أحاديث سودانية


تربطنى بالبروفسير حسن مكى الذى يشغل الآن منصب رئيس جامعة افريقيا العالمية بالخرطوم، علاقات وطيدة منذ سنوات بعيدة تعدت العشرين عاما، وقد نشأت هذه العلاقة عبر مدخل بحثى وأكادبمى فى أول زيارة قمت بها الى السودان فى عام 1989، ثم تواصلت وتحولت مع الوقت إلى صداقة انسانية ومعرفيه، مع حفظ  حقوق الإحترام والإستاذيه بطبيعة الحال. ومن ثم فانى على اطلاع على الكثير من مواقف ورؤى حسن مكى. ولكن ما لفت نظرى مؤخرا هو ماذكره فى محاضرة ألقاها فى نهاية مايو الماضى فى مقر كتلة الاخوان المسلمين بالإسكندرية وقال فيها أن ما يحدث الآن في جنوب السودان من إنفصال ومشكلات هو أمر ناتج عن اتفاقية "كامب ديفيد"، مفسرا ذلك بأن الإتفاقية أطلقت يد الكيان الصهيوني في المنطقة الأفريقية، على حد وصفه. وهو بهذا يلقى مسئولية إنفصال الجنوب على عاتق مصر، كنتيجة لغيابها أو إبتعادها.

ورغم أن مثل هذا القول ليس جديدا حيث يجرى تداوله فى السودان بشكل أو بآخر، إلا أنه يستدعى التوقف والتأمل، لانه يصدر من مثقف وأكاديمى سودانى بارز وقريب من سلطة الانقاذ بشكل عام، لاسيما وأن الرئيس البشير الذى يمثل أعلى سلطة سياسية فى البلاد، كان قد أكد علي ذات المعنى تقريبا فى حديث تم نشره فى 22 مايو فى كل من صحيفتى الانتباهة السودانية والشرق القطرية ..  قال الرئيس السودانى أن غياب مصر عن دورها المعهود قبل الثورة كان أبرز أسباب إنفصال الجنوب، ونسب ذلك إلى أن الدور المصري كان معطلا في الفترة السابقة تجاه السودان.

وجه التأمل ودواعى التوقف أمام هذه المقولة تتصل بقضيتين جوهريتين، الإولى هى تحديد المسئولية عن انفصال جنوب السودان وما سوف يترتب على ذلك من تداعيات، والثانية تتعلق بواحدة من أكبر إشكاليات العلاقة المصرية السودانية، وهى طريقة الاقتراب السودانى من العلاقة مع مصر والتى تتسم بالتناقض الظاهر . 

حول مسئولية مصر، نجد أن حسن مكى باعتباره إستاذ وباحثا، يلجأ إلى تحليل أكثر عمقا وأبعد غورا مما ذهب إليه الرئيس البشير حيث يعزو ذلك الى اتفاقية كامب ديفيد، الأمر الذى يضع مسئولية مصر عن الإنفصال فى إطار واسع شديد العمومية، ورغم انه لم يفسر مقولته، إلا ان الشائع لدى كثير من الباحثين وأنا من بين هؤلاء، أن توقيع مصر على إتفاقية كامب ديفيد فى عهد السادات، قد أحدث خللا كبيرا فى بنية النظام الاقليمى العربى، فبمقتضى هذه الاتفاقية تخلت مصر عن دور الدولة القاعدة فى هذا النظام، وهو الدور الذى كانت تقوم به فى المرحلة الناصرية، حيث تقوم الدولة القاعدة بتشجيع كل العوامل االتى من شأنها أن تضبط حركة وإيقاع النظام الاقليمى وتحفظ تماسكه وتوجه حركته نحو تحقيق أهدافه، وفى الوقت نفسه فانها تسعى لحل المشاكل أو الأزمات التى قد تطرأ بين اعضائه، أو تحشد القوى لمساعدة أى دولة عضو فى النظام لمساعدتها على إحتواء التحديات أو التهديدات التى تواجهها.

