منذ أن أعلنت الحكومة السودانية عن نيتها القيام بحزمة من الاجراءات الاقتصادية التقشفية  لمعالجة العجز الهائل فى الميزانية، بدأت العديد من مظاهر التململ فى الظهور فى العاصمة الخرطوم وفى انحاء متفرقة من البلاد، عبر احتجاجات طلابية فى الجامعات . غير ان هذه الاحتجاجات سرعان ما تطورت فى الايام التالية الى احتجاجات متفرقة ذات طبيعة لامركزية فى احياء الخرطوم وايضا فى عدة أنحاء فى شرق وغرب السودان مثل القضارف وكسلا والابيض. واعقب ذلك ايضا تطور نوعى آخر، عبر الدعوة للتظاهر انطلاقا من المساجد عقب صلاة الجمعة. وبالفعل خرجت الجمعة الاولى تحت شعار " جمعة لحس الكوع " فى إشارة للتحدى واثبات الذات ردا على مقولة شهيرة اطلقها فى وقت سابق نافع على نافع  نائب رئيس حزب المؤتمر الوطنى الحاكم وشدد فيها على ان المعارضة اذا أرادت إسقاط النظام فعليها " أن تلحس كوعها أولا " فى اشارة  لعجز المعارضة والاستخفاف بها .
أشارت التقارير إلى أنه تم اعتقال حوالى ألف شخص من المتظاهرين والناشطين وبعض قياديى التنظيمات والمجموعات السياسية. وقد جرت الدعوة للجمعة التالية تحت شعار " جمعة شذاذ الافاق " ردا على وصف الرئيس البشير لمن يقومون بهذه الاحتجاجات بأنهم جماعات محدودة من شذاذ الآفاق وأن النظام لم يقم بالرد عليهم حتى الآن بإستخدام " المجاهدين الحقيقيين "  فى إشارة مبكرة إلى أن الحكومة السودانية لن تتوانى فى إستخدام درجات عالية من العنف فى قمع المحتجين عبر إطلاق أنصارها الذين أعدتهم لهذا اليوم. ويطلق عليهم فى السودان اسم " الرباطة " المرادف لمصطلحى "البلطجية" و "الشبيحة" فى مصر وسوريا .
أبعاد الأزمة الاقتصادية
خسر السودان حوالى ثلاثة أرباع إيراداته بالعملة الصعبة إثر انفصال الجنوب، إذ أن أكثر من  70% تقريبا من حقول النفط تقع فى الجنوب، ولم يتبق للسودان من الإنتاج سوى 115 الف برميل يوميا لاتغطى احتياجاته المحلية بعد خصم حصة الشركات المنتجة . وبالنظر إلى إعتماد الميزانية فى مورادها بالعملة الصعبة على عائدات النفط بنسبة تقارب ال 90% فإن خروج هذه العائدات كان يمثل ضربة قاسية. وزاد "الطين بله" أزمة رسوم عبور النفط الجنوبى الى موانئ التصدير بالشمال والتى ترتب عليها إغلاق حقول النفط الجنوبية وبذلك فقدت ميزانية السودانمرة إخرى حوالى 30 % من ايراداتها التقديرية لعام 2012 بفقدان رسوم العبور، كما ان تكلفة الحرب فى جنوب كردفان والنيل الازرق ومعركة هجليج واستمرار حالة عدم الاستقرار أثقلت كاهل الإقتصاد المنهك إلى حد كبير، الأمر الذى أدى الى ارتفاع نسبة التضخم الى 30% حسب التقديرات الرسمية ، كما وصل سعر الدولار الامريكى من 2،5 جنيه سودانى إلى 5،5 جنيه، وتشير التصريحات الرسمية الى أن نسبة التضخم الحالية سوف ترتفع فى نهاية العام الحالى إلى 70% إذا تركت الإمور على حالها، ولذا كان لابد – من وجهة النظر الحكومية - من معالجة هذا العجز الهائل فى الميزانية عبر  حزمة من الإجراءات والقرارات التى شملت رفعا تدريجيا للدعم عن المحروقات، وتقليص الوزارات وعدد وزراء الدولة والخبراء في الحكومة الاتحادية بما يزيد على 100 منصب، وفى مستوى الولايات بنحو 280 منصبا، بالإضافة إلى إجراءات إخرى تهدف إلى  خفض الإنفاق العام وتحديد أوجه الصرف وإيقاف إنشاء مبان حكومية جديدة وترشيد صرف الوقود وإحكام ضوابط منح الإعفاءات الجمركية، فى مسعى من الحكومة لخفض العجز في الموازنة، مع تمويله من موارد حقيقية دون الحاجة إلى التوسع في الاستدانة من البنك المركزي، بعد ان أخفقت المحاولات فى الحصول على قروض أو مساعدات من أطراف عربية، فى ظل تعذر الحصول على أى قروض من الغرب بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ أكثر من عشرين عاما .
