الانتخابات السودانية 2010
تراجع المعارضة التقليدية وتكريس استقطاب الشمال- الجنوب
(2 – 2 )

هانئ رسلان

صدرت هذه الدراسه فى سلسلة كراسات استراتيجية الصادرة عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية باأاهرام تحت رقم 211 لسنة 2010.
---------
حظيت الانتخابات السودانية التي أجريت في أبريل 2010 باهتمام واسع النطاق على المستويين الإقليمي والدولي، فضلا عن الاهتمام الداخلي غير المسبوق، حيث كانت بمثابة الشغل الشاغل لكل المواطنين وللقوى السياسية على اختلاف انتماءاتها وتوجهاتها، سواء في الشمال أو في الجنوب. هذا الاهتمام الخاص لم يكن مستغربا، إذ تعد هذه الانتخابات أول انتخابات تعددية ديمقراطية خلال أكثر من عشرين عاما، منذ وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة عبر انقلاب 30 يونيو 1989، بالإضافة إلى الطبيعة الاستثنائية لهذه الانتخابات من حيث الاتساع والشمول، ومن حيث التوقيت، وكذلك من حيث الآثار المترتبة عليها، مما جعلها الأكثر أهمية في تاريخ الحياة السياسية في السودان منذ حصوله على الاستقلال في الأول من يناير عام 1956. فقد جرت هذه الانتخابات في لحظة حرجة وفاصلة فيما يتعلق ببنية الدولة السودانية وبحدود ترابها الوطني، وبطبيعة النظام السياسي القائم وآلياته ومصدر شرعيته، كما تأتى قبل بضعة أشهر فقط من استفتاء جنوب السودان على حق تقرير المصير.
----------------
موقف حزب المؤتمر
كان حزب المؤتمر الوطني الحاكم قد أعد عدته، وأتم كل استعداداته منذ وقت مبكر لهذه الانتخابات، حيث عكف على دراسة الدوائر الانتخابية، ورتب تحالفاته مع زعماء القبائل والعشائر وقيادات الطرق الصوفية ورجالات الإدارة الأهلية، مستعينا بسيطرته الكاملة على مقاليد السلطة والثروة في البلاد لعقدين من الزمان، ولذلك بدا مطمئنا وغير آبه بمواقف المعارضة، واثقا من قدرته على الفوز في هذه الانتخابات، والتي عول عليها لدعيم شرعيته الدولية خاصة في ضوء قبوله بمبدأ الرقابة الدولية واسعة النطاق، الأمر الذي يمكن أن يساعده أيضا في نفي الاتهامات الموجهة إليه باغتصاب السلطة. أضف إلى ذلك أن فوز الرئيس البشير برئاسة البلاد في انتخابات تنافسية ستساعده وتقوى حجته في مواجهة المحكمة الجنائية الدولية واتهاماتها له. ومن الصحيح أن الاتهام القانوني للرئيس البشير سوف يبقى قائما، إلا أن نجاحه في الانتخابات كان يعني إضعاف هذا الاتهام سياسيا إلى حد كبير، خاصة في ضوء تركيز الدفع السوداني للاتهام على طابعه السياسي وأنه لا يعدو كونه نوعا من الاستهداف السياسي للسودان.

الديمقراطية ليست هدفا
وهكذا، وقبيل بدء عملية الاقتراع ، أصبح واضحا أن أهداف كل من النخبة الحاكمة وأحزاب المعارضة من الانتخابات، أو عملية التحول الديمقراطي برمتها، لم تكن أهدافا أصيلة تعكسها تلك الشعارات المرفوعة حول الحرية، والعودة إلى الشعب والاحتكام إلى المواطن، بقدر ما كانت مجرد أدوات تستخدم فى الصراع السياسى الداخلى، أو إضفاء الشرعية على نظام البشير بالنسبة لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، حيث تحولت عملية التحول الديمقراطي إلى مجرد أداة لوصول كل طرف إلى أهدافه الأساسية. ولعل هذا الاقتراب هو الذي يعيننا على فهم المواقف المختلفة، وعمليات الكر والفر التي بدت عصية على الفهم في ضوء الخطابات المعلنة. كما أصبح واضحا أيضا أن الآمال المعقودة على مساهمة الانتخابات في إقرار قواعد سلمية ذات طابع ديمقراطي سلمى للصراعات السياسية، بما يفتح آفاقا جديدة أمام الاستقرار ومواجهة التحديات، قد أصبحت بلا شك محل تساؤل كبير.
ويمكن فهم ذلك من خلال ملاحظة أن الواقع السوداني الحالي يشهد نوعا من تلاشى الحدود بين العمليات القانونية أو الدستورية من ناحية، والعمليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية من ناحية أخرى، حيث أصبحت الحدود مرنة بين هذه العمليات، وهو الأمر الذي أثر سلبا على طريقة تعاطي القوى السياسية، بتوجهاتها المختلفة، مع العملية الانتخابية، وساهم بشكل ملحوظ في إيجاد مناخ غير منتظم وغير تراكمي في الممارسة العملية لقواعد العملية الانتخابية. أضف إلى كل ذلك تأثير البرامج والأنشطة الدولية المكثفة على الداخل السوداني منذ انطلاق الخطوات الأولى لعملية التسوية السياسية في سبتمبر 2001.

رابعا: المرشحون لموقع الرئاسة
عند الإعلان عن بدء عملية الترشيح شاركت معظم القوى السياسية الأساسية بنشاط في المعركة الانتخابية، حيث تقدم أثنى عشر مرشحا من الحزبيين والمستقلين لموقع رئاسة الجمهورية (استمر منهم ثمانية بعد انسحاب أربعة مرشحين حزبيين)، يعبرون عن القوى السياسية الأساسية. وقد شملت القامة النهائية للمرشحين على موقع رئيس الجمهورية الأسماء التالية:
1- عمر البشير، رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم.
2- ياسر عرمان، مرشح الحركة الشعبية لتحرير السودان، الذي ينحدر من الشمال وهو نائب الأمين العام للحركة ورئيس قطاع الشمال.
3– الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة القومي.
4-  مبارك الفاضل، رئيس حزب الأمة "الإصلاح والتجديد".
5– حاتم السر على سكينجو، الناطق باسم حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يرأسه محمد عثمان الميرغني الزعيم الروحى للطريقة الختمية في السودان.
5– عبد الله دينق نيال، المرشح عن حزب المؤتمر الشعبي الذي يقوده الترابي، وهو مسلم من جنوب السودان، وعضو الهيئة القيادية بالحزب ووزير الأوقاف الأسبق، وكان قد تلقى تعليمه في الأزهر الشريف بمصر.
7- محمد ابراهيم نقد، مرشح الحزب الشيوعي السوداني، سكرتير عام الحزب، وهو من جيل السياسيين المخضرمين في السودان.
8- عبد العزيز خالد عثمان، قائد التحالف الوطني الديمقراطي، الذي كان يشارك في العمل المسلح المعارض لنظام الإنقاذ في شرق السودان.
9- د. فاطمة عبد المحمود، أول امرأة تترشح لمنصب رئاسة السودان، وهي تمثل الاتحاد الاشتراكي السابق الذي حكم باسمه الرئيس السابق جعفر نميري.
10- محمد أحمد جحا، مرشح مستقل من كردفان، غربي السودان.
11- د. كامل الطيب إدريس، مرشح مستقل، وهو أكاديمي وموظف دولي سابق كان يشغل موقع رئيس المنظمة العالمية لحماية حقوق الملكية الفكرية.
12- منير شيخ الدين، مرشح الحزب القومي السوداني الذي ينشط وسط قبائل النوبا بمنطقة جنوب كردفان، غربي السودان، وهو أصغر المرشحين سنا.