فى هذا السياق نستطيع أن نقول أن هناك نوعا من الاثر العام ينسحب على الاوضاع فى السودان من جراء هذا الخروج المصرى عبر اتفاقية كامب ديفيد، وان كان هذا الأثر يظل نسبيا وضعيفا، ولا يمكن مقارنتة على سبيل المثال بما ترتب على كامب ديفيد من تطورات فى محاولات حل القضية الفلسطينية. ففى الحالة السودانية ظلت أزمة الهوية السودانية، والتساؤلات المثارة : هل السودان عربى أم أفريقى أم مزيج من الإثنين، تلقى بظلالها على الإنخراط الكامل للسودان فى التفاعلات العربية، والمثال الشهير على ذلك إعتذار الرئيس نميرى عن عضوية إتحاد الجمهوريات العربية مع مصر وليبيا وسوريا عام 1971 بسبب مشكلة جنوب السودان ، الأمر الذى يقودنا إلى ملاحظة إخرى هى أن علاقة مصر بالسودان ظلت تتفاعل فى دائرة خاصة لا تتماهى مع علاقات مصر الأخرى بالعالم العربى، حيث اتسمت هذه العلاقة دائما بالخصوصوية المستمدة من روابط النيل والجغرافيا والتاريخ، ومن الامثلة الدالة على ذلك ان السودان كان احد دولتين ( مع سلطنة عُمان ) لم تقطعا العلاقات مع مصر فى أعقاب كامب ديفيد .

ومن ثم  فان مشكلة التحليل الذى يقدمه حسن مكى ان أثر كامب ديفيد وتراجع الاهتمام المصرى بالادوار الاقليمية التى كانت تمارسها مصر الناصرية، كان خافتا الى حد كبير بالنسبة للحالة السودانية ، فى مقابل الدور الاساسى للتطورات الداخلية فى السودان التى يتجاهلها تحليل مكى أو بالاحرى يقفز عليها. فجذر الأزمة السودانية يتمثل فى الفشل العام لكل الحكومات الوطنية المتعاقبة  فى السودان منذ الإستقلال فى ادارة التعددية السودانية الواسعة على المستويات العرقية والثقافية والجهوية. ولكن يبقى هذا سببا عاما تشترك فيه كل القوى السياسية. أما السبب المباشر أو إذا شئنا الدقة المسئولية المباشرة فهى تقع على عاتق الحركة الاسلامية الحديثة بشقيها ( المؤتمر الشعبى والمؤتمر الوطنى)، والتى كانت تعرف باسم الجبهة القومية الاسلامية فى آخر تمظهراتها، قبل وصولها بمشروعها المعروف الى الحكم عبر انقلاب 1989 والتى لعبت أدوار أساسية فى وقوع السودان فى إطار إعادة الصياغة والهيكلة التى إنتهت بالتقسيم.

فحتى ذلك الحين لم يكن حق تقرير المصير مطروحا كحل لمشكلة الجنوب، وكان أول ظهور فعلى له فى عام 1993 فى اتفاق فرانكفورت بين لام اكول وعلى الحاج فى عهد سيطرة الدكتور الترابى وادارته للامور من وراء ستار.. وتوالت حبات السبحة بعد ذلك مع توقيع القوى الشمالية المعارضة على مقررات أسمرا المصيرية فى 1995. وحين وقع الإنشقاق الشهير عام 2000 وانقسمت سلطة الإنقاذ إلى فئتين ( شعبى ووطنى )، قام من تبقوا فى السلطة بإكمال الشوط والتوقيع على حق الجنوب فى تقرير المصير فى ماشاكوس فى يوليو 2002 ثم الاتفاق النهائى فى نيفاشا فى يناير 2005 . . كل هذا تاريخ معروف مازال شاخصا،  ومن ثم فان تجاهله أو القفز عليه، ليس سوى محاولة غير موفقة وغير منطقية للتنصل من المسئولية التاريخية تارة، أو محاولة التهوين منها تارة إخرى بأساليب مختلفة.

