فى العشرين من يناير 2012 أعلنت دولة جنوب السودان إيقاف إنتاج نفطها، الذي يتم تصديره عبر السودان، وأرفقت هذا الاجراء بإتهام الخرطوم  بسرقة ما يصل إلى 1.4 مليون برميل بالقوة في ميناء بورتسودان. وقد أعلن استيفن ديو داو، وزير النفط والتعدين " أن الخرطوم كانت تعتقد أننا لن نتخذ هذه الخطوة، ولكننا الآن نبين لها أن البيان بالعمل والخيارات أمامنا مفتوحة". وفى أعقاب هذه الاتهامات ذلك صعدت حكومة جنوب السودان من حدة مواقفها تجاه الازمة حيث خرجت المسيرات المؤيدة لقرار إيقاف تصدير النفط، وألقى سلفا كير خطابا أمام البرلمان فى 23 يتاير 2012، واصفا حكام الخرطوم بالعصابة . وقال إن الخرطوم كانت تمد أنبوبا فرعيا لتحويل 120 ألف برميل يوميا من نفط الجنوب الذي يتدفق عبر الشمال للتصدير. وأضاف: "هذا ما يعادل نسبة 75% من إجمالي ناتجنا اليومي لمصافي التكرير في الخرطوم،  وأن إجمالي العائدات التي نهبتها حكومة السودان منذ ديسمبر 2011 يبلغ 815 مليون دولار تقريبا" .
وتجدر الإشارة إلى أن السبب المباشر فى تفجر الأزمة يعود إلى أنه وبعد مرور أكثر من خمسة أشهر على إنفصال الجنوب فى يوليو 2011 والسماح بمرور نفط الجنوب بدون دفع رسوم العبور، وفي غياب أي أتفاق، فقد قرر االسودان بدءا من ديسمبر 2011  أخذ مستحقاته عينا الى أن تتم تسوية نهائية وفق ما سيتم الأتفاق عليه، باعتبار أن أن جوبا لم تكن تحت ضغط للتوصل الى أتفاق.
الخلاف حول رسوم العبور
من المعروف أن جنوب السودان بعد إنفصاله وتحوله إلى دولة مستقله، أصبح يمتلك 75% من إجمالى الانتاج النفطى السودانى الذى كان قد بلغ حوالى 470 ألف برميل يوميا. وقد ظلت قضايا النفط وكيفية احتساب رسوم العبور من بين القضايا العالقة بين الشمال والجنوب، حيث لم يتم التوصل إلى إتفاق بشانها بسبب الفجوة الواسعة بين مواقف الطرفين . وكان السودان قد أعلن  في أكتوبر2011 مطالبتها باحتساب رسم عبور النفط شهريا على الصادرات النفطية لجنوب السودان يما يعادل 36 دولارا للبرميل الواحد ، أي 23% من نفط الجنوب الذى يمر عبر ارضيه، فى الوقت الذي أبدي فيه الجنوب عدم استعداده لدفع أكثر من 0.7 دولار.
وطبقا لما اورده الكاب السودانى المتخصص فى شئون النفط السر سيدأحمد، فإن الخرطوم توضح أن رسوم العبور التى تطالب بها، تقوم على أربعة عناصر: أهمها رسوم الترحيل وتبلغ 5،18 دولارا للبرميل وتحسب على أساس طول الخط البالغ 1610 كيلومترا وسعر الخام وبلغ في المتوسط 110 دولارا للبرميل وذلك قياسا على خط الكاميرون الذي ينقل النفط التشادي ويمتد على مسافة 900 كيلومترا. العامل الثاني رسوم عبور الأراضي السودانية وتم تحديدها بستة دولارات، ثم رسوم إستخدام مرافق المعالجة المركزية التي تعد النفط الخام  للتصدير بعد تخليصه من المياه والغاز والشوائب في كل من مركزي المعالجة في منطقة الجبلين بالنسبة للنفط المنتج من شركة بترودار، والمركز الواقع بمنطقة هجليج للخام المنتج في مربعات شركة النيل الكبرى، وتم تحديد مبلغ خمسة دولارات للبرميل لهذه الخدمة وهى الرسوم التى كانت تدفعها شركة النيل الأبيض كطرف ثالث عندما كان السودان موحدا. ونفس الشىء مع رسوم المناولة والشحن في ميناء بشائر، وهي رسوم تدفعها كذلك أي شركة تستخدم تلك المرافق.