خامسا: نتائج الانتخابات
مرت عملية الاقتراع التي اتسمت بالتعقيد والتركيب في هدوء دون أن تشهد أي عمليات عنف. وحتى الحادث الوحيد الذي وقع في جنوب السودان وراح ضحيته عدد من الجنوبيين المنتمين إلى حزب المؤتمر الوطني تبين أن وراءه خلافات ودوافع شخصية لا علاقة لها بالعملية الانتخابية. السمة الثانية التي ميزت هذه الانتخابات هي الإقبال الكبير من الشعب السوداني، بمختلف فئاته، على المشاركة والتصويت في هذه الانتخابات، التي قدرها المراقبون الدوليون بما يزيد على 60%، بينما أشارت المفوضية السودانية للانتخابات أنها تتجاوز نسبة 70%، الأمر الذي أشار إلى وجود رغبة قوية لدى السودانيين للخروج من دائرة الأزمات والحروب والتراشق المستمر بين الفرقاء السياسيين دون جدوى، والتي لم تكلفهم سوى إهدار الثروات الاقتصادية الهائلة لدى السودان فضلا عن الفرص البديلة للتنمية. وقد تمثلت السمة الثالثة لهذه الانتخابات أنها تمت تحت رقابة محلية داخلية دولية واسعة النطاق، كنوع من الضمانة لنزاهتها من ناحية، وكنوع من الحرص على تكريس الاعتراف والقبول الدوليين بالنسبة للرئيس البشير وحزب المؤتمر الوطني الحاكم، من ناحية أخرى. وقد أعلنت مفوضية الانتخابات عشية يوم الاقتراع أن هناك أكثر من 800 مراقب خارجي، يتبعون لأكثر من 18 منظمة إقليمية ودولية، كان أهمها بعثة الإتحاد الأوروبي، وبعثة مركز كارتر التي تعززت بوصول الرئيس كارتر نفسه، حيث قضى كل أيام الاقتراع الخمسة متجولا في أنحاء السودان، بالإضافة إلى بعثات للإتحاد الأفريقي والجامعة العربية، والعديد من الدول الأخرى كان من بينها مصر التي أرسلت بعثة ضمت 20 مراقبا. وبالإضافة إلى ذلك، فقد بلغ عدد المراقبين المحليين في السودان أكثر من 20 ألف مراقب يتبعون لعدد كبير من منظمات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية السودانية.
وقد كان من المفترض في ظل وجود الرقابة الدولية والانفتاح الواسع الذي شهدته مرحلة الانتخابات أن يؤدى هذا إلى أن تحظى الانتخابات السودانية ونتائجها بالمصداقية، وأن تحوز الشرعيتين القانونية والسياسية معا، غير أن حالة الارتباك والضبابية التي غمرت المشهد السياسي إلى ما قبل بدء الاقتراع بأربعة أيام فقط، وأجواء التشكيك والاتهامات التي أطلقتها المعارضة بوجود تجاوزات ضخمة في سجلات الناخبين وفى أداء المفوضية ومجمل الإجراءات والأطر المنظمة للانتخابات والاقتراع.
1- هيمنة المؤتمر الوطني في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب
أُعلنت النتائج النهائية بعد تأخر لأكثر من أسبوع كامل. على المستوى الرئاسي فاز الرئيس عمر البشير بنسبة 68% من إجمالي الأصوات الصحيحة لمن شاركوا في التصويت، كما فاز الفريق سلفا كير برئاسة إقليم الجنوب بنسبة 92%، فيما تأجل الإعلان النهائي لنتائج البرلمان القومي أكثر من مرة بسبب وجود بعض الطعون المنظورة أمام المحاكم المختصة. غير أن النتائج المعلنة أوضحت الفوز الكاسح لحزب المؤتمر الوطني في البرلمان القومي بنسبة تتجاوز 90%، ومثلها أو أكثر منها في المجالس التشريعية الولائية، إضافة إلى الفوز بمنصب حكام الولايات في 14ولاية من إجمالي 15 ولاية في الشمال.
أما في الجنوب، ففضلا عن الفوز الكبير لسلفا كير، فقد سيطرت الحركة الشعبية بشكل شبه كامل على برلمان إقليم الجنوب والمجالس التشريعية في الولايات، كما أُعلن عن فوز مرشحيها بمواقع الولاة في كل ولايات الجنوب العشرة. كما خسر لام أكول زعيم الحركة الشعبي لتحرير السودان – التغيير الديمقراطي، الذي كان وزيرا للخارجية حتى عهد قريب وأحد القادة البارزين في الحركة الشعبية قبل أن ينشق عنها، والذي كان قد ترشح لمنصب رئيس حكومة إقليم جنوب السودان منافسا لسلفا كير، إذ لم يحصل سوى على 7% فقط من إجمالي الأصوات الصحيحة، ما دفعه وصف الانتخابات في الجنوب بالتزوير، وتعرض وكلاءه للضرب والاعتقال في العديد من الدوائر، والتدخل السافر للجيش الشعبي في عملية التصويت لصالح مرشحي الحركة الشعبية لتحرير السودان. كما أعلنت سبعة أحزاب جنوبية عن عدم اعترافها بالنتائج بسبب ما وصفته بحدوث تزوير على نطاق واسع.
وهكذا، تمخضت الانتخابات عن هيمنة كاملة لحزب المؤتمر الوطني في الشمال، في مقابل هيمنة أخرى موازية للحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب، الأمر الذي أفرز معادلة جديدة للسلطة في السودان، وهى معادلة جديدة وقديمة في ذات الوقت. قديمة لأنها تعيد إنتاج صيغة تقاسم السلطة التي نصت عليها اتفاقية نيفاشا، وقامت على أساسها حكومة الوحدة الوطنية طوال المرحلة الممتدة من عام 2005. وجديدة لأنها تأتى هذه المرة في شكل تقاسم جغرافي أو جهوي للسلطة، بما يعنى نوعا من فرز الأوراق بين الطرفين، وبما يمثل أيضا إقرارًا بالتقسيم الفعلي للسودان استباقا للتقسيم القانوني المتوقع في يناير 2011، وهو الموعد المحدد للاستفتاء على حق تقرير المصير لجنوب السودان. كما أن هناك متغيرًا آخر جديدًا أيضا، يتمثل في أن كل طرف أصبح بإمكانه القول إنه متربع على سدة السلطة بتفويض شعبي عبر الانتخاب وليس عبر معادلة اقتسام للغنائم جاءت عبر اتفاق بين طرفين حكمته معادلات القوة بينهما. في الوقت نفسه، وجدت أحزاب المعارضة، التي شاركت أو قاطعت الانتخابات، أنها قد أصبحت على هامش العملية السياسية، حيث أقرت نتائج الانتخابات واقعا جديدا ومغايرا عما أفرزته نتائج انتخابات سنة 1986 التي استندت إليها العديد من تلك الأحزاب للتأكيد على نفوذها وثقلها السياسي داخل المشهد السياسي السوداني.
2- تراجع أحزاب المعارضة التقليدية
من الأمور التي كانت لافته في هذه النتائج أيضا أن عبد لله دينق نيال، قد جاء سابقا لحاتم السر، مرشح الحزب الاتحادي، ورغم ضآلة الأصوات التي حصل عليها كل منهما، إلا أن ذلك عكس أيضا مدى التردي التنظيمي والتراجع الذي لحق بالوزن النسبي للحزب الاتحادي الذي كان ينظر إليه تاريخيا على أنه من الأحزاب الكبيرة ذات الوزن. ولعل ذلك يعود في جزء كبير منه إلى الانشقاقات والشللية التي عصفت بالتيار الاتحادي، بالإضافة إلى قيادة الميرغنى الذي يبدو أنه يتجاهل عمدا كل الأطر المؤسسية والتنظيمية حفاظا على سيطرته الكاملة على الحزب، وربما أيضا لتمرير حساباته الخاصة.