فى المقابل ترى قوى المعارضة السودانية أن الحلول والبدائل  التي قدمتها الحكومة وحاول رئيس الجمهورية ونائبه الاول على عثمان طه الترويج لها كحل للخروج من الأزمة الاقتصادية ليست إلا إجراءات إدارية، ولا تمس جوهر الحلول المطلوبة لانقاذ البلاد من حالة الإنهيار، وليست سوى خداعا للجماهير. حيث أن هذه الإجراءات لم تمس من قريب أو بعيد مخصصات الأمن والشرطة والقوات المسلحة والقطاع السيادي التي تمثل 70 % من الأجور والمرتبات،. وأن هذا يعني إن 30% فقط هو المبلغ الذى مسته التخفيضات بما فيه الـ(380) منصباً دستورياً، وأن هناك خلالا هيكليا لم يتم الاقتراب منه ، وهو أن نفقات الاحهزة الامنية والقوات المسلحة والقطاع السيادى تمثل 56% من إجمالى الموازنة و44%  هو الذي ينفق على كل تفاصيل الصرف على الخدمات والتنمية بما فيها الصحة والتعليم وغيرها . ومن ثم فان هذه الإجراءات لا تخرج من مجرى السياسات الاقتصادية القديمة التي تعيد إنتاج الأزمة الاقتصادية، خاصة وأن البدائل المطروحة لم تتطرق إلى الإنتاج الزراعي أو الصناعي أو الخدمي، وان المنح التي تقرر صرفها للعاملين والمعاشين، سوف تبتلعها الزيادات غير المسبوقة في أسعار المحروقات ومعظم السلع الضرورية الأخرى المهمة للحياة اليومية للمواطنين .

الأبعاد السياسية للازمة
من الواضح أن المظاهرات والاحتجاجات السودانية لم تبلغ بعد المستوى الذى يمكن معه القول بان السودان قد دخل إلى دورة الربيع العربى، ولكنها فى نفس الوقت تقول بان السودان يقترب بسرعة من هذه الحالة مالم تكن هناك اجراءات جذرية لإنقاذ السودان مما قد ينتظره فى حالة إنزلاق الأوضاع الحالية إلى هاوية يصعب بعدها الحفاظ على ما تبقى من السودان متماسكا ، ولذا فيجب النظر إلى عدة عوامل مترابطة فى وقت واحد :
1-    الاحتجاجات الحالية رغم عدم قدرتها حتى الآن على إيجاد حشد هائل يجبر النظام على التخلى عن سدة الحكم أو يقوم بتسريع عجلة سقوطه عبر إصابة آلياته الداخلية بالعطب أو وقوع إنشقاقات فى داخله، الا أنها فى الوقت نفسه تحمل دلالات رمزية بالغة الاهمية وهى سقوط وإنكسار حاجز الخوف. ومع إتباع تكتيك اللامركزية والانتشار فى بقاع متفرقة على نطاق جغرافى واسع فان هذا سوف يرهق النظام وأجهزته ومجموعاته الامنية، ويُكسب الإحتجاجات بمرور الوقت قوة دفع متزايدة، ويجعلها تتحول الى خبز يومى للغاضبين والمحبطين. وفى الوقت نفسه فان الازمة الاقتصادية وطبقا للاجراءات المعلنة سوف تزيد من حدة التضخم على المدى القصير، فيما يشبة الصدمة الاقتصادية التى كان النظام يراهن على تحملها لكى تعود الإمور إلى الإستقرار النسبى بعد ذلك، ولكن التأثير على المستقبل القريب هو الأكثر أهمية والأشد خطرا فى الوقت الحالى.