حكومة الجنوب ردت بدفوعات قانونية تقول انها ملزمه للسودان مثل البروتوكول الخاص بالتجارة العابرة للدول المغلقة، ويقول السودان انه لم يصادق على هذه الأتفاقية رغم انها موقع عليها، وبالتالي فليس ملزما بها في الوقت الحالي. ويجادل الجنوبيون بأن هناك اتفاقيات  إخرى مثل الجات والكوميسا وميثاق الطاقة وإتفاقية رسوم العبور وخط الأنابيب التي وقعتها حكومة السودان مع الشركات العاملة في خطي هجليج والجبلين. لكن رد الخرطوم ترد بأن حكومة جنوب السودان  ليست موقعة على هذه الأتفاقيات وبالتالي لا يمكنها المطالبة بتطبيق أتفاقية هى ليست طرفا فيها ولم توقع عليها حتى الآن، وانه ليس هناك إتفاق بينها بين وبين جوبا على أي من هذه القضايا حتى يمكن النظر في إستصحاب البعد القانوني الدولي التمثل فى الأتفاقيات المشار اليها.
هواجس ودوافع سياسية
بعيدا عن الجدل حول قضايا النفط ورسوم العبور، فإنه من الواضح أنه وبدلا من أن يصبح النفط عاملا لتأكيد التعاون والتكامل بين الطرفين، فإنه أصبح أداة لتحقيق أهداف سياسية معلنة أو مضمرة ، فالسودان من وجهة نظر الجنوب يسعى إلى تعويض ما فقده من العائدات النفطية التي كانت تأتيه بأي صورة من الصور، بما فى ذلك إحتمال العودة لبسط سيطرته مرة أخرى على الحقول النفطية، وهو إتهام كان قد ذكرة الرئيس سلفا كير صراحة، الأمر الذى يمكنه أن تقدم تفسيرا ولو جزئيا للحرب المنطلقة في جنوب كردفان والنيل الأزرق والدعم اللوجستى الذى تقدمه دولة الجنوب لقطاع الشمال وفصائل تحالف كاودا باعتبارها إجراء استباقيا.  وقد يعزز من هذا التحليل أن الجنوب لم يقم باغلاق الحقول واتخاذ هذه الاجراءات التصعيدية إلا بعد أن ضمن  سيطرته على إنتاجه النفطي بعد توقيع اتفاقيات مع شركات صينية وإندونيسية وماليزية فى 13 يناير 2012، حيث تحل الاتفاقيات التى وقعتها  جوبا محل تلك التي وقعتها حكومة الخرطوم عندما كان السودان موحدا. وقال باقان أموم الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكمة في جنوب السودان "مع توقيع هذه العقود، انتهت سيطرة الخرطوم والحكومة السودانية على نفط جنوب السودان، وأن حكومة السودان لم يعد لها أي سبب قانوني أو اقتصادي أو تجاري لتدفع جنوب السودان أي سنتيم سوى رسم عبور النفط على أراضيها بهدف التصدير" .
وهكذا يبدو ان القرار الجنوبى الذى تم تطبيقه فعليا بعد ان تم التلويح به عدة مرات من قبل أثناء التفاوض بين الطرفين حول اسعار استخدام الخط الناقل، كان قد تم التفكير فيه والاعداد له قبل ذلك بفترة من الوقت ، وجاءت تصرفات الخرطوم بالاستيلاء على كميات من نفط الجنوب تحت مسمى استيفاء جزء من رسوم العبور لحين الوصول الى اتفاق بين الطرفين، لكى تمنح دولة جنوب السودان ذريعه قوية لاتخاذ مثل هذا القرار الذى كان يبدو مستبعدا اذا تم النظر للأمر بالحسابات الاقتصادية والموضوعية، بل انه بدا لكثير من المراقبين الذين لا يمكن إتهامهم بالتحامل على حكومة جنوب السودان مثل "اليكس دى وال" بأنه نوع من الانتحار.