عكست النتائج أيضا التراجع الواضح في قوة حزب الأمة، وهو الحزب الأكبر في آخر انتخابات برلمانية في 1986، حيث حصل الصادق المهدي على حوالي 100 ألف صوت بنسبة 1% تقريبا. وقد يجادل البعض بأنه كان قد انسحب من الانتخابات، إلا أنه في حالة استمراره كان من المحتمل أن يتقدم إلى الموقع الثالث بعد البشير وعرمان ولكن بفارق كبير عن المرشح الثاني، الأمر الذي يوضح أيضا مدى التغير الذي لحق بالواقع الاجتماعي والاقتصادي في السودان في العقدين الأخيرين، ويوضح من ناحية أخرى، أن الأحزاب التقليدية يجب أن تبذل جهودا قوية ومنسقة من أجل البقاء كقوى فاعلة في الحياة السياسية السودانية.
أما على مستوى البرلمان القومي وحكام الولايات والمجالس التشريعية الولائية، فقد جاءت النتائج بخسائر فادحة أيضا للحزب الإتحادي الديمقراطي/ الأصل بزعامة السيد محمد عثمان الميرغنى، والذي كان قد شارك في كل مستويات الترشيح بعد كثير من التردد والتصريحات المتضاربة، والتي انتهت بحسم الميرغنى للأمر وإعلان المشاركة الكاملة. في ذلك الوقت راجت الكثير من الأنباء عن وجود صفقة انتخابية بشكل أو بآخر عقدها السيد الميرغنى بعد اجتماع مغلق بينه وبين على عثمان محمد طه، نائب رئيس الجمهورية، غير أن النتائج توضح أنه لم يكن هناك ثمة اتفاق محدد الملامح. فقد خسر الحزب الاتحادي- الأصل كل الدوائر والمواقع التي تقع في منطقة نفوذه التقليدي في شمال السودان، بالإضافة إلى خسارته لمنطقة "كسلا" في شرق السودان، رغم ضخامة الحشود الجماهيرية التي كانت قد خرجت لاستقبال الميرغنى في زيارته لهذه المنطقة قبيل الانتخابات مباشرة، والتي بلغت حدا أدهش المراقبين، والميرغنى نفسه (وهو ما عبر عنه بقوله "حتى كسلا!!"). وكان اللافت للنظر أن الخسارة شبه الكاملة للحزب الاتحادي لم تكن بفارق معقول في الأصوات يدل على وجود نوع من التنافس أو يمكن اعتباره ناتجا عن المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت خلال العقدين الماضيين، بل كانت بشكل كاسح لصالح حزب المؤتمر الوطني يصل إلى 90% من الأصوات أو أكثر في بعض الدوائر، كما لم يفز الاتحادي بأي منصب لحكام الولايات  في المواقع التي طرح فيها مرشحين، وبذلك جاءت الخسارة فادحة وشبه كاملة على كافة المستويات.
وقد كانت هناك العديد من المؤشرات قبل أن تبدأ العملية الانتخابية التي تشير إلى أن المنافسة بين حزب المؤتمر الوطني وبقية أحزاب الشمال التقليدية محسومة سلفاً لمصلحة حزب المؤتمر الوطني. يُعزى ذلك إلى هيمنة حزب المؤتمر على مقاليد السلطة لأكثر من عشرين عاماً، وما تبع ذلك من التحالفات وشبكات المصالح التي أقامها مع قطاعات عريضة داخل المجتمع السوداني في غيبة/ أو تغييب القوى السياسية الأخرى، وما أتاحته السيطرة على السلطة من توافر فرص التوظيف والتدريب لعشرات الآلاف من الكوادر في المواقع المختلفة، وما صاحب ذلك من توافر موارد مالية ضخمة وغير مسبوقة لدى السلطة الحاكمة، لاسيما في مرحلة استخراج وتصدير النفط والتي بدأت مع مطلع الألفية الثالثة، في حين تعاني أحزاب المعارضة شح الموارد الذي حال دون قيامها بالحد الأدنى من النشاط السياسي أو التنظيمي، وقلل من قدرتها على التواصل مع القواعد أو تعبئتها، وهو ما اتضح في عدم قدرة هذه الأحزاب على تعبئة الناخبين لتسجيل أسمائهم في كشوف الناخبين أو حشدهم خلال أيام الاقتراع. أضف إلى ذلك الانشقاقات المتوالية التي عصفت بهذه الأحزاب. وتجدر الإشارة أيضا إلى عامل آخر بالغ الأهمية، يتمثل في عملية خلخلة الولاءات التقليدية للأحزاب التقليدية في الريف، الأمر الذي انعكس سلبا بشكل كبير على قوة هذه الأحزاب نتيجة انتشار التعليم وربط الريف بالمدن بعدد من شبكات الطرق خاصة في الإقليمين الأوسط والشمالي، واجتذاب زعماء العشائر والقبائل ورجال الطرق الصوفية إلى حزب المؤتمر الوطني عبر شبكات متشعبة للمصالح.
والشاهد أن حزب المؤتمر الوطني لم يكن بحاجة كبيرة إلى تزوير الانتخابات لكي يضمن الفوز، بل إنه كان يسعى بحرص كبير قبيل بدء الاقتراع لإقناع حزبي الأمة والاتحادي  بالمشاركة، وقد نُشرت العديد من التقارير عن دفع بعض الأموال لحزبي الأمة والاتحادي تحت مسميات مختلفة لحثهما على المشاركة، الأمر الذي يعنى أن حزب المؤتمر كان يخشى من عدم خوض هذين الحزبين للانتخابات أكثر من خشيته منافستهما. أما بالنسبة للحركة الشعبية فإن حزب المؤتمر كان يخشى منافستها على موقع رئاسة الجمهورية وليس على مستوى المجالس التشريعية وحكام الولايات الشمالية.
إلا أن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك تجاوزات أو أعمال تزوير؟ بالطبع كانت هناك العديد من التجاوزات التي تحدثت عنها المعارضة وجهات أخرى عدة بقدر كبير من الاستفاضة. ولكنها في الأغلب تظل ممارسة محدودة لا تؤثر في النتيجة العامة للانتخابات التي كان من الواضح أن حزب المؤتمر سيحوز أغلبية مريحة فيها في كل الأحوال. وقد أشارت بعض الكتابات لمتخصصين سودانيين من المشهود لهم بالاستقلال والموضوعية إلى أن بعض ما نُشر عن الممارسات الفاسدة التي شابت العديد من جوانب العملية الانتخابية وإجراءاتها قد يكون صحيحا ويطعن في نزاهة الانتخابات ولكنه لا يدل على بطلان نتائجها الكلية المتعلقة بسيطرة حزب المؤتمر.
3- المعارضة ترفض الاعتراف بالنتائج
كشفت نتائج الانتخابات عن بعض الظواهر والمفارقات، من قبيل حصول بعض المرشحين الحزبيين والمستقلين على صوت واحد فقط في بعض الدوائر، أو عدم الحصول على أي صوت في بعضها الآخر، رغم تصويتهم وأقاربهم في مركز انتخابي محدد، أو إعلان حصول بعض مرشحي حزب المؤتمر الوطني على أصوات تزيد عن عدد الناخبين في مراكز انتخابية بعينها. وراجت الأحاديث عن حدوث تزوير واسع بطرق عديدة، كما نشرت المواقع الالكترونية شريط فيديو يظهر موظفي المفوضية في إحدى دوائر المنطقة الشرقية يملئون الصناديق ببطاقات مزوره.
