الانتخابات السودانية 2010
تراجع المعارضة التقليدية وتكريس استقطاب الشمال- الجنوب
(1 – 2 )


صدرت هذه الدراسه فى سلسلة كراسات استراتيجية الصادرة عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام تحت رقم 211 لسنة 2010.
------------
حظيت الانتخابات السودانية التي أجريت في أبريل 2010 باهتمام واسع النطاق على المستويين الإقليمي والدولي، فضلا عن الاهتمام الداخلي غير المسبوق، حيث كانت بمثابة الشغل الشاغل لكل المواطنين وللقوى السياسية على اختلاف انتماءاتها وتوجهاتها، سواء في الشمال أو في الجنوب. هذا الاهتمام الخاص لم يكن مستغربا، إذ تعد هذه الانتخابات أول انتخابات تعددية ديمقراطية خلال أكثر من عشرين عاما، منذ وصول نظام الإنقاذ إلى السلطة عبر انقلاب 30 يونيو 1989، بالإضافة إلى الطبيعة الاستثنائية لهذه الانتخابات من حيث الاتساع والشمول، ومن حيث التوقيت، وكذلك من حيث الآثار المترتبة عليها، مما جعلها الأكثر أهمية في تاريخ الحياة السياسية في السودان منذ حصوله على الاستقلال في الأول من يناير عام 1956. فقد جرت هذه الانتخابات في لحظة حرجة وفاصلة فيما يتعلق ببنية الدولة السودانية وبحدود ترابها الوطني، وبطبيعة النظام السياسي القائم وآلياته ومصدر شرعيته، كما تأتى قبل بضعة أشهر فقط من استفتاء جنوب السودان على حق تقرير المصير.
هذه الانتخابات أجريت طبقا لما قررته اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) الموقعة في 9 يناير 2005 التي تم تضمينها بالكامل في الدستور الوطني الانتقالي للسودان الذي تم إقراره في نفس عام توقيع الاتفاقية، والتي نصت على إجراء انتخابات عامة في النصف الثاني من المرحلة الانتقالية. كما نصت المادة (216) من دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 علي أن تُجرى انتخابات عامة على كل مستويات الحكم في موعد لا يتجاوز نهاية العام الرابع من الفترة الانتقالية، أي في موعد أقصاه 9 يوليو 2009، على أن تكون هذه الانتخابات تحت رقابة دولية، حتى تتمخض عنها حكومة منتخبة، تقود البلاد إلى الاستفتاء على حق تقرير المصير لجنوب السودان المقرر له أن يتم في 9 يناير 2011.
غير أن التحديات العديدة التي واجهت تطبيق اتفاقية نيفاشا، بالإضافة إلى الخلافات العديدة حول جملة القوانين والإجراءات المنظمة للعملية الانتخابية، أدت إلى إرجاء الانتخابات أكثر من مرة حتى استقر الأمر على إجرائها في الفترة من 11 إلى 18 أبريل 2010، الأمر الذي يعنى أن الحكومة التي سوف تفرزها هذه الانتخابات لن تكون أمامها فرصة كافية للتأثير على مجريات الأمور قبل الاستفتاء على تقرير المصير، إذ سرعان ما سوف يدهمها الاستفتاء على حق تقرير المصير، الذي تدل كل المؤشرات على أنه سيكون لمصلحة الانفصال بنسبة عالية، ومن ثم فسوف يكون هناك وضع دستوري جديد يقتضى بالضرورة إعادة النظر في تكوين المجلس الوطني وكذلك مجلس الولايات الذي يمثل الغرفة الثانية من البرلمان، طبقا لنيفاشا.
