أحاديث سودانية

 

فى المقال السابق تحدثنا عن تقرير حالة الوطن الذى يصدر عن مركز الدراسات السودانية بالخرطوم ، وأن هذا الإصدار الذى يحمل تسمية اخرى هى التقرير الاستراتيجى السودانى قد أكمل عامه العاشر هذه السنة.

 فيما يتعلق بمضمون التقرير نجد أنه كالعادة فى التقارير المشابهة ينقسم إلى عدة أقسام، بحيث يضم أربعة اجزاء رئيسية تتناول السياسة الداخلية فى السودان، ثم السياسة الخارجية، فيما يتناول القسم الثالث السياسات الاقتصادية، ثم القسم الرابع الذى يتناول حركة المجتمع المدنى والملاحق.

وفى الحقيقة فإن أقسام التقرير غير متماثلة مع بعضها البعض سواء من حيث الحجم أو المستوى. فعلى سبيل المثال يمكن ملاحظة أنه فى الوقت الذى شغل فيه قسم السياسة الداخلية حوالى 160 صفحة من اجمالى 340 صفحة هى حجم التقرير، قبل إضافة الملاحق، فإن قسم السياسة الخارجية يشغل 6 صفحات فقط، ويغطى جزئية محدودة تتناول زاوية واحدة من زوايا محاولات التسوية لأزمة دارفور، وبالتالى لم يكن مناسبا وضعه تحت هذا العنوان العريض، الذى يخلق توقعا لدى القارئ بأنه سيجد مادة معينة.. فلا يجدها.

 

 فالسودان كما نعرف له تسعة من دول الجوار المباشر، هذا على المستوى الاقليمى فضلا عن تداخل سياسة وأوضاع وأزمات السودان الحالية مع مستويات إخرى للتفاعل قارية ودولية، بشكل مركب ومعقد، فضلا عن وقوع السودان فى منطقة تقاطع وصراع بين النفوذين الانجلوفونى والفرانكوفونى، مع ملاحظة التواجد الصينى القوى فى المرحلة الحالية، والذى إتخذ السودان قاعدة انطلاق أو رأس حربة للتوغل  الهائل الذى قام به فى القارة الافريقية، وغير ذلك من الملفات التى كانت تيستدعى القاء الضوءعليها من منظور السياسة الخارجية للسودان وارتباط هذه الاخيرة بالاوضاع والازمات الداخلية، اذ ان هناك كما هو معروف ترابط وتداخل بين السياستين الداخلية والخارجية، أو أن يتم تقييد العنوان أو تحديدة بشكل أكثر دقة، فى حالة تعذر الحصول على المادة المطلوبة، أو تأخر وصولها على سبيل المثال كما يحدث فى بعض الأحيان .

 

أما قسم السياسة الداخلية الذى أشرنا إلى أنه إستحوذ عى نصف مساحة التقرير تقريبا فقد إحتوى على أربعة دراسات ، كانت الإولى بقلم "محمد على جادين"، وهو كاتب وباحث جاد يتسم بالزهد والتواضع ولا أعرف لماذا لم يحتل المكانة التى تتكافأ مع قدراته على الساحة الثقافية والاعلامية السودانية. وقد جاءت دراسته بعنوان تطورات السياسة الداخلية، وللانصاف فان ورقة الاستاذ "جادين"  كانت هى الاقرب- بين كل الاوراق التى حواها التقرير -  الى مفهوم التقارير الاستراتيجية سواء من ناحية المضون أواللغة المستخدمة، أو المدة الزمنية التى تغطيها الورقة، والتى يجب ان تقتصر على العام 2008 الذى يغطية هذا العدد ، باعتبار أن هناك أعداد سابقة توجد بها تغطية لما سبق من سنوات.

 

وهذا هو المأخذ الرئيسى على الورقة الثانية التى أعدها عبدالعزيز محمود عبدالعزيز، بعنوان "أوضاع الصراع فى دارفور"، وهى دراسة مطولة جرى إعدادها بشكل جيد وموضوعى، إلا انها تناولت أزمة دارفور بشكل شامل بدءا من عهد الديمقراطية الثالثة ثم الأسباب والظروف التى أدت إلى إندلاع الأزمة الحالية ثم تصاعدها بعد ذلك. ومن الواضح أن هذا الجزء عبارة عن دراسة، إُعدت بشكل مستقل ثم إلحقت بالتقرير. وهو الأمر نفسة الذى تكرر فى الجزء الخاص بمشروع الجزيرة- وهو أهم مشروع زراعى فى السودان – غير أن الورقة الخاصة بمشروع الجزيرة مبررة فى سياقها، بمعنى أن الكتابة عن هذا المشروع تعد أمرا هاما ومطلوبا ، ولن يتكرر فى كل عدد ، لذا فان الجزء الخاص به يجدر أن يكون شاملا ومتكاملا وهو أقرب الى الجزء الخاص، فى حين أن ازمة دارفور أزمة متطاولة وممتدة وتغطيتها ينبغى أن تكون عاما بعام .

 

فى القسم الرابع تناول التقريرحركة المجتمع المدنى عبر ورقتين تناولت الإولى المجتمع المدنى والتحول الديمقراطى، بينما قدمت الثانية رصدا لأهم الاحداث الثقافية فى السودان من وجهة نظر كاتب هذا الجزء تحت عنوان "التقرير الثقافى"، وأعقب ذلك ملحق عن خطاب المراجع العام فى السودان وملاحظاته حول حالات الاعتداء على المال العام.

 

هذه هى أهم ملامح تقرير عام 2008 الذى اشتمل ايضا على اوراق اخرى، منها ورقة عن الحريات الصحفية، وعن اتجاهات الانتخابات القادمة فى السودان، وكذلك ورقه هامة عن موازنة عام 2009 التى تواجه معضله صعبة تتمثل فى التدنى الكبير لأسعار النفط الذى يمثل المصدر الرئيسى للإيرادات السودانية فى الوقت الحالى، وكذلك تقريرا سريعا عن النفط المنتج فى جنوب السودان أعده الصحفى والكاتب المعروف  الصديق خالد التيجانى.

 

تبقى أهمية وميزة هذا العمل الجدية والمثابرة والجلد مع الاصرار على الاستمرارية فى ظروف غير مواتية، وهو الأمر الجدير بالرواد، والقادر فى الوقت نفسه على تعبيد الطريق وإرساء التقاليد .. فلابد أن يكون هناك من يبدأ، وهذه هى المهمة التى أخذهاعلى عاتقه الدكتور حيدر إبراهيم على .

 نقلا عن مجلة الاهرام الاقتصادى.