وقد أعلن تحالف المعارضة رفضه القاطع لنتائج الانتخابات وعدم الاعتراف بها، لكنه تعهد "عدم اتخاذ موقف متهور" حيالها بالخروج إلى الشارع. وقال رئيس هيئة التحالف فاروق أبو عيسى في تصريحات عقب اجتماع ضم بعض المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية، وقيادات حزبية معارضة، إن "الاجتماع اتخذ موقفاً موحداً يرفض نتائج الانتخابات أو التعامل معها إلا باعتبارها أمراً واقعاً"، مشيراً إلى أنها "مزورة من الألف إلى الياء". وشدد على أن موقف القوى المعارضة موحد من الانتخابات "الفضيحة". وقال إنه لا يوجد حزب يتمكن من الفوز بنسبة 99% في انتخابات ديمقراطية. ولم يقتصر نقد أبو عيسى على حزب المؤتمر الحاكم، ولكنه امتد أيضا إلى التقارير الدولية حول الانتخابات، حيث انتقد تقرير مركز كارتر حول الانتخابات، والذي ذهب إلى أن هذه النتائج سيقبلها المجتمع الدولي، مؤكدا أن التقرير احتوى على "كذب بائن". وأعلن أبو عيسى تكوين لجنة لدراسة التقرير الذي وصفه بأنه "استهان" بمطالب المعارضة وموقفها. وربط أبو عيسى تشكيل حكومة قومية بـ "الاتفاق على برنامج وطني يحل قضية دارفور، ويتعامل بجدية مع مسألة استعادة الديمقراطية، إلى جانب إعادة إجراء الانتخابات عبر مفوضية وقانون انتخابات جديدين.
ومن ناحيته أعلن الحزب الاتحادي أنه لن يعترف بهذه الانتخابات ولا بالنتائج التي سوف تترتب عليها باعتبارها مزورة، وطالب بإعادتها كاملة. وأصدر الميرغنى بيانا بهذا المضمون وغادر السودان غاضبا، وصرح بأنه حين تبين له وجود التزوير والتلاعب لم يدل بصوته في هذه الانتخابات.
أما بالنسبة لحزب المؤتمر الشعبي الذي كان قد شارك بدوره في العملية الانتخابية بكل مستوياتها، فقد تبين سقوط زعيمه حسن الترابي، الذي كان قد ترشح على قائمه التمثيل النسبي، حيث حصلت قائمة حزبه على 2% فقط، أي أقل 2% من الحد الأدنى المطلوب للتمثيل داخل البرلمان. كما خرجت الغالبية العظمى من مرشحي حزبه في كل المستويات بأصوات هزيلة للغاية. وعلى إثر ذلك أعلن الترابي أن الانتخابات قد جرى تزويرها بالكامل عبر استبدال الصناديق، وأن حزبه لن يشارك في أي مؤسسة تنتج عن هذه الانتخابات بعد أن كان قد وصفها عقب انتهاء الاقتراع مباشرة بأنها لم تشهد تزويراً وان كانت قد حفلت بأخطاء فادحة. وبذلك انضم الذين شاركوا في الانتخابات إلى القوى التي كانت قد قاطعتها منذ البداية احتجاجا على عدم توافر الحد الأدنى من متطلبات النزاهة والشفافية.
4- تبني حزب المؤتمر الوطني خطابا إقصائيا للمعارضة
على الجانب الآخر، أصر حزب المؤتمر الوطني على أن النتائج مبررة ومعقولة. واعتمد في تبرير هذه النتائج على ضعف أحزاب المعارضة، حيث ذهب المؤتمر في هذا الإطار إلى أن الأحزاب التقليدية - ويقصد بها حزبي الأمة والاتحادى- يجب أن تعترف بأن الأوضاع في السودان قد تغيرت بفعل "الثورة" التي شهدها السودان في مجالات التعليم والاتصالات والبنية الأساسية، وأن الحزبين الكبيرين لم يعودا كذلك، بسبب الانشقاقات العديدة التي تعصف بهما، وغياب الفاعلية التنظيمية، وأنهما بحاجة إلى إعادة النظر في خطابهما السياسي، إن أرادا الاستمرار في الوجود على الساحة السياسية. ويقول أنصار حزب المؤتمر أيضا أن الجماهير التي خرجت لاستقبال الميرغنى لم تصوت له، بسبب وجود فارق كبير بين الولاء الصوفي والانتماء السياسي، فضلا عن أن نسبة كبيرة من هؤلاء لم يكونوا مسجلين في قوائم الناخبين.
وفى الوقت نفسه، أفصح بعض قادة الحزب عن مواقف متشددة، رداً على مواقف المعارضة ورفضها للنتائج؛ فمع صدور التقارير الأولية للمراقبين والتي حملت تقييما أقل مما أوحت به التصريحات التي توالت خلال أيام الاقتراع الأولى، انبرى الدكتور نافع على نافع، نائب رئيس الحزب لشئون التنظيم، مدافعا عن النتائج وموجهًا اتهامات قاسية لأحزاب المعارضة. ومن المعروف أن نافع هو الرجل القوى الذي هندس الترتيبات الانتخابية للحزب، والذي عُرف عنه دائما اتخاذ المواقف الطرفية التي لا تعرف الجنوح إلى بناء التفاهمات أو الحلول الوسط. وخلافا لتصريحات سابقة كان قد أدلى بها المستشار الرئاسي ومسئول ملف دارفور، د. غازى صلاح الدين، بأن حزب المؤتمر يتجه إلى تشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة تشمل الأحزاب التي شاركت وتلك التي قاطعت الانتخابات، من أجل مواجهة التحديات المصيرية التي يواجهها السودان في المرحلة القريبة القادمة، أكد نافع  أن أحزاب المعارضة التي قاطعت الانتخابات سيتم استبعادها من الحكومة الجديدة، وأنه "لا ترضية لشخص أو كيان على حساب إرادة الشعب" وفق تعبيره. واتهم المعارضة بالسعي إلى إثارة البلبلة للضغط من أجل تغيير النظام، واعتبر أن "هذه الانتخابات أخرست الألسن وفتحت العيون العمشاء ويكفيها الحضور الكبير والمشاركة الكبيرة"().
5- نتائج الانتخابات مؤشر أولي لحدوث سيناريو الانفصال
من بين النتائج ذات الدلالة أن ياسر عرمان، مرشح الحركة الشعبية في انتخابات الرئاسة، قد جاء في الترتيب الثاني بنسبة 22% من إجمالي الأصوات الصحيحة، وجاء مرشح حزب المؤتمر الشعبي، عبدا لله دينق نيال في الترتيب الثالث بنسبة 4% تقريبا، ثم حاتم السر على، مرشح الحزب الاتحادي في الترتيب الرابع (2% تقريبا)، ثم الصادق المهدي في الترتيب الخامس (1% تقريبا)، ثم باقي المرشحين بنسب تقل عن 1% لكل منهم.
وهنا يجب الأخذ في الاعتبار عدد من الملاحظات، الأولى أن هناك عدد من المرشحين كانوا قد أعلنوا انسحابهم من الانتخابات ومقاطعتها، مثل ياسر عرمان، والصادق المهدي، ومبارك الفاضل، ومحمد إبراهيم نقد، إلا أن انسحابهم جاء متأخرا عن المواعيد المقررة قانونا، لذلك اعتبرت المفوضية القومية للانتخابات أن ترشيحهم بقى قائما وبقيت أسماؤهم على بطاقات الاقتراع. ومن ثم يمكن القول إن الأصوات التي حصلوا عليها لا تعبر عن وزنهم الانتخابي بشكل صحيح، حيث كانوا قد أوقفوا حملاتهم الانتخابية، وأصبح معروفا للكافة أنهم لم يعودوا مرشحين.