قد يوحى ذلك بعدم أهمية نتائج هذه الانتخابات، غير أن ذلك غير صحيح، حيث كان من المفترض طبقا لاتفاقية السلام الشامل أن ترعى هذه الحكومة عملية تطبيق الاتفاقية، وأن تقوم بتحسين أو خلق الظروف التي تجعل الوحدة بديلا جاذبا، وأن تمثل أيضا الخطوة الأساسية في مسار التحول الديمقراطي في السودان. فإذا كانت الانتخابات، بحكم تأخرها عن موعدها المحدد، قد حادت عن الهدف الأول، أو لن تتمكن من الإسهام بقدر وافر في تحقيقه، فإنه كان من المنتظر أن تبقى لها أهميتها الخاصة والمركزية في إحداث نقلة في مسار التفاعلات السياسية في السودان عبر تكريس التحول من الاحتكام للسلاح لحسم الخلافات أو المنازعات السياسية، إلى الاحتكام للأداة السلمية من خلال العودة إلى صاحب الحق الأصيل، وهو المواطن، عبر الانتخابات التي تنظمها مجموعة من القواعد والضوابط المحددة والمتفق عليها سلفا.
الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بهذا المعنى، ليست سوى تتويجا للمشروع السياسي الذي أفرزته اتفاقية نيفاشا والذي يمثل أهمية خاصة بالنسبة للحياة السياسية السودانية. وهو قيام السودان على أساس مشروع  تعاقدي، وعلى التراضي والقبول بالخيارات الشعبية، لاسيما أن الاتفاقية نفسها تقول بوجوب أن تتم هذه الانتخابات في ظل وجود رقابة دولية، ومن ثم فقد كان من المفترض أن تفرز هذه الانتخابات حراكا واسعا يهز كل مكونات الحياة السياسية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن ما زاد من أهمية هذه الانتخابات وجود اتفاق عام على أن ما سيتمخض عنها من نتائج سيلعب دورا رئيسيا في القضايا والتفاعلات المفضية إلى الاستفتاء على حق تقرير المصير لجنوب السودان، وتلك التي قد تنتج عن اختيار الجنوبيين للانفصال، مثل قضايا الحدود، والنفط، والمياه، والديون، والأصول المشتركة، وأوضاع الجنوبيين في الشمال والشماليين في الجنوب.. الخ، وغير ذلك العديد من القضايا والتحديات التي سوف تحدد طريقة التعامل معها نمط العلاقة بين الدولتين الشمالية والجنوبية، وهل ستأخذ هذه العلاقات نمطا تعاونيا أم صراعيا، وهل سينتج عن الانفصال سلام واستقرار أم أنه سيكون بداية لمرحلة جديدة من الحروب المباشرة أو غير المباشرة.
في هذا السياق، من المهم أن نبدأ بتحديد الملامح العامة للإطار الدستوري والقانوني الذي أجريت في ظله هذه الانتخابات، لنناقش بعدها هذه الانتخابات بالتفصيل وتداعياتها المحتملة بالنسبة لمستقبل النظام السياسي السوداني.
 
أولا: الإطارين القانوني والإجرائي للانتخابات الرئاسية 2010
استندت العملية الانتخابية من الناحيتين الدستورية والقانونية( ) على مجموعة من المرجعيات الأساسية، تمثلت في دستور السودان الانتقالي لسنة 2005، واتفاقية السلام الشامل الموقعة بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان بنيروبي في يناير 2005، وقانون الانتخابات لسنة 2008. وبعد الكثير من المناقشات والحوارات بين القوى السياسية المختلفة تم التوافق على النظام الذي سوف تجرى على أساسه هذه الانتخابات، على أساس صيغة تجمع بين التمثيل الجغرافي والتمثيل النسبي.
1- النظام الانتخابي
اتسم النظام الانتخابي السوداني بدرجة ملحوظة من التعقيد والتركيب، فقد أخذ القانون بقاعدتي الأغلبية، حيث يفوز المرشح أو الحزب الذي يحصل على أغلب الأصوات بالمقاعد المطروحة للتنافس، والتمثيل النسبي في الوقت ذاته، حيث تفوز الأحزاب السياسية بعدد من المقاعد يتناسب مع عدد الأصوات التي حصلت عليها.