ولذا فانه من الواضح أن الخلاف حول رسوم عبور النفط وتحول هذا الخلاف الى ازمة لم يكن منفصلا عن تاريخ الصراع وانعدام الثقة بين الطرفين فالخرطوم تصرفت على أساس ان خيارات الجنوب محدودة باعتبار انه يعتمد على مداخيله من النفط بنسبة 98% وبالتالى فانه مضطر الى الرضوخ لمطالب السودان ومواقفه التفاوضية، فى حين أن الجنوب بإغلاقة لابار النفط فعليا قد وضع الخرطوم تحت تأثير المفاجأة الاستراتيجية بانه سوف يخسر العائدات المتوقعة من رسوم العبور والتى تقدر بثلث الميزانية التى سبق لحكومة الخرطوم اعتمادها، ومن ثم فإن هذا بلا شك سوف يؤدى إلى زيادة الضائقة الاقتصادية الى يعانى منها السودان  والتى يراهن الكثيرون على أنها قد تكون الباب الذى تهب منه رياح عدم الاستقرار الاجتماعى والسياسى الذى قد يطيح بنظام الانقاذ الحاكم فى نهاية المطاف، وبذلك يكون القرار الجنوبى ذا طابع سياسى بالأساس كجزء من عملية الصراع بين الطرفين .
غير أن هناك إحتمال ثان حتى ولو كان محدودا، وهو أن حكومة جنوب السودان قد تهدف من وراء هذا الاجراء إلى التأثير جذريا على مسار عملية التفاوض حول رسوم العبور فضلا عن تحقيق مكاسب تفاوضية فى الملفات الإخرى المتعلقة بقضايا أبيى وترسيم الحدود تحت سيف خشية الخرطوم من تفاقم أزمتها الاقتصادية، وبالتالى يحدث تبادل للمواقع التفاوضية فبدلا من الثقة المبالغ فيها لدى المفاوض الشمالى بأن الجنوب ليس لديه خيارات إخرى، فإنه الآن وبعد إغلاق الحقول سيكون أكثر حرصا على الوصول إلى حل، وبدلا من تصعيد مطالبه فإن سيكون مضطرا لابداء قدر أكبر من المرونه. وعلى ذلك تبدو الأزمة فى أحد جوانبها كما لو كانت تعبيرا عن لعبة عض الاصابع، حيث يكون المهزوم هو من يصرخ أولا . 
إلا أنه يمكن القول أنه توجد قيود عدة لدى الطرفين تحد من قدرتهما التمادى فى هذه المناورة الخطرة، فالجنوب مطالب فى هذه الحالة بالسعى لضمان مصادر تمويل تعوضه عن حوالى 650 مليون دولار شهريا تمثل عوائده من النفط، وذلك لعدة سنوات حتى يتم انجاز خط ناقل جديد عبر كينيا او جيبوتى، وهى مسألة تكتنفها صعوبات عديدة من الناحية الفنية والتمويلية وسوف تستغرق سنوات، وليس أدل على ذلك من ارتباك وتناقض التصريحات الجنوبية حول مسار الخط المزمع انشاؤة وتكاليفة وفترة التنفيذ حيث طرحت سيناريوهات عدة فى هذا الشأن. كل هذا ومسالة تمويل نفقات حكومة الجنوب مازالت مسالة معلقة، فليس من السهل الحصول على قروض ضخمة بمليارات عدة بضمان النفط المتواجد فى باطن الارض- فى انتظار الخط الناقل- فى ظل حكومة تدير دولة هشة لم يمض سوى أقل من عام على استقلالها، فى خضم تحديات داخلية عدة تواجه استقرارها الامنى والسياسى وقدرتها على التماسك.
وفى المقابل فان الخرطوم التى تواجه ضائقة اقتصادية غير راغبة فى زيادة متاعبها بالنظر للشح المستمر فى مواردها بالعملة الصعبة وارتفاع نسبة التضخم، كما أن محاولة إيجاد سبل تمويل جديدة لهذا العجز المستجد فى الميزانية عبر الاقتراض من مصادر خارجية، لابعد أمرا سهلا وتواجهه  مصاعب عديدة .
إذن لايبدو ان هناك خيارات واسعة للحركة امام الطرفين فإما ان يصلا  الى حل، او أن ينزلقا الى الحرب فى ظل إستمرار التصعيد، سواء كانت هذه حربا محدودة او شاملة او بالوكالة. ورغم التصريحات المتكررة بان الطرفين لا يرغبان فى الحرب وليسا مستعدين لها أو لتحمل تبعاتها، إلا أن فرص إستمرارية الوضع الحالى تتراجع بإستمرار، ومن ثم فقد تكون الحرب هى الوسيلة المتاحة لخلط الاوراق ومحاولة الوصول الى توزان جديد او لكسر إرادة لطرف الاخر. وهو خيار بالغ الخطورة على الشمال والجنوب معا .

نقلا عن ملف الاهرام الاستراتيجى عدد مارس 2012