أحاديث سودانية

 

تاريخيا ومنذ إستقلال السودان فى الأول من يناير 1965 تمر العلاقات المصرية السودانية بشكل دورى بدورات من الصعود والهبوط. وكان التحليل السائد يقول بان مصر تفضل التعامل مع أنظمة الحكم العسكرية فى السودان، وأن هذا يعد من بين اسباب بقاء هذه النظم فى الحكم لفترات أطول. وقد أدى شيوع هذا الانطباع – من بين أسباب إخرى- إلى تدهور العلاقات المصرية السودانية، فى مرحلة الديمقراطية الثالثة، بحسبان أن مصر هى التى كانت تدعم الرئيس الأسبق نميرى، ثم وفرت له الملجأ والمقام بعد ذلك.. وفى تلك الايام كانت المظاهرات تخرج أمام السفارة المصرية تطالب باستعادة نميرى لمحاكمته فى الخرطوم، وتقوم ايضا بحرق العلم المصرى فى غمرة الصخب والإنفعال.. وحين وصل السيد الصادق المهدى الى الحكم قام بإلغاء اتفاقيات التكامل، وإستبدلها بورقة فارغة من المضمون إسمها "ميثاق الاخاء"، وحين يُسأل السيد الصادق الآن عن ذلك فى المنتديات والمحافل القاهرية، يكون رده الدائم أنه كان يقود حكومة ديمقراطية إئتلافية وأن الاتحاديين القريبين من مصر كانوا شركاء فى هذه الحكومة، ومن ثم فهم كانوا شركاء فى القرار أيضا.. وبعيدا عن هذا الجدل فان ما تبقى من هذه المرحلة كان هو إلغاء الاتفاقيات التى كانت فى مصلحة البلدين، رغم أن الرئيس نميرى الذى إتهمت مصر بدعمه عاد بعد ذلك بسنوات إلى الخرطوم وخرجت المظاهرات الحاشدة فى استقباله تهتف له وترحب به.. وهو المشهد الذى كان قد تكرر من قبل مع الجنرال عبود.

 فى التسعينيات تدهورت العلاقات المصرية السودانية بشكل غير مسبوق وصل إلى مستوى الحرب الباردة الحقيقية التى لم تتوقف عند التراشق بين الانظمة وانما إمتدت فى الداخل السودانى إلى مدى أبعد عبر الشحن الإعلامى المستمر والتعبئة ضد ما كان يُصور على انه خصم خارجى، الأمر الذى جعل هناك جيلا كاملا فى السودان ينظر إلى مصر بعين الريبة والتوجس. وهذه المرحلة رغم سوداويتها الا انها كانت مفيدة على الأقل من ناحية استخلاص العبر لعدم الانزلاق إلى هذه الوهدة مرة إخرى، وأيضا من أجل  إدراك حقيقة بسيطة.. هى أن مصر والسودان لاغنى عن أحدهما للآخر مهما كان إختلاف الانظمة الحاكمة هنا او هناك، وان هناك حتميات يجب أخذها فى الاعتبار قبل الاقدام على أى فعل أو رد فعل.. وهى أن مصر والسودان باقيان فى هذا المكان منذ فجر الخليقة.. وسوف يظلان كذلك، مهما كانت الاحداث أو التطورات فى شمال الوادى أو جنوبه، وأن هناك تأثير وتأثر متبادل سوف ينتج أثره فى كل الاحوال، ومن ثم فان التعاون من أجل الصالح المشترك هو الأجدى والأكثر نفعا وهو المنطق الطبيعى للإمور.  وأنه مهما افترقت السبل فانه  ليس هناك مفر من العودة إلى التعاون والتفاهم والتنسيق من جديد.

وفى المرحلة الحالية وبعد أن بدأت العلاقات المصرية السودانية فى التحسن مع مطلع الالفية الجديدة، ثم اكتسابها لدفعة قوية مع توقيع إتفاقية الحريات الأربع، ظهرت العديد من الأصوات التى لا ترحب بذلك، والعجيب أنها تعيد نفس فحوى الحجج القديمة رغم تغير العهود، والتى تقول بأن هذه الاتفاقيات تم توقيعها مع نظام الإنقاذ الذى يتحكم فيه حزب المؤتمر الوطنى الحاكم، وأن هذا الحزب لا يعبر عن الاجماع الوطنى السودانى لان هناك قوى أساسية فى البلاد  تعرض هذا النظام.

 

وعلى الناحية الآخرى أجدنى كأحد المهتمين بالعلاقات المصرية السودانية، غير قادر على فهم هذا المنطق الذى يعتمد المقولة الشهيرة" يا فيها.. يا أخفيها" بمعنى أن هذه القوة السياسية أو تلك اذا لم تكن مشاركة فى هذا العمل أو ذاك.. فإنها تظل تهاجمة وتعمل على إضعافة، إلى أن يتم القضاء عليه، لان فى ذلك اضعاف للخصم أو المنافس السياسى الداخلى.. والسؤال التلقائى هنا : وأين مصلحة السودان؟ ألا تؤخذ هذه المصالح الكلية فى الاعتبار بحسبان أنها مصلحة وطنية عليا يجب أن تكون محل وفاق وطنى عام، وأن تبقى خارج إطار الشد والجذب والمكايدات الداخلية والأجندات الضيقة والمناورات التى لاتنتهى.

 

والسؤال الثانى أيضا هو: ما الذى يفعله الآخر الذى يعى اهمية السودان الاستراتيجية ويسعى أو يطالب بالتعاون المتوازن، القائم على الندية والتكافؤ والاحترام المتبادل ، عبر استراتيجية ممتده، واضحة الغايات والاهداف .. لاتحرق المراحل ولا تتجاهل الخصوصيات أو المشاكل بل تسعى إلى علاجها وليس القفز عليها.  فمع من يمكن التعامل ؟ ومن هو الطرف الذى يرى الاشقاء فى السودان انه مؤهل.. وهل هناك قائمة محددة من قوى سياسية معينة يجب انتظار حدوث ائتلاف بينها لكى تنطلق العلاقات المصرية السودانية دون اعتراضات او تحفظات، وهل هناك فى الافق موعد معين يمكن انتظاره مثلا؟

 إن إستقامة العلاقات المصرية السودانية على طريق الاستمرارية والتعاون المشترك المنتج والبناء، تحتاج الى الكثير من البحث والدراسة، بأكبر قدر ممكن من الشفافية والصراحة، على أن يتم ذلك عبر حوار مجتمعى موسع ومستمريشمل كل أطياف النخبة فى البلدين،. ولا يكفى فى هذا المجال أن يعقد مؤتمر هنا أو هناك، بل يجب ان يتم ايجاد آلية قائمة ومستمرة، يحمل عبئها المثقفون الحادبون على هذه العلاقات على الناحيتين.