أحاديث سودانية فى زيارة الى السودان قبل حوالى ثلاثة أشهر للمشاركة فى مؤتمر للمنظمات الطوعية الافريقية، إتيحت لى الفرصة لزيارة سد مروى، حيث انعقدت أعمال المؤتمر فى هذه المدينة التى تحتضن السد، والتى تقع على بعد حوالى اربعين دقيقة بالطائرة الى الشمال من الخرطوم العاصمة، ويبدو أن القائمين على تنظيم المؤتمر قد اختاروا عقده فى هذه المنطقة بعيدا عن زحام وضجيج العاصمة، وتماشيا أيضا مع الاتجاه الذى أخذ يتكرس هذه الايام والذى يجنح إلى عقد المؤتمرات أو ورش العمل بعيدا عن المدن الكبرى، حيث ينعزل المشاركون عن التفاعلات والمشاغل الضغيرة، وينكبون على أوراق العمل والنقاشات المكثفة. جاءت إقامتنا فى مجموعة الفيلات والشاليهات التى تقع فى مواجهة السد على بعد كيلومترين فقط منه ، والتى  إُنشئت خصيصا فى هذه المنطقة الصحراوية لاقامة فريق العمل الاستشارى والمهندسين والعاملين فى بناء السد الذى استغرق بناؤة أكثر من خمس سنوات، بتكلفة اجمالية تقترب من مليارى دولار امريكى، وتم الانتهاء منه قبل الزمن المحدد ببضعة اشهر، حيث قام الرئيس البشير بافتتاحه مؤخرا، بعد ان جُندت له كل الطاقات، وتم انشاء وحدة خاصة للاشراف على مراحل بنائه المختلفة ، وكذلك كل المشروعات والانشطة المرتبطة مثل شق الطرق واقامة مطار مروى الجديد وانشاء محطات توليد الكهرباء والخطوط الناقلة للطاقة المنتجة، والتى تكلفت بدورها مئات ملايين الدولارات. وإخواننا فى السودان يعتبرون سد مروى أكبر مشروع تنموى تشهده البلاد بعد استخراج وتصدير البترول، وعادة ما يطلقون عليه مشروع القرن، بعد ان ظلت فكرة اقامة السد متداولة منذ أربعينيات القرن الماضى، ولم يبدأ التفكير الجدى فيها إلا عام 1993، وبعد العديد من الدراسات الفنية ودراسات الجدوى التى إنجزت بنهاية عام 1999، بدأت رحلة الجهود المضنية لجمع التمويل اللازم عبر القروض طويلة الاجل من عدة مصادر.. جاءت من الصين التى قدمت ما يزيد عن نصف مليار دولار، ثم المصادر العربية(السعودية والكويت وأبوظبى وعمان) والتى قدمت حوالى 900 مليون دولار، وتكفلت الحكومة السودانية بالمبلغ المتبقى.  بناء سد مروى يعتبره السودانيون  إنجازا كبيرا، يشابه بشكل أو بأخر عملية بناء السد العالى فى مصر فى مطلع ستينيات القرن العشرين، وان كانت معركة السد العالى قد جاءت مرتبطة بأبعاد اقليمية ودولية ذات ظلال سياسية كثيفة فى خضم الصراعات التى قادتها مصر تحت قيادة عبدالناصر، غير ان السودان كان يعتبرها تحديا تنمويا هائلا  يستطيع أن يكسر دائرة الفقر والعجز عن استغلال الموارد والثروات الهائلة للسودان، وهناك قول مشهور للرئيس البشير له دلالة واضحة فى هذا السياق: " إن مشروع سد مروى هو نهاية الفقر فى السودان". وللدلالة على الاهمية التنموية للمشروع ، يجب ان نعرف مثلا أن إجمالى انتاج انتاج الطاقة المولدة فى السودان بمختلف الوسائط، لا تتجاوز 750 ميجا واط، فى حين ان سد مروى  وحده سوف يوفر طاقة تبلغ 1250 ميجا واط، وعند مقارنة ذلك باكبر مشروع توليد مائى موجود بالسودان وهو خزان الروصيرص، نجد أن هذا الاخير يولد 280 ميجا واط، الأمر الذى يوضح النقلة الهائلة فى كمية الطاقة التى يمكنها ان تحرك الكثير من المشاريع التنموية فى المجالات المختلفة من زراعية وصناعية وخدمية. ومن أهم الاثار الاقتصادية المباشرة أيضا تخفيض سعر تكلفة الكهرباء من 10 سنت أمريكى تقريبا للكيلو واط الواحد إلى حوالى 2.5 سنت، ومن المعروف أن توفير الطاقة الرخيصة سيؤدى تلقائيا إلى تنشيط عملية الانتاج الصناعى، وينطبق ذلك أيضا على عمليات الانتاج الزراعىعبر إحلال طلمبات الكهرباء محل ماكينات الديزل التقليدية ذات الكفاءة الضعيفة والتكاليف المرتفعة، لاسيما وأن السد سيوفر المياه اللازمة لرى 2 مليون فدان فى المناطق المحيطة به، كما سوف تنشأ بحيرة هائلة خلف السد بطول يصل الى اكثر من 170 كيلو متر، تصلح كبيئة مناسبة للثروة السمكية. بالاضافة الى المزايا التقليدية للسدود فى حماية المناطق التى أسفلها من الفيضانات المدمرة، التى كانت تجتاح تلك المناطق وتتسبب فى خسائر كبيرة بشكل سنوى.وهكذا فانه من الواضح أن سد مروى هو أحد أهم المشاريع التى شهدها السودان منذ استقلاله، ومن المتوقع أن يدفع قطاعات الاقتصاد القومى المختلفة  نحو النمو الاقتصادى بالطرق المباشرة وغير المباشرة، مما يساعد على فى زيادة الطلب من جهة وزيادة الدخول من جهة إخرى، وبالتالى زيادة معدلات السلع الوسيطة والاستهلاكية، فضلا عن الخدمات وتوفرها بأسعار مناسبة، الامر الذى يشجع تدفق الاستثمارات ودوران عجلة التنمية وتحسين ظروف الحياة ومستوى المعيشة.إلا أن ما يدفع إلى الأسى أن افتتاح السد تزامن مع  بدء ازمة المحكمة الجنائية الدولية مع السودان ومحاولة توقيف الرئيس السودانى ، الامر الذى حول الانظار الى معركة اخرى يقع ميدانها بعيدا عن التنمية .. الى حيث الصراعات السياسية والتشابكات الاقليمية والدولية، الامر الذى يثبت دائما ان معركة التنمية هى دائما جزء من معركة السياسة .نقلا عن مجلة الاهرام الاقتصادى