أحاديث سودانية 

أشرنا فى المقال السابق إلى أن واحدة من أهم العقبات التى تحول دون تقدم العلاقات المصرية السودانية، عدم وجود حد أدنى من الوفاق الداخلى فى السودان حول اهمية الحفاظ على هذه العلاقات وتقدمها.. ومن الواضح أن هذه الخاصية هى فى الحقيقة نتاج لطبيعة الدولة السودانية، بتكوينها المتعدد، الذى لم يتقدم كثيرا على طريق مشروع إستكمال بناء الدولة الوطنية، بسبب الكثير من العوامل والمتغيرات،  التى كان على رأسها عدم إيلاء الحكومات الوطنية المتعاقبة هذه القضية المحورية، الأولوية التى تستحقها.

  

 وحتى بعد تبلور بعض النجاحات على هذا المسار فى عهد الرئيس الأسبق نميرى خاصة فى مرحلة إتفاقية أديس أبابا ( 1972-1983 )، إلا أن مرحلة الديمقراطية الثالثة لم تضف شيئا فى هذا الاتجاه، نتيجة الإسراف فى المناورات الحزبية والموازنات ضيقة الإفق، لكى تأتى بعد ذلك مرحلة نظام الإنقاذ التى شهدت إنتكاسة كبيرة فى مشروع بناء الدولة، كنتيجة حتمية لمحاولة فرض رؤية واحدية على مجتمع متعدد، كان من تداعياتها العودة واسعة النطاق إلى الإنتماءات الأولية، الإثنية والقبلية والجهوية، فضلا عن التحولات الهيكلية التى نتجت عن إتفاقية نيفاشا، والتى كان على رأسها وضع حدود الدولة فى موضع تساؤل عبر حق تقرير المصير المحدد له عام 2011 ، وهو أمر بالغ الخطورة فى ظروف دولة مثل السودان ليس لها تاريخ طويل فى العيش المشترك ولم يحدث قدر كاف من التثاقف بين مكوناتها المختلفة ، الأمر الذى خلق حالة من السيولة العامة فى أوضاع الدولة السودانية التى بدأت تعيش حالة انتقالية ممتدة منذ توقيع بروتوكول ماشاكوس عام 2002 ، مما فاقم الخلافات وفجر الإحتقانات القائمة. كما نشاهد فى تطورات أزمة دارفور واستعصاءها على الحل، بعد أن زادتها التدخلات الخارجية حدة، من خلال تقديم الدعم لقوى معينة، والسعى المستمر إلى توسيع الفجوات القائمة عبر العزف على أوتار الاثنية والجهوية .. وخلق أدوات وشخوص جديده- عبر الاعلام-  تعمل كآليات تصب فى نهاية المطاف فى المسار العكسى لمشروع بناء الدولة السودانية( باتجاه تفكيكه ).

  

ولعلنا لانجازف كثيرا  إذا خلصنا مما سبق إلى استنتاج مؤداه أن النخبة السودانية بمفهومها العريض، تفتقد حتى الآن إلى تعريف واضح لماهية المصالح الاستراتيجية للسودان خاصة فى مجال علاقاته الخارجية، نتيجة التجاذبات الداخلية  وعدم حسم مشكلة الهوية وعدم إحرازتقدم فى إتجاه تأطير التنوع الداخلى على نحو يجعله مصدرًا للثراء بديلا عن الفتنة والتناحر. ومن الواضح أن هذا إنعكس فى مجملة بشكل أو بآخر على مسار العلاقات المصرية السودانية.

  

فى هذا السياق أيضا يبقى التاريخ وطريقة النظر إلية وكيفبة تناولة عاملا هاما ومؤثرًا ، والمثال الأوضح على ذلك هو علاقة حزب الإمة وطائفة الأنصار بشكل عام بمصر، حيث نشبت الثورة المهدية -كما هو معروف- ضد ما يعرف فى السودان باسم العهد التركى المصرى، ثم جاء إنهيار الدولة المهدية فى 1898 على يد الجنرال كتشنر تحت راية الحكم الثنائى المصرى البريطانى ، وما تم إرتكابه آنذاك من جرائم وانتهاكات، لكى يترك جراحا غائرة فى وجدان الأنصار، الأمر الذى انعكس فى كل سياسات ومواقف حزب الامة منذ تأسيسة فى عدم الترحيب بعلاقات تعاونية متقدمة مع مصر، والبحث الدائم عن علاقات إقليمية بديلة كانت تتجه فى الغالب الأعم نحو ليبيا، وذهبت بالسيد الصادق المهدى فى بعض المراحل إلى نجعات بعيدة نحو إيران. وكان من بين مظاهرها مسارعة السيد الصادق فى 1986 الى الغاء اتفاقيات التكامل كما ذكرنا.

  إلا أن الخبر السار هو أن هذا العامل التاريخى السلبى قد بدأ فى التراجع الآن، فى ظل التغيرات الهيكلية التى يمر بها السودان .. وأذكر هنا أن السيد الصادق المهدى، قد ذكر فى الكلمة التى ألقاها فى مناسبة الاحتفال بعيد ميلادة السبعين، وكان لى حظ حضورً جزء من فعاليات هذا الاحتفال بمكتبة جامعة الاحفاد..  أنه لو عاد به الزمن إلى الوراء لتصرف بشكل مختلف تجاه ثلاثة من القضايا ، كان من بينها موقفه من مصر، وفى الحقيقة فإن السيد الصادق لم يكتف بهذه الاشارة بالغة الاهمية- باعتبارة إماماً للأنصار- بل هو يردف ذلك بالعمل الدائب والمستمر، فلا يخفى إهتمامه وحرصه الواضح على المشاركة فى المنتديات المصرية على نطاق واسع، فى مراكز البحوث والجامعات ووسائل للاعلام وعبر منابر القوى السياسية وقوى المجتمع المدنى، وهو فى كل ذلك حريص على إصلاح العلاقة ودفعها إلى الأمام، ويتقبل أى إنتقاد أوتساؤل برحابة صدر وقدر كبير من التفهم الساعى إلى التقارب وليس إلى المواجهة أو التراشق. كما أنه وجه نداءًا علنيا أكثر من مرة لدور وساطة مصرى فى المساعدة على تجاوز الأزمات الحالية فى السودان.. غير أنه من اللافت للانتباه، فى خضم كل هذا التحرك لفتح صفحة جديدة فى العلاقات مع مصر، يبقى موقف الصادق المهدى من اتفاق الحريات الاربع متحفظا، ومتذرعاً بأن التفاهم المصرى السودانى يجب ان يكون عبر حكومة سودانية منتخبة تمثل طيفاً واسعاً ..ومن الواضح ان المهدى لايعترض على الحريات الأربع بحد ذاتها، ولكنه لحساباته الداخلية لايرحب بأن يتم هذا العمل عبر خصومه السياسيين فى حزب المؤتمر.. الأمر الذى  يعيدنا الى نقطة البداية من جديد .