فى الأسبوع الماضى قادت الولايات المتحدة ممثلة فى المبعوث الرئاسى الأمريكى الجنرال سكوت جريشن مفاوضات ثلاثية الأطراف جمعت إلى جانب الإدارة الأمريكية طرفى اتفاقية نيفاشا الموقعة فى يناير 2005، وهما حزب المؤتمر السودانى الحاكم والذى قاد وفده الدكتور غازى صلاح الدين مستشار الرئيس السودانى، والذى كُلف مؤخرا بتولى ملف أزمة دارفور، ووفد الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة مالك عقار القيادى فى حزب الحركة الشعبية الحاكم فى الجنوب.



كان الهدف المعلن من هذه المفاوضات هو تذليل الخلافات بين شريكى الحكم فى السودان خاصة فيما يتعلق بالانتخابات المقبلة والمقررة فى فبراير 2010 والخلاف حول نتائج الإحصاء السكانى وترسيم الحدود وعوائد البترول والاستفتاء حول حق تقرير المصير. ورغم أن هذه المفاوضات لم تحقق اختراقا فى أى من الملفات المطروحة، فإنها كانت تعبيرا واضحا عن الجهود الأمريكية لإدارة أوباما الساعية إلى تهدئة الأوضاع فى السودان، خاصة فيما يتعلق بتأمين ظروف أفضل للاستمرار فى تطبيق اتفاقية نيفاشا بنجاح، والعمل فى نفس الوقت على إيجاد مخارج للتسوية السياسية لأزمة دارفور بعد الضرر الفادح الذى تعرضت له هذه الجهود، نتيجة أزمة المحكمة الجنائية الدولية وإصدارها قرارا بتوقيف الرئيس البشير.

 



فى السياق ذاته وعقب الانتهاء من المفاوضات الثلاثية مباشرة، انعقد منتدى واشنطن لتقييم اتفاقية نيفاشا والذى حضره أكثر من ثلاثين من القيادات السياسية السودانية مع 170 مراقبا ينتمون إلى 32 دولة ومنظمة دولية، إضافة إلى أربعة رؤساء وزراء أفارقة سابقين، وذلك بهدف مواجهة القضايا التى تدفع السودان إلى مفترق طرق قد ينذر بانهيارات خطيرة إذا استمرت المراوحة فى المسارات الحالية، والتى تبدو فى حالة انسداد أو توقف لاسيما فيما يتعلق بتسوية أزمة دارفور أو العلاقة بين الشمال والجنوب.

 



فى هذا الإطار تظهر السياسة الأمريكية تجاه السودان ذات أثر حاكم فى صياغة وتحديد اتجاهات الأوضاع فى السودان، غير أن هذه السياسة نفسها تبدو حتى هذه اللحظة غير مستقرة، أو أنها مازالت فى مرحلة الشد والجذب والتنازع الداخلى. فقد انتقلت إدارة أوباما من القول إن «الرئيس السودانى يعد هاربا من وجه العدالة الدولية» فى أعقاب صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية فى 4 مارس الماضى بتوقيف البشير، إلى الحديث فى الشهر التالى مباشرة عن التعاون والشراكة الاستراتيجية بين البلدين إبان الزيارة الأولى للمبعوث الرئاسى جريش إلى الخرطوم فى أبريل 2009، الأمر الذى تمت ترجمته إلى الإغفال العملى لملف الجنائية الدولية مع إبقائه معلقا، حتى يمكن استخدامه أو تحريكه عند اللزوم.

 



فى هذا الإطار تشير التحركات الأمريكية الأخيرة إلى وجود نوع من التطور غير واضح الملامح حتى الآن فى التوجهات الأمريكية تجاه السودان، تحاول الحكومة السودانية من جانبها توسيع نطاقه ومجاله والدفع به نحو تطبيع كامل للعلاقات. إلا أن ذلك لم ينتج عنه حتى الآن إنجازات فعلية على الأرض سوى تطور محدود للغاية يتعلق باتخاذ إجراءات تسهل من أوضاع الدبلوماسيين السودانيين فى الولايات المتحدة، فى الوقت الذى مازال فيه السودان مدرجا على لائحة الدول المتهمة بمساندة الإرهاب. وإن كان هناك تغيير واضح فى طريقة وأسلوب التعاطى نحو إنجاز الأهداف عبر إرساء التفاهمات وليس عبر الضغط والتلويح بالعقوبات والتدخل.

