أحاديث سودانية

 

فى مطلع الشهر الماضى تلقيت دعوة كريمة لحضور الملتقى الثانى للاعلاميين السودانيين العاملين بالخارج الذى انعقد فى الفترة من 12الى 15 ابريل. الدعوة كانت مصاغة بإسلوب أدبى راق وممهورة بتوقيع كمال عبداللطيف وزير الدولة برئاسة مجلس الوزراء السودانى، رئيس اللجنة العليا المنظمة للمؤتمر.. وقد يتبادر إلى ذهن القارئ السؤال : إذا كان هذا الملتقى للاعلاميين السودانيين، فلماذا توجه الدعوة لمن هو مثلى؟. وأبادر فأقول ان هذه الدعوات للمشاركة (كضيوف شرف) افتصرت على ثلاثة اشخاص من  المنطقة العربية، كان أحدهم كاتب السطور والضيف الثانى هو السفير الدكتور عبدالله الاشعل مساعد وزير الخارجية المصرية السابق والخبير فى القانون الدولى، والإستاذ الهاشمى الحامدى- التونسى الأصل - صاحب ورئيس قناة المستقلة الفضائية التى تبث إرسالها من لندن.  ومن الواضح ان الخيط الناظم الذى يجمع هذه الشخصيات الثلاث هو الاهتمام بالشأن السودانى وقضاياه ومتابعته.. كل على طريقته .  

 

من وجهة نظرى كان المؤتمر ناجحا بكل المقاييس، إذ شارك بالحضور اكثر من 250 اعلامى سودانى توافدوا على الخرطوم من مختلف البلدان والقارات، والنسبة الاكبر من المشاركين، جاءت من شخصيات معارضة لمجمل توجهات نظام الانقاذ وسياساته، وبعضها لم تطأقدماه ارض السودان منذ سنوات طوال.. وتركز برنامج المؤتمر الذى استمر ثلاثة أيام على اتاحة اكبر فرصة ممكنة للاعلاميين المغتربين لتقديم رؤاهم بحرية كاملة دون سقف ، والتحاور وجها لوجه مع عدد كبير من المسئولين بدءا من رئيس الجمهورية عمر اليشير مرورا بعدد كبير من الوزراء وقادة النظام.. حيث رعى الافتتاح على عثمان طه نلئب رئيس الجمهورية، بينما شارك نافع على نافع  مساعد رئيس الجمهوية والرجل الثوى فى حزب المؤتمر الجاكم فى الجلسة الختامية ، وشارك بفعالية كبيرة – كمتحدثين ومحاورين- فى الجلسات، غازى صلاح الدين زعيم الاغلبية فى البرلمان، الزهاوى مالك وزير الاعلام، كمال عبيد وزير الدولة بوزارة الاعلام، وعوض الجاز وزير الماليه .. وكان من المقرر طبقا لبرنامج المؤتمر ان يكون هناك لقاء أيضا مع صلاح قوش رئيس جهاز الأمن والمخابرات الوطنى ، إلا انه اعتذر فى اللحظات الاخيرة بسب مهمة طارئة، كما إُعلن.

 

شمل البرنامج أيضا زيارات ميدانية لسد مروى ولبعض الانجازات التنموية الاخرى، كما شمل أيضا زبارة لمدينة الفاشر فى دارفور وزيارة معسكرى السلام وأبو شوك للنازحين اعقبهما شرح مفصل فى لقاء مفتوح مع عثمان يوسف كبر والى شمال دارفور حيث تركزت مععظم وقائع واحداث ازمة دارفور.

 

الخطاب الافتتاحى  المطول، الذى ألقاه كمال عبداللطيف، كان موفقا للغاية، ومصاغا بإسلوب رفيع هيمن على أجواء قاعة الصداقة، وإستمر تأثيره الايجابى طوال الجلسات، حيث نجح فى إعطاء الملتقى فلسفته الأساسية عبرمضمونه الرئيسى الذى ركز على فكرة السودان الواحد الذى أسهم فى ينائه كل السودانيين عبر محتلف الحقب والعصور، وأن الوطن ملك للجميع وليس حكرا على فئة، وأن المعارضين هم من أبناء الوطن الذين ينشدون له الخير.. ومن ثم فهم ليسوا خونة ولا عملاء .. وليس مطلوبا منهم تأييد النظام أو سياساته، بل التحاور الشفاف من اجل التوافق على المصالح العليا للوطن التى يجب فرزها من الخلافات والخصومات السياسية، لكى تبقى  هذه المصالح مٌصانة.. حفاظا على سودان يجب أن يبقى للجميع .

 

من بين كل وقائع الملتقى جذبتنى هذه التيمة التى لو تم التركيز عليها فى السياسة السودانية.. قولا وعملا ، لأمكن حل وتجاوز الكثير من المشاكل والازمات التى تكبر مع الوقت  حتى تبدو مستعصية على الحل. وهذه المسألة لبست سهلة بطبيعة الحال إذ انها مرتبطة بدرجة تطور النظامين السياسى والإجتماعى وبقضايا أكثر جذرية تتصل بأزمتى الهوية والتكامل القومى، وبقضية استكمال بناء الدولة الوطنية.. ولكن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، وقد كان تنيظيم هذا الملتقى ووقائعة والروح التى سادته .. خطوة موفقة وفى الاتجاه الصحيح.

 

فى نفس هذا السياق الايجابى كان هناك حرص واضح على إنجاح الملتقى وعلى إقناع أكبر عدد ممن قدمت لهم الدعوات بالحضور والمشاركة وعلى تقديم كل التطمينات والضمانات الممكنة، حول حرية الرؤى والمداخلات، وأنه ليس من المطوب تغيير المواقف أو تقديم التأييد.. الإلحاح على هذه الفكرة والذى تجلى فى وقائع عده ، مثّل من وجهة نظرى سلوكا رشيدا يعترف بالآخر ويقبل به ، ويدعوه للمشاركة فى بناء الوفاق الوطنى فى لحظات يبدو فيها السودان محاطا بالاخطار .. وقد يقول البعض ان مثل هذا التحرك جاء متأخرا، وان النظام قد فعل هذا مضطرا بعد أن تكاثرت الأزمات، وفى رأيى ان هذا يعبر أيضا عن درجة أعلى من النضج والعقلانية والرشادة المطلوبة بل والواجبة فى مثل هذه الأوقات . كما انه لايمكن عقلا لمن يطالب بالحرية والمشاركة ان يرفض ذلك إذا اتيحت له الفرصه.

 لهذه الاسباب وللاجواء غير المسبوقة من التواصل والحميمية .. كانت المشاركة فى هذه الملتقى واحدة من أكثر الزيارات التى قمت بها إلى السودان الشقيق و شعرت خلالها بقدر وافر من الراحة والأمل فى غد أفضل.