2-    من الواضح ان حكومة الجنوب تسعى لإسقاط النظام فى الخرطوم كهدف استراتيجى تحملت من أجله إغلاق النفط وحرمان نفسها من كل مواردها بالعملة الصعبة تقريبا، ثم حاولت إحتلال هجليج فى الوقت الذى تساعد فيه فصائل دارفور والحركة الشعبية قطاع الشمال، وتمول الحرب فى جنوب كردفان وجبال النوبة. ولذا فان المفاوضات مع الجنوب فى أديس ابابا سوف تستمر فى التعثرمن أجل المزيد من الضغط على النظام فى الخرطوم . كما أنه ليس من المستبعد أن تظهر جبهات ضغط عسكرى جديدة او يتم تنشيط بعض الجبهات القائمة.
3-    القوى السياسية المعارضة ترى ان ما يحدث هو محصلة لفشل حقبة الانقاذ بشكل كامل حيث ضاع الجنوب ولم يتحقق السلام أو الإستقرار أو التنمية، ومن ثم فإن النظام قد فقد شرعيته بشكل كامل، وانه فى حالة سقوط سياسى.. وفى طريقه للسقوط الواقعى . ولذا تسعى هذه القوى للاستثمار فى إحتجاجات الشارع، وللتحالف مع الحركات المسلحة المتمردة ، وتنوى إعلان تفاهمات لما بعد سقوط النظام لاعطاء دفعه للعمل الاحتجاجى وتشجيع السودانيين فى المهاجر على التظاهر لخلق حالة من الزخم الاعلامى وكسب التأييد السياسى .
4-    فى داخل النظام تتفاعل العديد من المجموعات المتنفذه والتى تبدو غير متوافقه على ما يجب عمله فى ظل التنافس الداخلى، وهذا العامل سوف ينتج اثره مع الوقت اذا إستمرت الاحتجاجات لفترة طويلة، لاسيما أن المواجهة الأمنية سوف تكون مكلفه أيضا من الناحية الاقتصادية . 
5-    فى الوقت نفسه يجب إعطاء المزيد من الإنتباه إلى أن التحالفات السياسية على الجانب المعارض هشة للغاية وملغومة بكثير من التاريخ السلبى ومشاعر عدم الثقة والمشاعر السلبية على المستوى الاجتماعى بسبب صعود ظاهرتى القبلية والجهوية فى عهد الانقاذ وسيطرتهما على المجالين السياسى والاقتصادى . ولذا فإن هذه التحالفات لن تكون قادرة على الصمود عقب سقوط النظام ، وسوف تتجه حكومة الجنوب فى الاغلب  لتشجيع قيام مناطق عازلة بينها وبين الشمال فى جنوب كردفان والنيل الازرق، وذلك  عبر تشجيع الانفصال، أو الإلحاق بالجنوب أو الحكم الذاتى . وكذلك قد تظهر بوادر إنفصال او مطالبات بوضع كونفدرالى فى دارفور مما يهدد تماسك الدولة فى السودان .
6-    قد يكون المخرج فى توافق النظام مع القوى المعارضة جميعا على حلول جذرية عبر حكومة ائتلافية ودستور جديد وانتخابات مبكرة، ولكنه يبدو أملا مستبعداً فى ظل توازنات النظام الحالية، ومخاوف الرئيس البشير من شبح المحكمة الجنائية الدولية .