 



يقودنا هذا إلى محاولة فهم الأبعاد المركبة للسياسة الأمريكية تجاه السودان والقوى التى تتنازع التأثير عليها، فحينما بدأ أوباما ممارسة صلاحياته كرئيس للولايات المتحدة فى يناير الماضى كان هناك الكثير من التساؤلات والتكهنات حول السياسة التى سوف تتبعها إدارته تجاه السودان، خاصة أن الديمقراطيين فى أمريكا كان لهم موقف متشدد تجاه نظام الإنقاذ السودانى فى عهد إدارتى الرئيس الأسبق بيل كلينتون، حيث جرت محاولات عدة لإسقاط نظام الإنقاذ فى عقد التسعينيات.

 



وفى أثناء حملته الانتخابية كان خطاب أوباما تجاه السودان وأزمة دارفور يوحى بالتشدد، لاسيما حينما تكررت الإشارة إلى فكرة فرض منطقة حظر جوى على دارفور على غرار منطقة الحظر الكردية فى شمال العراق، الأمر الذى كان ينذر بأوخم العواقب ــ فى حالة حدوثه ــ على وحدة السودان، لأنه كان يعنى خروج إقليم دارفور من سيطرة الدولة السودانية.

 



فى هذا الإطار ظهر تياران داخل إدارة أوباما: الأول تمثله سوزان رايس مندوبة أمريكا الدائمة فى مجلس الأمن والتى شغلت فيما سبق موقع مساعدة وزير الخارجية الأمريكية للشئون الأفريقية فى عهد كلينتون، وهى تقود اتجاها يدعو للتشدد مع الحكومة السودانية من خلال اتخاذ مجموعة من الإجراءات المتدرجة لإرغام الخرطوم على الإذعان لما تراه الإدارة الأمريكية ضروريا لتحقيق وحماية مصالحها فى هذه المنطقة تحت العنوان الذى يستخدم على الدوام وهو وقف أعمال العنف والانتهاكات الإنسانية. وسوزان رايس كما هو معروف أمريكية من أصل أفريقى.

 



على الناحية الأخرى كان هناك اتجاه أكثر اعتدالا تقوده «سامنثا باور» التى تشغل موقعا مرموقا فى مجلس الأمن القومى ــ والأهم من ذلك أنها من المقربين إلى الرئيس أوباما ومن الشخصيات المؤثرة فى قراراته ــ و«باور» ترى أن الوضع فى السودان دقيق جدا وحرج، وأن الأزمات السودانية متصلة مع بعضها البعض، وأى تحركات غير محسوبة قد تؤدى إلى حدوث تداعيات تخرج بالوضع عن السيطرة. ووجهة النظر هذه قائمة بالأساس على الإدراك بأن اتفاقية نيفاشا تقف الآن فى مهب الريح، وأن تعريض الحكومة السودانية إلى المزيد من الضغوط سيؤدى إلى التأثير سلبا على الاستمرار فى تطبيق هذه الاتفاقية، وربما يؤدى إلى انهيارها. من ثم فإن الأولوية هى لنسج علاقات تعاونية مع الحكومة السودانية وتهدئة الأوضاع فى دارفور إلى أن يتم الوصول باتفاقية نيفاشا إلى بر الأمان حتى عام 2011 وهو الوقت المحدد للاستفتاء على حق تقرير المصير لجنوب السودان.

