أحاديث سودانية

  يلاحظ المراقب أن هناك نوعا من الانقسام فى مصر فيما يتعلق بطريقة الفهم أو التناول لأزمة السودان مع المحكمة الجنائية الدولية، ففى الوقت الذى ترى فيه الغالبية أن ما يحدث ليس سوى طور من اطوار الاستهداف الغربى للسودان بهدف تجزئتة من الداخل أو تقسيمة الى عدة دويلات، وصولا الى إبقاء مواردة وثرواته تحت الهيمنة الكاملة للغرب والحيلولة بين السودان وبين إستكمال بناء مشروع دولته الوطنية تظهر وجهة نظر إخرى تقول بأن هناك انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان قد وقعت وانه يجب محاسبة الجناة وعدم السماح لهم بالإفلات من العدالة، واننا يجب ان نعترف باخطائنا قبل أن نلوم الاخرين، ثم يسارع هؤلاء إلى امتطاء الحجة المكررة بأن من يدافعون عن السودان هم من معتنقى نظرية المؤامرة، وينتهون إلى أنه ليس هناك من سبيل سوى الإذعان للمحكمة وتسليم البشير لتجنيب السودان شر المخاطر والتداعيات، وهذا حديث موغل فى السطحية إلى حد مذهل ، وكأن هؤلاء يفترضون أنه لو تم تسليم البشير اليوم  فسوف تنتهى الازمة فى اليوم التالى. وفى الحقيقة فإن هذا النهج الذى يتبع الخط السياسى والاعلامى للغرب ولا يخرج عنه قيد أنملة، يتوزع بين عدد محدود من الكتاب، بالإضافة إلى عدد محدود أيضا من منظمات حقوق الانسان التى تخصصت فى ازمة دارفور وأصبحت جل ندواتها وأنشطتها تتمحور حول هذه الأزمة، بل أن بعضهم استحدث كيانات جديدة خصيصا من أجل الإستثمار فى هذه الأزمة، بغية الحصول على حصص أكبر من هذا التمويل المنهمر بلا ضابط ولا رابط إذا كان الحديث يدور حول دارفور ، وليس هناك من مواصفات سوى إتباع الخطاب الإعلامى الغربى. ومن الواضح أن أصحاب هذه المقولات يلجأون الى المغالطة، فالقول بان المحكمة استهداف للسودان، لايعنى إطلاقا إنكار وجود انتهاكات فى السودان ، كما لا يعنى تبرئة الحكومة السودانية من التقصير أو الوقوع فى الأخطاء.. وانما يعنى بكل وضوح أن التصعيد المتتالى فى دارفور وحالة الإستعصاء على الحل، أصبحت تمثل تهديدا حقيقيا لوحدة السودان وتماسك أراضية ، ويعنى أيضا أن هذه الأزمة لم تعد تدار فى داخل السودان كما يتوهم البعض ، بل أن مساراتها تحدد بواسطة القوى الخارجية والفاعلين الكثُر الذين يعبثون الآن فى دارفور ويهددون ليس أمن السودان وسيادته على أراضيه فقط، وإنما أيضا أمن مصر القومى المباشر وغير المباشر بمفهومه الشامل والواسع . وفيما يتعلق بانتهاكات حقوق الانسان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فلا شك أن هذه الإنتهاكات قد وقعت بالفعل وأنها أمر مرفوض ومدان ، وقد إعترفت بها الحكومة السودانية نفسها حين شكلت لجنة تحقيق وطنية بقيادة رئيس القضاء السودانى الأسبق دفع الله الحاج يوسف. هذه اللجنة سبقت اللجنة التى كونها مجلس الامن فى وقت لاحق والتىكان من بين أعضائها الاستاذ محمد فائق وزير الاعلام المصرى الاسبق، وقد قالت اللجنة الدولية أن هناك إنتهاكات وجرائم واسعة النطاق قد وقعت وأن المسئولية عنها تقع على عاتق طرفى القتال، غير أنها ( اللجنة ) نفت وقوع إبادة جماعية فى دارفور .  ومن ثم فإن الخلاف حول تدخل المحكمة ليس خلافا حول وقوع الانتهاكات من عدمها ، بل أن الخلاف يتمحور حول السؤال التالى : هل المحكمة هى الوسيلة المناسبة لتحقيق العدل فى دارفور وإيقاف الانتهاكات وإنقاذ المضارين وإعادتهم إلى حياتهم الطبيعية؟ . الإجابة القطعية لهذا السؤال هى : لا.. وهذا بإجماع الآراء فى الشرق والغرب، بل أن هناك إجماعا آخر بأن المحكمة سوف تحدث أثرا عكسيا ، أى زيادة الطين بلة فى دارفور . السؤال الثانى هل تدخل المحكمة فى هذا الامر ياتى عبر الطرق العدلية والقانونية المشروعة والمتفق عليها؟ الاجابة القطعية هى ايضا: لا بالبنط العريض ، لأن السودان ليس عضوا فى المحكمة والتحويل جاء من مجلس الامن الذى تحكمة ازدواجية المعايير، والان تجرى مساومات معلنة وغير معلنة لفرض شروط من أجل إستصدار قرار جديد من مجلس الامن بتجميد قرار المحكمة. إذن المسألة فى مبتدأها جاءت بشكل سياسى ، وفى منتهاها تخضع للمساومات والضغوط السياسية، فأين المحكمة من هذا كله ؟ انها تقع فى المنتصف كأداة قانونية لتحقيق أهداف سياسية. هذا فضلا عن المغالطات والمبالغات الهائلة فى اعداد القتلى والمضارين على غرار التضخيم الاعلامى الذى رافق إكذوبة أسلحة الدمار الشامل فى العراق، والتى إستخدمت كذريعة لتدمير العراق ومقتل حوالى مليونين من أبنائه.  هذا هو الأمر ببساطة.. والحل  واضح وضوح الشمس لمن يريد حلا، وهو إقرار تسوية سياسية تضمن الامن والاستقرار ووحدة السودان، وتعيد النازحين الى أماكنهم مع تعويضهم، وإتباع اسلوب العدالة الانتقالية . وهذا الإسلوب ليس بدعة حيث اتبع فى جنوب افريقيا التى شهدت اقسى انواع الإنتهاكات والتفرقة العنصرية ، كما إتبع لاحقا فى المغرب، وهو المدخل الوحيد القابل للتطبيق فى حالة الانتهاكات واسعة النطاق مثل دارفور.  نقلا عن مجلة الاهرام الاقتصادى