أحاديث سودانية

  

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  

قبل عدة أيام أتحفنى الصديق الدكتور حيدر ابراهيم على، بنسخة من العدد العاشر من تقرير حالة الوطن، الذى يصدرسنويا بإنتظام من مركز الدراسات السودانية بالخرطوم. التقرير يحمل عنوانا اخر هو " التقرير الاستراتيجى السودانى"، وربما كان هذا العنوان كافيا بحد ذاته للدلالة على مضمونه ومحتواه،.. إلا إنى أخال أن الدكتور حيدر أراد ان تتصدر هذه التسميه التى تتصف بالحميمية، عنوان التقرير.. وكأنى به يشفق على وطنه من الانفراط، فيتشبث به، ويدعو الآخرين إلى ذلك.

 

والتقرير هو أحد إصدرات المركز الذى أطلقة الدكتور حيدر من القاهرة فى منتصف تسعينيات القرن الماضى تقريبا، أيام كان نظام الانقاذ الحالى فى مرحلتة الإولى شديدة الوطأة، ثم قام بنقله الى الخرطوم بعد ذلك، حين أصبحت الظروف أكثر مرونة وأكثر انفتاحا. وقد لعب هذا المركز دورا تأسيسيا بالغ التأثير فى نقل الثقافة السودانية من طور المشافهة الى طور الكتابة والتدوين، الأمر الذى وضعة المركز منذ تأسيسة كأحد أهم أهدافة، وقطع على هذ الطريق أشواطا عدة ، حيث غطت إصدرارات المركز مناطق عديدة ومتنوعة فى الحياة السودانية، مثل التاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع والانثروبولجى، وإمتدت ايضا الى الأدب السودانى باختلاف تجلياته وتعبيراته، عبر المجلة الدورية التى يصدرها المركز، والتى كانت ومازالت الوحيدة فى مجالها- حسب علمى - فى السودان الشقيق.

 

 وبلوغ التقرير الاستراتيجى الذى يصدره مركز الدراسات السودانية عامه العاشر هو مناسبة تستحق الاحتفاء والاحتقال، فهى تعنى تحول التقرير الى تقليد بحثى استطاع ان يشق طريقة وان يستمر فى الصدور، رغم كل المعوقات التى أعرف أن أهمها عدم توافر الكوادر والأقلام البحثية القادرة على الصبر على مثل هذه الاعمال التى تبدو متجهمة، وتتطلب الكثير من المران والتخصص والتفرغ، فرغم أن السودان زاخر بالكفاءات من أبنائه فى كل الميادين والاتجاهات، إلا أن الإنتاج المدون بشكل عام قليل .. ربما لطبيعة الحياة الاجتماعية الضاغطة وثقل واجباتها المتسعة والمتكاثرة والتى تستغرق الوقت وتلتهمه دون رحمه، وربما أيضا لشيوع نمط المشافهة- الذى أشرنا إليه- فى الحياة الثقافية السودانية، فقد تجد بعض المثقفين يتجادلون بشكل معمق يصل الى حد الإبهار فى بعض الاحيان، حول قضية ما أو ظاهرة ما، الا انهم لايبادرون الى تدوين ارائهم هذه فى بحوث أو دراسات الا فيما ندر ، وبما لايتناسب مع حجم النخبة السودانية وقدراتها وعطائها.

 

وربما تتضح اهمية وصول هذا التقرير إلى عامه العاشر، إذا ما قارناه بالتقرير الاستراتيجى العربى الذى يصدر عن مركزالدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام والذى يبلغ هذه السنة عامه الرابع والعشرين، والذى أصبح أحد المراجع الأساسية فى مجاله فى المنطقة العربية، فمركز الأهرام مؤسسة بحثية مستقرة تستند على واحدة من اكبر المؤسسات فى مصر والعالم العربى، تجاوزت الآن عامها الأربعين وتوافر لها قدر كبير من التراكم المهنى والتقاليد البحثية، كان من نتائجها أن الغالبية العظمى من باحثى وخبراء المركز فى الوقت الحالى، هم من أبناء هذا المركز الذين تربوا فيه، وبدأو حياتهم المهنية والبحثية من خلاله ، فتدربوا طويلا على يد الأجيال التى سبقتهم، وتشربوا التقاليد غير المكتوبة التى أرساها الاستاذ السيد يس، ومن بعده الدكتور عبدالمنعم سعيد اللذين كان لهما الفضل الاكبر فيما بلغة المركز من قوة وقدرة فى الوقت الحالى، وبما يتجلى فى الكثير من المظاهروالأدوار التى يلعبها المركز.

 

فى حين أننا على الناحية الاخرى ، نجد أن مركزالدراسات السودانية الذى أسسه الدكتور حيدر ، قد قام وإستمر اعتمادا على جهد هذا الرجل ومثابرته ورساليته. فقد تعرفت على الدكتور حيدر فى النصف الاول من التسعينيات، عن طريق صديقنا المشترك الدكتور محمد شومان.. كان حيدر يعمل آنذاك استاذا بجامعة محمد الخامس فى المغرب، وبدأت تتكون لديه فكرة انشاء المركز، فأسسه وأطلقه من القاهرة، وسرعان ما قرر الاستقالة من عمله الجامعى والتفرغ له، رغم ما فى ذلك من مخاطرة باستقرار إسرته وعمله المهنى، وقام ايضا بالإنتقال الى الخرطوم رغم انه يعرف المصاعب المتعدده التى سوف تحيط به هناك، واستمر فى العمل والانتاج .. وكثيرا ما أقول للدكتور حيدر ابراهيم حين ألتقيه.. إنك من نمط الفرد المؤسسه، وأعنى بذلك ذوى النفوس الكبار والهمم العاليه، والقادرين على تحويل أفكارهم وأمالهم لأوطانهم إلى مؤسسات تسعى على الأرض وتنتج إبداعا مؤثرا يترك بصمته وآثاره، حتى ولو لم تبد هذه الآثار ظاهرة للعيان على الفور.. وكنت أشير له دائما الى نموذج الإستاذ السيد يس بما أنجزة فى مركز الاهرام ، والدكتور على الدين هلال حين أسس مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، والذى أنتج أجيالا من الباحثين ليس فى مصر فقط ولكن على إمتداد الساحات العربية، عبر مؤتمراته السنوية، وانتاجه الذى تجاوز مئات البحوث والدراسات.

 بقيت كلمة اخيره يجب ان تقال عن الدكتور حيدر ابراهيم وهى انه شخص متسامح واسع الافق، متجرد لما يعتقد انه يصب فى صالح وطنه، يتبنى مواقف لاتعجب الحكومة أو المعارضة فى السودان ، وربما أيضا لاتريح بعض رفاقة ومجايلية السابقين.. وقد كان لكاتب السطور شرف تأسيس تعاون مبكر بين مركز الدراسات السودانيه وبين مركز الاهرام منذ عام 2003، حين عقدنا معا مؤتمرا كبيرا حول الاثار الداخلية والاقليمية للتسوية التى كانت تجرى مفاوضاتها فى كينيا أنذاك. فتحية للدكتور حيدر إبراهيم .. ولنا عودة لمضمون التقرير.نقلا عن مجلة "الاهرام الاقتصادى"