الملاحظة الثانية أن الحركة الشعبية كانت قد أعلنت عن سحب مرشحها من السباق الرئاسي قبل بدء الاقتراع، إلا أنه حصل على معظم أصوات المقترعين في إقليم الجنوب بنسبة تتجاوز 86%، في الوقت الذي حصل فيه البشير في الجنوب على حوالى13% فقط من الأصوات رغم الاستقبالات الحاشدة التي ُقوبل بها في جولاته الانتخابية في ثمانية ولايات من إجمالي الولايات العشرة التي يتكون منها الجنوب. وإذا قارنا أصوات البشير قياسا إلى الأصوات التى حصل عليها عرمان في الولايات الشمالية فقط، نجد أن نسبة الأصوات التي حصل عليها الرئيس البشير تبلغ 90% من نسبة المصوتين في الشمال، في حين لم يحصل ياسر عرمان سوى على 3% فقط.
تكمن أهمية النقطة السابقة في أنها تعكس بشكل تقريبي نسب التصويت في الاستفتاء المقبل على حق تقرير المصير في جنوب السودان، فمن صوتوا لياسر عرمان سيصوتون في الأغلب لصالح الانفصال، أما من صوتوا لعمر البشير، فسيكون موقفهم هو تأييد الوحدة، حيث يرجح الكثير من المراقبين أن الحركة قد تعمدت إظهار هذه النسبة العالية لمرشحها المنسحب، سواء بالعمل الجاد أو بالتزوير لقطع الطريق على أي أوهام وحدوية قد يتحدث عنها البشير، لاسيما بعد تصريحاته أثناء الحملة الانتخابية، بأنه سوف يقيم في الجنوب بعد الانتخابات من أجل العمل لصالح الوحدة. ومن ثم، فإن هذه النتائج هي بمثابة رسالة سياسية واضحة فحواها أن الجنوب يريد الانفصال وأنه قد حسم أمره على مستوى القيادة والقواعد الجماهيرية بالعزم على إنشاء دولة إفريقية جديدة تحمل الملامح الإفريقية والثقافة الإفريقية والتوجه الإفريقي، ويعيش فيها العنصر الإفريقي غير العربي مواطناً من الدرجة الأولى، وأن الجنوب لا يفصله عن ذلك الهدف الكبير سوى شهور معدودة، فلا ينبغي لأحد أن يحاول العبث بإرادة شعب الجنوب التي ستتجلى في استفتاء يناير 2011 بنسبة سوف تفوق ما حصل عليه ياسر عرمان وقد تتجاوز 90%.
6- التقييم الدولي المسيس للانتخابات
حملت العديد من تقارير القوى التي راقبت الانتخابات قدرًا من التشكك في نزاهتها، حيث أشارت بعثتا الجامعة العربية والإتحاد الأفريقي إلى وجود بعض أوجه النقص والتقصير، إلا إنهما اعتبرتا الانتخابات خطوة مهمة على طريق التحول الديمقراطي بالنظر إلى الظروف التي يمر بها السودان. أما البعثتان الأكثر أهمية وتأثيرا، وهما بعثتا الاتحاد الأوروبي ومركز كارتر، فقد أشارتا إلى أن الانتخابات لم تستوف المعايير الدولية ولم ترق إلى ما وعدت به الخرطوم من انتخابات حقيقية، وإن كانت - حسب اعتقاد الرئيس كارتر- سوف تحظى باعتراف المجتمع الدولي.
وقد أثار الحديث عن مسألة المعايير الدولية وعدم الوفاء بها، وماهية هذه المعاير، قدرا كبيرا من الجدل. ووفقا للكثير فإن المعايير الدولية للانتخابات تنصرف إلى مدى توافر ضمانات حريات الرأي والتعبير، وحرية تنظيم الأحزاب السياسية، وحرية الترشح وحرية الانتخاب، ثم سيادة حكم القانون والالتزام بالقواعد الخاصة بالدعاية والحملات الانتخابية. ومن الناحية الدستورية والقانونية، فقد توافرت هذه المعايير في حالة الانتخابات السودانية، ولكن تظل هناك فجوة بين الواقع الدستوري والقانوني من ناحية، والواقع السياسي من ناحية أخرى، في كل دول العالم الثالث. وقد استند أنصار حزب المؤتمر إلى هذا التمييز، ورأوا أن القول بأن الانتخابات لم تلب المعايير الدولية ليس خطأ في حد ذاته، لكنه غير دقيق. ودعوا في هذا الإطار إلى التمييز بين المخالفات والتجاوزات التي تطعن في الشرعية القانونية والدستورية لهذه الانتخابات، حيث يتم رفعها إلى المفوضية أو المحكمة الدستورية، والأخطاء الإدارية والفنية، التي يمكن تصحيحيها أو تداركها كما فعلت مفوضية الانتخابات. وينتهي أنصار الحزب إلى أن الحكم على تطبيق المعايير الدولية من عدمه في حالة الانتخابات السودانية يجب أن يأخذ في الاعتبار هذا التمييز المهم، والظروف الخاصة في السودان الذي غابت عنه الممارسة الديمقراطية لأكثر من 20 عاماً، وظروف الحرب الأهلية التي أثرت على موارده المالية والبشرية.
ويحتج أصحاب هذا الموقف الذي يقلل من قيمة تقارير المراقبين الغربيين ويصفها بأنها مسيسة، بما أشار إليه المتحدث باسم البيت الأبيض( ) من أن هناك شكوكا أحاطت بهذه الانتخابات إلا أنها خطوه على طريق تطبيق اتفاقية السلام الشامل، وأن الولايات المتحدة سوف تتعامل مع النتائج المترتبة عليها، بما يوضح أن الهدف الأمريكي من العملية برمتها كان ينحصر في كونها خطوة ضرورية على طريق التقدم نحو الاستفتاء على حق تقرير المصير وفصل جنوب السودان. وقد تأكد هذا الفهم بعد التصريحات التفصيلية التي أدلى بها الجنرال ٍسكوت جربشن، المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى السودان، والتي قال فيها في وقت لاحق أن واشنطن تعلم بأن هناك تزويرًا قد حدث ولكنها ستتعامل مع النتائج ومع الحكومة التي سوف تنجم عنها، لأن الانتخابات خطوة أساسية باتجاه الاستفتاء وانفصال الجنوب، وعدم العود للحرب. وعندما سُئل كيف يمكن أن تمنح الولايات المتحدة المصداقية أو الشرعية لانتخابات غير نزيهة، رد بالقول إن الشرعية يجرى اكتسابها عبر إقرار السلام، وأن الانتخابات لن توقف الجنائية الدولية أو المحاكمات وإن كانت الولايات المتحدة تعطى الأولوية للسلام، وعدم العودة إلى الحرب مرة أخرى، الأمر الذي أوضح بجلاء أن الشعارات الغربية عن التحول الديمقراطي والحريات ليست سوى أداة سياسية لتحقيق أهداف معينة، فيتم الحديث عنها حينا، وغض الطرف في أحيان أخرى حسب مقتضى الحال واتجاهات المصالح.