 



ومن الواضح أن الخط الذى تقوده «باور» هو الذى يحظى بالغلبة حتى الآن، إلا أن سياسة إدارة أوباما لم تستقر تماما حتى هذه اللحظة بفعل الخلاف الداخلى فى وجهات النظر، وبفعل النفوذ الهائل الذى تمارسه جماعات الضغط الأمريكية الناشطة تجاه أزمة دارفور خاصة «تحالف إنقاذ دارفور» الذى تحركه وتسيطر على توجهاته المجموعات الصهيونية المرتبطة بإسرائيل فى الولايات المتحدة. وقد ظهرت ملامح عدم الاستقرار هذه فى شكل جلى عبر تضارب تصريحات المسئولين الأمريكيين، فبينما صرح الجنرال جريشن فى الأسبوع الماضى بأن الإبادة الجماعية لم تعد قائمة فى دارفور، ومن قبله صرح السيناتور كيرى بأن هناك الكثير من المبالغات والمعلومات غير الصحيحة حول دارفور، وخرج المتحدث باسم الخارجية فى اليوم التالى لتصريحات جريشن ليؤكد «أن الموقف الأمريكى لم يتغير وأن الولايات المتحدة مازالت ترى أن هناك إبادة جماعية مازالت مستمرة فى دارفور».

 



وإذا ذهبنا بالتحليل إلى مستوى أعمق سنجد أن السياسة الأمريكية الحالية ربما هى نتاج لحالة التفاعل والديالكتيك بين هذه التوجهات المتداخلة والمتضاربة مع بعضها البعض من ناحية، وإستراتيجية أوباما الرئيسية التى تقوم على المساومات والتفاوض والسعى نحو الحلول الوسط.

 



فمن اللافت للنظر أن الرئيس أوباما ومبعوثه الخاص للسودان كانا قد عقدا اجتماعا مع ممثلين لجماعات الضغط المدافعة عن دارفور، وخرج ممثلو هذه الجماعات من الاجتماع ليعلنوا استحسانهم لما سمعوه بشأن سياسة الإدارة الجديدة تجاه السودان. حيث قال رئيس تحالف إنقاذ دارفور، جيرى فوولر «إن الائتلاف مطمئن لسماع تعهد إدارة أوباما عن تحقيق السلام فى دارفور»، كما عبرت قيادات إنجيلية ومنظمات حقوق الإنسان عن استحسانها لتعيين باراك أوباما جريشن مبعوثا إلى السودان. حيث قال القس فرانكلين جراهام ابن القسيس الأمريكى المعروف بيلى جراهام «أعتقد أن الرئيس أوباما اتخذ القرار الصواب بتعيين جريشن». ويبدو أن هذا الترحيب جاء على خلفية إعلان إوباما «إن السودان يمثل أولوية لإدارته، خاصة فى وقت يعانى فيه من أجل السلام والعدالة، وأن الوضع الإنسانى الذى يزداد ترديا يجعل مهمتنا أكثر إلحاحا»، وأشار أوباما إلى أن توجهه هو العمل مع المجتمع الدولى لإنهاء المعاناة، ولعل أهم تجسيد لهذه الرؤية هو اجتماع خمسة زائد اثنين الذى استضافته العاصمة القطرية الدوحة فى نهاية مايو الماضى، والذى يضم المبعوثين الخاصين لزعماء الدول الخمسة الدائمة العضوية فى مجلس الأمن، إضافة إلى المبعوث المشترك للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقى جبريل باسولى، ومبعوث الاتحاد الأوروبى توريين بيرييل. وهى المرة الأولى التى يعقد فيها مثل هذا الاجتماع الذى تزامن أيضا مع الجولة الثانية من مفاوضات الدوحة، بما يعنى أن أهم ملامح سياسة واشنطن الحالية هى التهدئة داخل السودان، مع السعى لتشكيل تحالف دولى يضم إلى جانب حلفاء واشنطن التقليديين فى أوروبا وكل من الصين والدول العربية والأفريقية الرئيسية المؤيدة للسودان، للعمل ضمن تحالف وتلاقى مع المجتمع الدولى لتحقيق الأجندة الأمريكية.. وليس المضى لتحقيقها منفردة كما كان يحدث إبان إدارة بوش التى مضت إلى حروب منفردة كلفت واشنطن الكثير.

 

 
جريدة الشروق 4 يوليو 2009