فتذكرت لقاءها بسلمى بالتفصيل وأثننت عليها كثيرا، وحكت لى عن تجربة جريدة الاتحادى واهميتها فى تلك المرحلة.

 

 تقول سلمى الشيخ.. (مصر ، يا لذلك المكان الذى فتح شهيتى للحياة والكتابة والقراءة ..  فى القاهرة المدينة التى لا تنتهى مهرجاناتها ولا منتدياتها ولا مؤتمراتها كان لى شرف أن ألتقى بقامات مسرحية عربية وإفريقية ومصرية ، كنت فى كل مناسبة احرص على الحضور والمشاركة والحوار ، كانت حوارات رصينة مع مفكرين كبار... أزعم ان البعض يرى اننى متعصبة فى حبى، ومغالية فى حبى لمصر واهل مصر لكنهم من تعلمت منهم ان الفن ليس مجرد موهبة بل هو فى احد درجاته جد وشقاء وعمل لا يتنهى يتواصل فى مسيرك كما الماء والهواء ).

 

إن كتابة سلمى الشيخ وذكرياتها عن القاهرة وأيامها فيها، وعن تفاعلها الوجدانى العميق مع  شخوص مصريين وسودانيين وعرب، إنما هى تعبير صادق وتلقائى عن ذلك النسيج المتصل بين قطرى وادى النيل وعن ذلك الكيان الاجتماعى الحضارى الواحد هنا وهناك، بعيدا عن حساسيات وتقاطعات السياسة وصراعاتها.

 ومن اللافت للنظر أنه وفى مقابل حميمية ومحبة سلمى الشيخ-كمثال- نجد قلة من الكتاب السودانيين لايفوتون فرصة إلا ويعبرون فيها عن مشاعر سلبية تجاه مصر، دون مبرر واضح أو مفهوم.  وأذكر قبل فترة وجيزة الإشارة التى أوردها أحدهم – دون سياق يستدعى ذلك- إلى أن جريدة الأهرام أغلقت مكتبها فى واشنطن، ثم استنتج من ذلك أن "المؤسسة الآن مصابة بالدوار وتترنح".  معبرا فيما يبدو عن بعض الأمانى التى تخالطه. المعلومات غير صحيحة بطبيعة الحال ، ربما لأنه لم يتابع مثلا أن هذه المؤسسة التى يتجاوز حجم أعمالها ثلاثة مليارات جنية مصرى فى العام حققت أرباحا فى عامها الاخير تجاوزت أربعمائة مليون جنية مصرى، ومن ثم فهى لاتترنح، كما أن إغلاق مكتب واشنطن أو غيره تم لأسباب رأتها إدارة المؤسسة. ولكنى فى الحقيقة لم أفهم أصلا لماذا يحمل هذا الكاتب ، مثل هذه المشاعر لمصر أو لمؤسسة الأهرام.