أحاديث سودانية

 

"1-2 "

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

من المعروف والمتداول أن الإعلام الالكترونى بات يحظى بحصة متنامية في سوق الإعلام نتيجة لسهولة الوصول إليه وسرعة إنتاجه وتطويره وتحديثه كما يتمتع بمساحات أكبر من الحرية البعيدة عن الرقابة القبلية أو القدرة على التحكم والمصادرة. ورغم أن نشأة أي وسيلة إعلامية جديدة لا تلغي ما سبقها من وسائل ، إلا أن الملاحظ أن الإعلام الالكترونى قد فرض واقعاً مختلفاً تماماً، فظهور الانترنت لا يعد تطويراً فقط لوسائل الإعلام السابقة وإنما هو وسيلة احتوت كل ما سبقها من وسائل، بل إن الدمج بين كل هذه الأنماط والتداخل بينها أفرز قوالب إعلامية متنوعة ومتعددة بما لا يمكن حصره أو التنبؤ بإمكانياته، مثل الإعلام التفاعلى الذى يمكن المستخدم على البعد من أن يتحول إلى فاعل مباشر ويسهم فى نقد وتقييم الاطروحات القائمة وأحيانا كثيرة يناقضها ويسعى الى تقديم بديل لها .

 

 ولم يتوقف التغير على والوسيلة الإعلامية فقط أو كم الجمهور وإنما تعداه لطبيعة هذا الجمهور وموقعه من العملية الإعلامية المكونة من مرسل ومستقبل ووسيلة ورسالة وتغذية راجعة أو مرتدة ، إذ تغيرت تماماً عناصر هذه العملية في ظل ثورة الإعلام الإلكتروني وصار بينها نوع من التداخل والتطور النوعي أهمه إختفاء الحدود بين المرسل والمستقبل.. فأصبح الجمهور هو صانع الرسالة الإعلامية. وأبرز مثال على ذلك ظاهرة المواطن الصحفى والتي مثلت اتجاها كاسحا في الإعلام الإلكتروني الغربي.

 

كل ما سبق وغيره مما يصعب حصره من الأسباب التى تؤكد أن الإعلام الإلكتروني هو إعلام المستقبل ، ومن ثم وجب الاهتمام به وآداؤه بالشكل الأمثل .

 

وفى مجال الاستخدام السياسى وفر الإنترنت لحركات الإصلاح والتغيير إمكانات جديدة في مجال العمل السياسي، لم تكن موجودة من قبل، كان من أهمها تسهيل سرعة الاستجابة لأحداث السياسية والرد السريع على التحديات في سرعة قياسية، فلم يعد الأمر يحتاج إلى سيارات تحمل أبواقا وتجول في المدن لدعوة الناس إلى مسيرة، أو إنفاق مبالغ طائلة لترويج حدث سياسي في وسائل الإعلام التجارية، بل أصبح الأمر مجرد تحرير رسالة تعبئة واستنفار، وإرسالها إلى العناوين الإلكترونية لآلاف الناس في لحظة واحدة، أو نشرها على مواقع معينة في الشبكة الإلكترونية ليطلع عليها الآلاف فيستجيبون للنداء، كما نشاهد الآن فى ايران ، وكما فعل اوباما فى حملته الانتخابية.

 

 وهكذا جاء الإنترنت إلى المعادلة الإعلامية ليغير من محتوياتها كما أسلفنا لصالح القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني، من خلال القضاء على إحتكار المعلومات الذى كان قاصرا على الدولة وهيئاتها المختلفة. ومن ثم أصبح الإعلام الإلكتروني إيذانا ببداية جديدة  للتحرر من أجهزة التوجيه الإعلامي.. وهو تحرر مزدوج يشمل حرية الإرسال وحرية الاستقبال. حيث أصبحت هناك قدرة جديدة لم تكن متاحة من قبل على إيصال الرسالة الإعلامية بالشكل الذي يريده المرسل، دون تدخل في المعلومات عن طريق اعادة الصياغة والتوجية والإخراج على حساب المرسل الأصلي ورسالته، ودون تحكم أيضا من السلطات الحاكمة أو رجال المال المحتكرين لملكية وسائل الإعلام.