خاتمة
المحصلة النهائية، أن نتائج الانتخابات السودانية قد أعادت إنتاج الهيمنة والسيطرة الكاملة لشريكي اتفاقية نيفاشا. هذه النتائج وإن كانت تصب في صالح الاستمرار في تطبيقات الاتفاقية كما هو مرسوم لها، إلا أنها تعنى أيضا أنها لم تغير ولم تضف شيئا إلى الساحة السياسية السودانية، سوى المزيد من الاستقطاب حيث بقى كل في مكانه بنفس الخطاب ونفس التوجهات ونفس المعالجات مع المزيد من الاحتقان. لقد سادت حالة من الاضطراب والتضارب في التصريحات والمواقف لقادة حزب المؤتمر من مسألة تشكيل حكومة قومية، وإمكانية الوصول إلى تفاهمات مع أحزاب المعارضة سواء التي قاطعت، أو تلك التي شاركت في الانتخابات وخرجت بخفي حنين. وانتهى ذلك إلى تشكيل حكومة تتكون من حزب المؤتمر الوطني والأحزاب المتحالفة معه ( وهى مجموعة الاحزاب الصغيرة المعروفة باسم أحزاب التوالى ) بالإضافة إلى الحركة الشعبية بطبيعة الحال،  الأمر الذي أشار إلى استمرار حالة الاستقطاب التي أُهدرت معها آخر فرصة حقيقية لإحداث نوع من التحول في مسار العملية السياسية في السودان من الصراع المسلح إلى الصراع السلمي عبر قواعد محددة متفق عليها استنادا إلى عملية التحول الديمقراطي التي قبل بها الجميع.
كل ذلك يصب في نهاية المطاف في إضعاف قدرة السودان على مواجهة التحديات الجسام التي سوف تواجهه خلال الشهور والسنوات القادمة، وعلى رأس هذه التحديات الاستفتاء، والانفصال الذي يبدو الآن أمرا واقعا، وما سوف يترتب على ذلك من تحديات بالنسبة لترسيم الحدود وقضايا البترول، فضلا عن تقسيم المياه وكيفية احتساب الديون والأصول المشتركة، وأوضاع الجنوبيين في الشمال والشماليين في الجنوب، وأوضاع ومصير مناطق التخوم. وهل ستنتهي تلك العملية بتحقيق الاستقرار أم ستفتح المجال أمام فصل جديد من الحرب والاقتتال المحلي.
 
ملاحق

ملحق رقم (1)
ملخص بيان مركز كارتر حول المخالفات في تجميع الأصوات وعدها

أصدر مركز كارتر بيان تفصيليا، حول وجود مخالفات واسعة النطاق في تجميع الأصوات في الانتخابات( ). وقد أفاد البيان بأن مراحل العد والتجميع في الانتخابات السودانية كانت فوضوية للغاية، وغير شفافة، وقابلة للتلاعب الانتخابي، وأن تطبيق نظام المفوضية القومية للانتخابات لمراحل العد والتجميع تم بصورة غير منتظمة، وضاعف هذه المشكلة الموظفون غير المدربين بشكل كاف، وقلة الموارد، وانعدام الشفافية، والمشاكل اللوجستية في العديد من ولايات السودان. وأشار إلى أنه رغم أن المفوضية القومية للانتخابات صممت نظام تجميع إلكتروني يحتوي على العديد من الضمانات في إدخال البيانات، إلا أن العملية لم يتم إتباعها كما هو مقرر، مما حال دون تطبيق خطوات التحقق والفحص الرئيسية، الأمر الذي أضعف من دقة النتائج. وان المسئولين قد لجئوا في بعض الحالات إلى التجميع اليدوي متجاهلين التدابير الخاصة بحماية البيانات والمقررة من قبل المفوضية القومية للانتخابات. كما دعا مركز كارتر المفوضية القومية للانتخابات للتحقق، بشكل شامل، من النتائج التي تتلقاها من اللجان الولائية العليا للانتخابات لضمان الا تتعرض نزاهة الانتخابات للمزيد من التقويض.
عد الأصوات: وفيما يتعلق بعملية عد الأصوات، أشار البيان إلى أن مراقبي مركز كارتر ظلوا متواجدين في كل ولايات السودان، لمراقبة عملية العد والتجميع بمحطات ومراكز الاقتراع، ومراكز البيانات بالولايات، ومركز البيانات القومي بالخرطوم، وان مركز كارتر قد لاحظ  عجز مسئولي الانتخابات عن إتباع الإجراءات الإدارية السليمة، وموافقة عدد بطاقات الاقتراع التي تم استلامها مع العدد الذي تم إحصاؤه، الأمر الذي نجم عنه إكمال عدد كبير من استمارات النتائج بصورة غير دقيقة. وأن الفشل في التوفيق السليم بين عدد الأصوات المدلي بها في محطات الاقتراع قد خلق عبئا كبيرا على اللجان الولائية العليا، وجعل عملية فرز النتائج عرضة للتلاعب في المراحل اللاحقة.
أشار البيان أيضا إلى أن عملية العد قد بدأت مباشرة بعد قفل باب الاقتراع في كل من النيل الأزرق والقضارف وأعالي النيل، بالمخالفة للقواعد التي وضعتها المفوضية القومية بان يبدأ العد في اليوم التالى لانتهاء العملية الانتخابية، الشيء الذي أظهر أن بعض المناطق لم تتلق التوجيهات الكافية ولم يحصل العاملون في محطات الاقتراع على فترة الراحة المقررة لهم. وقد شهد مركز كارتر في كل من ولايات  شرق الاستوائية وجونقلي، والبحيرات، وأعالي النيل التي تقع في الجنوب، وولاية جنوب كردفان التي تقع في الإقليم الشمالي، قيام وكلاء الأحزاب السياسية بمساعدة مسئولي الاقتراع في عد البطاقات. كما شارك أفراد الأمن في غرب دارفور وشرق الاستوائية في عملية العد مما يتنافى والإجراءات الانتخابية.
أورد مراقبو مركز كارتر أيضا أن عدم استكمال الاستمارات على النحو الصحيح قد حدث بشكل متكرر، كما لم يتم عرضها خارج مراكز الاقتراع كما تقتضي دواعي الشفافية. وكان هناك قدر من إنعدام الاتساق في إعلان النتائج في محطات الاقتراع، حيث تباينت الممارسة من ولاية إلى أخرى. لقد ساعد الإعلان الفوري للنتائج، على مستوى محطات الاقتراع، مباشرة بعد اكتمال العد، ساعد على زيادة شفافية العملية. هذا ويمثل الفشل في إعلان النتائج في كل المواقع فرصة مهدرة لتحسين الثقة في نزاهة نتائج الانتخابات على مستوى المجتمع المحلي.
المشاكل اللوجستية: تطرق البيان أيضا إلى أن المشاكل اللوجستية التي أخرت توزيع بطاقات الاقتراع على الدوائر الانتخابية على مستوى البلاد عند بدء الاقتراع ، قد أعاقت كذلك استعادة صناديق الاقتراع، واستمارات النتائج، والشكاوى الرسمية، والمواد الحساسة الأخرى بنهاية العد، وفي جنوب كردفان وعلى امتداد جنوب السودان، تأخرت استعادة هذه المواد من المناطق الريفية لعدة أيام بسبب مشاكل النقل، وزاد هذا الأمر من قابلية التلاعب وأدى إلى تأخير بدء مرحلة التجميع في بعض الولايات. لقد كانت مساعدة بعثة الأمم المتحدة في السودان في نقل المواد الانتخابية من المواقع النائية إلى عواصم الولايات غاية في الحيوية.