وهذا القول لا يعفى قوى المعارضة الشمالية من تحمل نصيبها من المسئولية عن الانفصال بموافقتها على حق تقرير المصير ضمن مقررات أسمرا، إلا ان موقفها كان نوعا من رد الفعل الذى كان يتسم بالعجز عن مواجهة نظام الإنقاذ فاراد أن يستقوى ببندقية الحركة الشعبية. فرضخت هذه القوى الشمالية لضغوط الحركة الشعبية بأثر من أجنداتها المحدودة الساعية لمجرد العودة إلى الحكم دون كثير إلتفات لتداعيات ذلك على المصير الوطنى للبلاد .

فى السياق نفسه نجد أن تصريحات الرئيس البشير حول مسئولية مصر، تسعى الى تناول المسألة من زاوية مختلفة بعض الشئ، حيث يتم القاء التبعة على سلوك مصر فى عهد الرئيس السابق مبارك، وليس على التغيرات فى بنية النظام الاقليمى أو الضعف الذى اعتراه .  والمعنى الذى يقصده الرئيس البشير وعدد من قادة حزبه،  هو أن مصر مبارك لم تقم بما يجب فى دعم الوحدة ومنع الانفصال، وهو فى الحقيقة قول متهافت ومتناقض أيضا مع الوقائع الثابته، فمصر آنذاك دُعيت الى مفاوضات نيفاشا ورفضت المشاركة بسبب أن هذه المفاوضات كانت تجرى على أساس مبادرة الإيجاد التى كانت تحوى بندا أساسيا عن حق تقرير المصير، وحين تم توقيع بروتوكول ما شاكوس، وظهر الانزعاج المصرى من ذلك على المستويين الرسمى والشعبى، كان رد الفعل السودانى هو القول بأن مصر لم تكن تحارب معنا وأن هذا شأننا. ومن المفارقات الطريفة أن هذا القول كان قد صدر أيضا عن الرئيس البشير ولنفس الجريدة ( الشرق القطرية ) بل أنه أضاف ساعتها ان السودان سوف يجدد الشكوى بخصوص حلايب فى مجلس الأمن .

هناك قول أخر يرى ان مصر بعد توقيع نيفاشا لم تساند الوحدة بشكل كاف بسبب وجود أجندة خفية لديها ترى أن فصل الجنوب أفضل بالنسبة لمصر.. وهو قول يفتقد أيضا للمنطق جملة وتفصيلا، إذ أنه يتناقض بشكل ظاهر مع المصالح المصرية وكذلك مع السلوك المصرى المتكرر والثابت.. والسؤال الذى ينبغى على أصحاب هذه المقولة أن يجيبوا عليه : هو لماذا تقوم مصر بمساندة الانفصال؟ هل لكى تحصل على المزيد من التعقيدات فى قضايا المياة  وجوض النيل أم لكى تترك الجنوب لقمة سائغة فى يد اسرائيل كما تشير تحليل البروفسير حسن مكى من طرف خفى .

فى هذا السياق يبرزأيضا سؤال على درجة كبيرة من الأهميه: هل كان هناك حرص من الأصل من جانب الحكومة السودانية على الوحدة، أم أنه كانت هناك عدم ممانعة فى الإنفصال بشكل عام ، كانت تصل فى بعض صورها إلى التحريض على الانفصال كما ينادى تيار الانتباهة الذى تم افساح المجال له عمدا وبشكل واسع وغير مسبوق !!