 

 ولعل أهمية الإعلام الإلكترونى وإنعكاساته السياسية ظاهرة بشكل واضح فى السودان حيث التعددية السياسية والثقافية والاثنية والجهوية تجد ها متنفسا واسعا فى الاعلام الالكترونى لم يكن متاحا لها من قبل. وغنى عن القول ان الاعلام الالكترونى بمكانياتة غير المحدودة يمكن ان يكون وسيلة للتحفيز على بناء التكامل القومى واستكمال بناء مشروع الدولة الوطنية، واستكشاف المشترك بين الثقافات المتعددة من اجل البناء عليه. أو يعمل فى الإتجاه العكسى بتعميق الفرقة والانقسام من خلال اشاعة الروح الجهوية والعنصرية وتكريس مجموعة من الافكار الهدامة ذات الطبيعة الأولية، والتى تعمل بآلية انشطارية .. لن تخدم أحدا فى نهاية المطاف، لانها سوف تلحق الأذى بمن يستخدمونها بحسبان أنها سلاح فعال يمكنهم من الحشد أو التعبئة  فى بعض المعارك الصغيرة، إلا أن الدور سيأتى عليهم بالتاكيد، وتشرذم حركات دارفور على أساس الانتامء القبلى مثال واضح لهذ الآلية المرتدة، بعد ان تم استخدام الولاء القبلى كأدة رئيسية للحشد فى البداية.

 

 نموذج سودانيز اونلاين

 مناسبة هذا الحديث الندوة التى عقدناها الإسبوع الماضى فى برنامج دراسات السودان وحوض النيل بمركز دراسات الاهرام، حول الاعلام الالكترونى والسياسة فى السودان، وكان المتحدث هو المهندس بكرى ابوبكر صاحب ومدير موقع "سودانيز اونلاين" الشهير فى السودان.

 وقد تأسس الموقع عام 1999 فى الولايات المحدة الاميريكية حيث يقيم صاحبه ومؤسسه، الذى استطاع أن يجعل منه الموقع الالكترونى السودانى الأبرز والأكثر شهرة وتأثيرا  حيث  أصبح واحدا من أكثرعشرة مواقع إلكترونية يتم الدخول عليها فى السودان.   ويقول مدير الموقع انه يتعرض يوميا إلى حوالى 2 مليون نقرة، تأتى من السودان فى المقام الأول وتليها الولايات المتحدة ثم المملكة السعوية حيث توجد جالية سودانية ضخمة خاصة فى مدينة الرياض. وقد لعب الموقع دورا واضحا فى الربط بين السودانيين المقيمين فى المهاجر وبين ما يحدث فى وطنهم، كما أصبح مصدرا للعديد من الاراء والتحليلات التى يطلع عليها سودانيو الداخل .

 

 والموقع ذا تبويب متنوع يضم قسما للمقالات والتحليلات وآخر للبيانات التى تصدرها القوى السياسية السودانية المختلفة، وقسما أخر للاغانى ودليل للاصدقاء ودليل للخريجين، الإشاعات  وتكون لديه أرشيف ضخم خبر وبيان يحتوى على اكثر من عشرة الالاف اغنية و50 الف تحليل سياسى و100 الف خبر وبيان.

  غيرأن القسم الأكثر نشاطاً فى موقع سودانيز اونلاين هو المنبر العام، الذى يمثل قسما تفاعليا يمّكن الاعضاء من إثارة القضايا أو الموضوعات التى يودونها، وأن يتفاعلوا أيضا مع أعضاء المنبر الاخرين الذين وصل عددهم إلى حوالى خمسة آلاف . وهذا القسم هو الأكثر إثارة للجدل حيث اساء البعض – للآسف - استخدام هذه الوسيلة وحولها إلى المهاترات وأعمال الارهاب الفكرى والشخصى، أو الاساءة للاخرين على طريقة إغتيال الشخصية، أو العمل من خلال مجموعات أو تحالفات بين افراد معينين- مثل عصابات الشوارع - يتصرفون ويكتبون بشكل غير موضوعى، يخلق إنطباعات مسيئة لصورة السودان المعروفه بالتسامح والتمسك بالقيم وإعلاء شأن العلاقات الانسانية والتماسك الاجتماعى .