تجميع الأصوات: أفاد مراقبو مركز كارتر أن عملية التجميع كانت فوضوية تعوزها الشفافية في كل البلاد، مما أثار أسئلة جدية حول دقة نتائج الانتخابات. أن نزاهة العملية قوضت عبر مسيرة من المشكلات، ويشمل ذلك التدريب غير الكافي لموظفي إدخال البيانات، والفشل في استخدام الضمانات المرساة ضد تزوير النتائج أو الإخلال بها، وأوجه القصور في تصميم برامج التجميع الالكترونية، وتعديل النتائج المخالفة للإجراءات القياسية. وبينما كان تعديل النتائج، في أحيان كثيرة. محاولة لتصويب أخطاء رياضية، إلا أنه تم تغيير الأرقام جزافا في بعض الحالات دون توضيح شافي. كما لاحظ مراقبو مركز كارتر في مراكز التجميع الولائية مشكلات واسعة النطاق في الغالبية العظمى من استمارات النتائج التي عالجها موظفو إدخال البيانات. وشملت المشكلات الشائعة أخطاء الموظفين، والحسابات الرياضية الخاطئة، والتباين في توافق البيانات في استمارات النتائج.
لاحظ مراقبو مركز كارتر، بشكل مباشر، وجود عدد من الاستمارات ذات الأخطاء الفادحة، بما في ذلك استمارات أعيدت فارغة، أو تنقصها معلومات ضرورية مثل (مركز الاقتراع، محطة الاقتراع، معلومات عن الدائرة الانتخابية، أو نتائجها) وأن هذا الأمر مثل  مشكلة روتينية لوحظ وقوعها في مراكز بيانات في 16 ولاية. وأورد المراقبون تكرر خلو الاستمارات من الختم، أو من التوقيعات الكاملة لرئيس المركز الانتخابي أو وكلاء الأحزاب السياسية.
مصاعب الوصول إلى مراكز التجميع: واجه وكلاء الأحزاب السياسية، وكذلك المراقبون المحليون والدوليون مصاعب في الوصول إلى ومراقبة عملية التجميع. وفي سبع ولايات تم منع مراقبي مركز كارتر منعا كاملا أو منحوا فرصة محدودة جدا للوصول إلى عملية التجميع، في تعارض مع مذكرة التفاهم الموقعة مع المفوضية القومية للانتخابات. لقد منع مراقبو مركز كارتر في الفاشر، شمال دارفور، وعلى نحو متكرر، من مراقبة التجميع، ليتضح أن اللجنة الولائية العليا كانت تعقد جلسات ليلية للتجميع رغم إعلامها من قبل العاملين في إدخال البيانات أن مركز البيانات الولائي قد تم إغلاقه في السادسة مساء، هذا وقد وجد المراقبون في كل من الخرطوم وجنوب دارفور أن عمليات تجميع موازية كانت تتم في عدة مواقع. وأورد مراقبو المركز في أعالي النيل أن عمليات تجميع الاستمارات برمتها كانت تتم، كما يبدو، بطريقة يدوية، في غرفة مغلقة، كان وصول المراقبين إليها محدودا، وغاب عنها بوضوح وكلاء الأحزاب السياسية والمراقبون.
من جهة أخرى كانت شارات اعتماد المراقبين المحليين التي تم إصدارها لبعض المنظمات صالحة لتغطي الفترة من 11 حتى 18 أبريل فقط، الأمر الذي حد من قدرة هذه المنظمات على مراقبة كامل عملية التجميع. وفي بعض الحالات لم يسمح مسئولو اللجان الولائية العليا للمراقبين السودانيين ووكلاء الأحزاب السياسية بالوصول إلى مراكز التجميع. ذلك بينما كانت غرف مراكز البيانات في 4 لجان ولائية عليا مكتظة، الأمر الذي حد من عدد المراقبين الذين يمكنهم التواجد في وقت واحد. أن نقص وعي المراقبين المحليين ووكلاء الأحزاب السياسية بأنه من المسموح لهم الوصول إلى مراكز التجميع ساهم في أن يكون تواجدهم محدوداً.
تحضيرات غير كافية لتجميع الأصوات
لاحظ مراقبو مركز كارتر في تسع ولايات أن المسئولين لم يقوموا بصورة عامة، بالتحضيرات الكافية لإجراء التجميع. في إحدى هذه الولايات المتأثرة نقل المراقبون أن ست لجان ولائية عليا لم تبدأ في تعيين وتدريب العاملين الضروريين للعملية إلا بنهاية العد. تم إكمال كتيب العمل في 21 ابريل ولم توفر اللجان الولائية العليا نسخا منه إلا قبل أيام فقط من بداية التجميع، الأمر الذي لم  لم يترك إلا وقتا محدودا للتعود على النظام المعقد. وقد أدى ذلك إلى التأخير في أو عدم كفاية تدريب العاملين في إدخال وإدارة البيانات. كما أدى التأخير في دفع حقوق العاملين إلى إيقاف عملية التجميع بصورة مؤقتة في ولايات الاستوائية الوسطى، وشرق الاستوائية، وشمال بحر الغزال، وجونقلي، والبحيرات، كما حدثت مشاجرات ومواجهات عدة على مقربة من مكاتب اللجان الولائية العليا.
الانتقاص من ضمانات التجميع: بهدف ضمان كشف الأخطاء الحسابية الفعلية وتحديد الحالات التي تكون فيها النتائج موضعا للشك. طورت المفوضية القومية للانتخابات نظاما مزدوجا لإدارة إدخال البيانات. ويمكن القول بأنه فقط عند استخدام النظامين تكون الضمانات الملائمة لعزل النتائج التي تتطلب مزيدا من التقصي والتصويب قد تم إنفاذها. ومع ذلك، فقد أفاد مراقبو مركز كارتر في أكثر من نصف الولايات التي تمت مراقبتها، أن اللجان الولائية العليا لم توظف إلا مكونا واحدا فقط من مكونات النظام الالكتروني، مما حال دون تطبيق ضمانات إدارة النتائج بصورة ملائمة وفتح الباب أمام أفعال قد تنتقص من نزاهة العملية.

بيان الترابي بخصوص تبديل صناديق الاقتراع( )

بسم الله الرحمن الرحيم
 1- لأول عهد الانتخابات كنا نرى أنها ستجري في إطار معلول دستورياً غير عادل تنافساً سياسياً ذلك أن البيئة التي يفرضها النظام الحاكم لا يستوي فيها المتنافسون أولاً لأنه إذ لا حرية للمجادلة والنقد والمناظرة بل تسود القوانين الاستثنائية التي تضيق حرية التغبير العام إلا للحاكمين فيتمتع هؤلاء بكل الإعلام المرئي والمسموع الرسمي ويملكون  إعلاماً مكتوباً واسعاً. إذ يحتكر ثانياً يتكرر النظام موارد الخزينة للمال العام يصرفها لصالح حركته في أساطيل الدولة بموظفيها السياسيين كلهم. ولئن وقعت الرقابة على الصحف وأذن بالندوات لموسم الانتخابات المباشر فقد ظل النظام يستغل الإعلام العام بغير عدل وينفق الأموال العامة بمظاهر فاضحة ولا يبالى بزهاده إمكانيات المنافسين، وقد أصدر قانوناً للانتخابات لا يراعي عدالة التنافس وحريته الأعدل، وأخر تسوية أزمة دارفور بما يعسر مشاركة أهلها بعدل.
ورغم ذلك آثرنا مع سائر قوى المعارضة أن نشارك إذ يحكمنا (دستور ثنائي قائم ولا بديل لنا إلا الثورة الخطرة على وحدة السودان، وقدرنا أنه يمكن أن نجد حضوراً نيابياً مقدراً مهما قل يضبط الدكتاتورية شيئاً ما خطوة في سبيل التحول الحق نحو الديمقراطية والحكومة النيابية.