نخلص من ذلك إلى أن محاولة القاء تبعة انفصال الجنوب على مصر ، ليست سوى محاولة للتنصل من المسئولية الداخلية فى هذا الشأن، الأمر الذى يستدعى القضية الثانية التى تثيرها  هذه المقولات المتكرره وهى تلك التى تتصل بالعلاقة المصرية السودانية، حيث يصل التناقض الى مداه فالقول بمسئولية مصر، يعطى الانطباع أو التصور بأن مصر دولة ذات سلطة أبوية على السودان أو انها بمثابة الأخ الاكبر الذى يأمر فيطاع . وهذا غير صحيح بطبيعة الحال من الناحيتين النظرية والعملية، فكل من مصر والسودان دولة مستقلة، أى أن التعامل بينهما يتم فى سياق العلاقات الدولية بين الدول والتى تقوم على أساس المصالح والإحترام المتبادل.

ورغم الخصوصية التى تميز العلاقة بين مصر والسودان، إلا أن هذه الخصوصية  تنصرف إلى عمق ما يجمع البلدين من الروابط والمصالح المشتركة، التى تحتم سعى الطرفين لاقامة علاقات تعاونية وطيدة، والبحث عن الصيغ المثلى للتعاون وتوطيدها بشكل متوازن ومتبادل. غير أن هذا لايعنى مسئولية مصر عن مجريات الأحداث والقرارات السودانية.

وفى الوقت نفسه الذى يتم فيه إلقاء التبعة على مصر واعتبارها مسئولة عن النتائج السلبية لاوضاع داخلية فى السودان، يمكن لاى مراقب ان يلاحظ الحساسية المفرطة والتوجس العميق من أى تحرك مصرى تجاه السودان لدعم التعاون بين البلدين، فالتكامل بين مصر والسودان على عهد نميرى تم الغاؤه بدعوى أن مصر كانت تدعم نظاما مستبدا وتستغله لتحقيق مصالحها، وإتفاقية الدفاع المشترك تم الغاؤها لأن هذا مطلب داخلى من أجل إنهاء الحرب الاهلية فى الجنوب ( والتى لم تنتهى آنذاك رغم الغاء الاتفاقية)، واذا تحفظت مصر على حق تقرير المصير، تجد من يقول مال مصر بالشأن الداخلى وهل هى حاربت معنا؟ . وحين تتحسن العلاقات فى العقد الأول من الألفية الثالثة بعد تدهور شديد فى نهاية التسعينيات، يظهر قادة النظام الذين قادوا هذا التحسن ليصفونه بعد ذلك بانه كان يدار لصالح السياسات الامريكية والاسرائيلية رغم انهم كانوا طرفا فيه والأحرص عليه .

ومؤخرا بعد ثورة يناير حين قام وفد الدبلوماسية الشعبية وحزب الوفد المصرى بزيارة الى السودان وطرح مبادرة استصلاح مليون فدان يتولى زراعتها مصريون وسودانيون ، ظهرت اصوات عديدة تقول بأن المصريين يسعون بطريقة او بإخرى إلى الاستحواذ على ثروات وأراضى السودان، مما إضطر معه مكتب نائب الرئيس على عثمان طه الى اصدار بيان رسمى ينفى وجود موافقة على المشروع، وان ما جرى هو الموافقه على بحثه ودراسته، فى الوقت الذى تنفذ فيه مشروعات استزراع بمئات الالاف من الافدنة لصالح دول وجهات اخرى ولا تثير مثل هذه الاعتراضات أو المخاوف.. وغير ذلك من المواقف مما لاتتسع له هذه المساحة.
هناك ثمة تناقض بيّن فى الاقتراب السودانى من العلاقة مع مصر، يجب الحوار حوله بعمق، ومحاولة توصيفه وفهمه بشكل أفضل إذا أردنا لهذه العلاقة ان تتقدم بشكل ثابت وتراكمى وليس كما يحدث تاريخيا منذ إستقلال السودان وحتى الآن ، وهو السير بطريقة دائرية لكى تعود العلاقات بعد فترة من الوقت الى النقطة التى بدأت منها، و" كأننا لارحنا ولا جينا ".