كما شهد هذا المنبر أيضا ظهور بعض الباحثين عن الشهرة ومن تحركهم دوافع نفسية وشخصية محضة ويحاولون تغطيتها بإثارة قضايا عامة يتم فبركتها أو افتعالها، وإطلاق الاشاعات كسلاح رخيص ثم محاولة التعامل معها على أنها معلومات مؤكدة والسعى الى ترويجها والاساءة الشخصية للاخرين لمجرد الاختلاف فى الرأى معهم او حتى عدم الإستلطاف الشخصى، الأمر الذى أدى مع مرور الوقت إلى بروز وأستشراء عدة ظواهرسالبة، مثل الشخصية المنبرية حيث يتقمص أحد الأعضاء شخصية تختلف بشكل كامل تماما عن طبيعته وسلوكة وأدائه المعروف به، وكذلك ظهرت بعض الشخصيات المتخفيه خلف إسم مستعار، ثم يقوم هذا الشخص المتخفى بمهاجمة الآخرين دون ضابط او رابط، باستخدام الكذب والبهتان للنيل من البعض دون ان يكون لذلك ثمن يدفعه، حيث لا يوجد له إسم ولاعنوان، ولا هوية معروفة.

 

 سودانيزاونلاين والإعلام التفاعلي

 

 المنبر العام فى سودانيز اونلاين يقع فى دائرة الاعلام التفاعلى الذى يماثل صفحة القراء في كل مطبوعة وهو تعقيبهم على موادها في مواقعها الإلكترونية... وهو مماثل لمشاركات الجمهور في البرامج المرئية والإذاعية، ومداخلاته في قاعات المحاضرات والندوات... وهو أخيراً منتدي إلكتروني ملحق بمواقع النشر الإلكتروني أو مستقل بذاته. ومن ثم فهناك فارق نوعى بينه وبين الاعلام الالكترونى الذى تقع فى دائرته المجلات والصحف الموجودة على شبكة الانترنت والتى تقدم محتوي خاصاً يُفترض أن يكون له هيئة تحرير تعّرف بنفسها، ويتحمل من يرأسها مسؤولية ماينشر ويلتزم بآداب وتشريعات ومهنية المحتوى الصحفي.. بذلك ُيُفترض أن تلتزم الصحافة الإلكترونية، وفي المقابل  يجب أن نٌمنح الحماية والإعتراف.


 أما الإعلام التفاعلي، فهو عبارة عن خصائص أو وسائط أو خدمة ملحقة بأي وسيلة إعلامية مطبوعة أو مرئية أو الكترونية تتيح للجمهور أن يشارك برأيه. ونتيجة للخلط بين الصحافة الالكترونية والاعلام التفاعلى فقد تم اختزال جميع خطايا الإعلام التفاعلي بمختلف صوره فيها. فى الوقت الذى نجد فيه أن الأخطاء الجسيمة أو السلبيات التي يقع فيها الإعلام التفاعلي.. لا يمكن فى الحقيقة الدفاع عنها، حيث توجد الكثير من الحجج الوجيهة لدى كل من هاجم  سلبيات هذه المواقع  أو تعرض للضرر منها.

 

 

 وفى هذا السياق  لا يمكن إخلاء المشرفين على هذه المواقع من المسئولية بشكل كامل عن هذه السلبيات .. غير أنه لا يمكن فى المقابل تحميلهم كامل المسئولية أيضا، فالاعلام التفاعلى فى النهاية مرتبط بوعي المجتمع المعنى، وثقافته ومهارة الأفراد في صياغة آرائهم والتعبير عنها، والقائمون على هذه الخدمات التفاعلية لايملكون عصا سحرية لتغيير سلوكيات الجمهور المتفاعل .

 وفى هذه النقطة أشار بكرى ابوبكر صاحب اشهر موقع تفاعلى سودانى، إلى  أنه يقوم بإنذار الاعضاء فى حالة تجاوزهم ثم يقوم بتجميد عضويتهم او إيقافهم لفترة زمنية ( حوالى ثلاثة أشهر) قبل أن يعودوا إلى عضوية المنبر من جديد ، ودافع عن منبرة بالقول ان مثل هذا العنف اللفطى والتجاوزات موجودة فى مواقع عالمية مثل "الفيس بوك"، إلا ان هذا لايعنى ان موقعا معينا ينتمى الى مجتمع محدد له منظومة محددة من القيم والسلوكيات يُترك لكى يتحول إلى سيطرة ممارسات من هذا النوع، أدت بالفعل إلى إنصراف الكثيرين عن المشاركة أو التفاعل، والإكتفاء بالفرجة من بعيد بين آن وآخر..دون أخذ مايدور على محمل الجد أو الاحترام، الأمر الذى يعنى فى نهاية المطاف تفريغ هذه الأداة من مضمونها، فى الوقت الذى كان من الممكن ان تكون لها فوائد عديدة ونافعة.