2) بعض القوى السياسية استيأست حين مضى النظام يشتد في جنوحه ضد عدالة الانتخابات ولئن مضوا يسجلون الناخبين ويقدمون المرشحين ويحتملون تكاليف حملة الانتخابات فقد كفوا عن سيرة ميئوسة فانسحب بعضهم أو قاطعوا الانتخابات قبل الاقتراع وبذلك أرهق باحتمال التكاليف التي أنفقوها سدى.
كنا نحن نصدر أحكامنا بصدق في كل مرحلة حسب تتطور الحيثيات فإن ذكرنا بعلل الإطار الدستوري العام الذي لا يحقق تمثيلاً صادقاً سوياً مضينا عازمين أن نحتمل الظلم في ذلك القانون والنظام العام للانتخابات ثم في مرحلة التسجيل ذكرنا بالقصور لا سيما في المناطق المتأزمة ومناطق القوات النظامية وشاهدنا استغلال الإمكانات الرسمية كلها للحزب الحاكم في حملة تسجيله. ورغم ذلك مضينا.
3- وفي مرحلة أداء الأصوات رأينا المشاهد داخل المراكز الانتخابية وداخلها. وقلنا إننا في الداخل لا نجد بينه على تعويق حركة أداء التصويت من السلطة الحاكمة وإنما وردت الأخطاء الفادحة من المفوضية التي تثير الريبة لا بالكفاءة وحسب بل بالأمانة لاسيما في رسم الدوائر. وترتيب أوراق التسجيل المرتبك بين المواقع، وطباعة المرشحين في نماذج مختلفة بوجوه عجيبة. واحتملنا ذلك بل غضضنا الطرف عن الفساد في نشاط اللجان الشعبية خارج المراكز وهي ذات ولاء رسمي تقيم وتطعم وتنقل الناخبين و تحرر أوراق السكن والهوية كيفما تشاء لمن ينعطف إليها بنماذج معدة خاصة لذلك فيها كثير من التزوير وقليل من الصدق.

4- أما في مرحلة الاقتراع فقد ظهرت لها خروقات منكرة للقانون والعدالة
* فهو قانوناً في يوم واحد يمكن لحيثية طارئة في موقع أن يمد، فإذا هو يمتد عموماً إلى ثلاث أيام في كل المواقع ثم إلى خمسة أيام بلياليها وذلك تكليف هين من الإنفاق لمن ترد إليه الأموال السهلة من المصادر العامة وشاق على المنافسين الآخرين.
* وظهر لنا حضور كثيف من ممثلي المؤتمر الوطني ورجال أمنه بأزياء المراقبين النظاميين أو بإدعاءات تمثيل منظمات طوعية.
* والأخطر من ذلك أن قد أهُمل القانون المادة (76): أن يكون بت الفرز فوراً بعد أنتهاء الاقتراع ويستمر كذلك بغير انقطاع حتى انتهاء عدَ الأصوات ولا يجوز التوقف، وباتت الصناديق دون الفتح والفرز لليال.
* الشرطة ومن يحمل زيها تولت مسؤولية حفظ الصناديق أثناء المبيت. وغالباً أبعدوا المراقبين وبعض المرشحين الذي سمحت لهم القواعد بالدخول والمبيت والوجود في مراكز الاقتراع ولو امتد نشاطها ليلا وأحياناً صدر أمر الإبعاد كتابةً بأذن المفوضية وأحياناً قليلة أعيد المراقبون ليصحبوا الشرطة ليلاً في الأبواب الخارجية لحوش المركز.
* لكن الغرف التي أُودعت فيها الصناديق كانت داخل حوش المركز المنفتح على سائر الشوارع – كانت يتيسر الدخول إليها حيثما أراد معتد بالليل. والصناديق يمكن فتحها وإغلاقها دون قطع أو حملها وتبديلها. وقد وردت إلينا بلاغات بوقائع مشهودة ليلاً من التصرف في الصناديق بسيارات طافت على المراكز من ورائها.
* ولقد وردت إلينا أنباء متواترة من ساسة كبار في النظام وعناصر في الأمن الرسمي الخاص كلهم ناجونا ونحن على بقية صلة بهم لأنهم بين البقاء في النظام واستبقاء الولاء القديم للحركة الأصل- ناجونا بأن النظام قد أعد عدته لكسح الانتخابات بمشروع تبديل الصناديق وأوراقها بما يريد من حساب في حظوظ المنسوبين إليهم.
* عند الاقتراع كثير من ضباط المراكز رفضوا مقارنة عد الناخبين عند تمام التصويت السابق مع عد الأوراق الموجودة في الصندوق بعداً وبعضهم وافقوا ووجدوا فروقات بين عشرات وأكثر من مائة وفي حالة ورد بلاغها ضعفا للضعف.
* عند حساب نتائج الانتخابات ظهرت الفوارق بين حظوظ الحزب الحاكم ومنافسيه ذات مدى لا يعقله أحد مهما يكن تقدير التنافس بين من يليه الإعلام والمال الرسمي ومن لا يعمل إلا بجهده المستقل أو جهد حزبه الفقير.
فالرئيس المرشح والمرشحون ولاة من الحزب الحاكم يحصلون على نحو 90% باضطراد  حيثما حسب الاقتراع حتى في ولايات ذات توجه سالب على الحزب الحاكم أو حيث لم يظهر المرشحون للولاية إلا عرضاً بينما المنافسون الذين طافوا واجتهدوا ونشروا أوراقهم الدعائية لا يحصلون إلا على 1% لكل منهم ليبلغ كلهم نحو 10%: وكذلك المرشحون للنيابة المضطرد ألا جد المنافسون من غير الحزب الحاكم كلهم جملة إلا على نحو 15% أو أقل. وبعض كسب المرشحين حسبناه نسبة إلى المرشح وزوجه فقط أو هو وأسرته أو أهله وطائفته المباشرة أو هو ومن جاء بهم إلى التصويت وقد عهد فيهم كره النظام والميل إليه بحماس، لكن  مثل أولائك أحياناً لا يجدون رقماً قريباً من ذلك المأمون بل أقرب إلى الصفر. لكن الحساب في بعض المراكز الريفية حيث حرسها بعضهم المراقبين بالسلاح، هنالك انقلب الميزان تماماً وبلغنا في مواقع من دارفور وشرق النيل وحلفا أن الذين عبثوا بالصناديق وأوراقها وأمانة الانتخاب ما كانوا اذكيا ليكفيهم ضمان أكثرية مقدرة فائزة لكنها مستورة ذهبوا إلى إبعاد الزيف المستبين الفاضح.
إننا قد تبين لنا بالشهادة والتجربة من داخل أروقة المشاركة بالانتخابات أنها إن كانت معلولة أساسا لانعدام الحرية السوية العادلة وللتمويل الحرام من خزينة الدولة وأنها من بعد كانت معيبة في إدارة المفوضية الخرقاء وفي التسجيل ومراكز التسجيل العسيرة البلوغ أحياناً إلا لذي المال الوارد من الدولة – كل ذلك احتملناه ومضينا.
لكن تبين لنا أنها انتهت بعد الاقتراع عند ضرورة حفظ أوراقها وحسابها إلى زور شين وزيف فاضح وسنرفع الأمر للقضاء لكن من العسير في السودان أن يحاكم السلطان الجاني بحكم القانون وضمير القضاء الحر ولذلك  سنعتزل كل ما ترتب على هذه الانتخابات من النيابة إلا في مواقع متأزمة بل سيعتزل مرشحونا أيما إعادة للانتخابات في دائرة. ذلك فضلاً عن أنا لن نشارك  في إي سلطة يسود فيها هؤلاء المتحكمون بالقوة والمكر الباطل.