وحتى فيما يتعلق بقاعدة الانتخاب بالأغلبية، فقد جمع النظام الانتخابي بين قاعدتي الأغلبية المطلقة والبسيطة، حيث تم الأخذ بقاعدة الأغلبية المطلقة في انتخابات رئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب. ووفقا لهذه القاعدة يصبح المرشح فائزا في حالة حصوله على أكثر من نصف عدد الأصوات الصحيحة. أما في حالة عدم حصول أي من المتنافسين على أكثر من نصف الأصوات، تقوم مفوضية الانتخابات بإجراء "جولة ثانية" من التصويت بين المرشحين الاثنين الحاصلين على أكبر عدد من الأصوات الصحيحة، حيث يفوز المرشح الذي يحصل على أغلبية الأصوات. كما تم الأخذ بقاعدة "الأغلبية البسيطة" في انتخابات ولاة الولايات، والمقاعد الجغرافية في المجالس التشريعية (60%). ووفقا لتلك القاعدة يصبح المرشح فائزا في حالة حصوله على أعلى الأصوات بغض النظر عن حصوله على أكثر من نصف الأصوات من عدمه. وهكذا، فإن الانتخاب وفقا لتلك القاعدة لا يحتاج لجولة ثانية من التصويت.
أما قاعدة التمثيل النسبي فقد صممت أساساً لاختيار المجالس التشريعية بهدف تمثيل كل الآراء السياسية في المجتمع، لا رأي الأغلبية فقط، كل وفق وزنه وثقله السياسي. وقد إشتمل قانون تنظيم العملية الانتخابية على تحديد  تحديد دوائر للمرأة وللأحزاب على أساس التمثيل النسبي لأول مرة في تاريخ السودان، وذلك في انتخابات المجالس التشريعية (المجلس الوطني، مجلس تشريعي جنوب السودان، المجالس التشريعية للولايات). وتجرى الانتخابات وفق تلك القاعدة في الدوائر التي تتنافس فيها القوائم الحزبية، حيث يشارك كل حزب بقائمة من المرشحين بحد أقصى يساوي عدد المقاعد المطروحة للتنافس. ويصوت الناخبون هنا للقائمة، وتقسم المقاعد على الأحزاب التي تحصل على أصوات أكثر من الحد الأدنى الانتخابي بما يتناسب مع مجاميع أصواتها. ويتم توزيع عدد المقاعد التي يحصل عليها الحزب وفقا لتسلسل المرشحين داخل القائمة.
وهكذا، جمعت الانتخابات السودانية بين صيغتي الأغلبية والتمثيل النسبي في نفس العملية الانتخابية. وقد تم تطوير هذه الصيغة المركبة على خلفية الواقع السوداني، من حيث المساحة الشاسعة، واختلاف مستويات الوعي والتعليم. فإذا نظرنا إلى انتخابات المجلس التشريعي الوطني، على سبيل المثال، نجد أن 60% من المقاعد مخصصة لما يعرف بالدوائر الجغرافية ويتم فيها الانتخاب بالنظام الفردي، بينما تتم الانتخابات في المقاعد المتبقية (40%) وفقا لنظام التمثيل النسبي، حيث تُخصص 15% منها للأحزاب المسجلة قانونا، و25% للمرأة.
والهدف من التمثيل النسبي هو تقوية الأحزاب السياسية، حيث يتم التصويت للقوائم على أساس البرنامج الانتخابي أو الولاء الحزبي، ويشترط لتمثيل الحزب في الهيئة التشريعية أن يحصل على 4% من الأصوات الصحيحة. أما الهدف من تخصيص مقاعد للمرأة فيتمثل في توفير فرص أفضل لها للفوز بنسبة ربع المقاعد كحد أدنى، مع ملاحظة أن هذه النسبة قد تزيد لأنه ليس هناك ما يمنع من ترشح المرأة في المقاعد المخصصة للدوائر الجغرافية أو على قوائم الأحزاب .

شمولية الانتخابات
على صعيد آخر، يمكن القول أن هذه الانتخابات كانت هي الأولى من نوعها في تاريخ السودان منذ استقلاله من حيث الشمول و الحجم، حيث تأتي  في ستة مستويات:
- ثلاث مستويات تنفيذية: رئيس الجمهورية، رئيس حكومة الجنوب، والي الولاية (يتكون السودان من 25 ولاية). في هذا المستوى ينتخب شخص واحد ذا صلاحيات تنفيذية في كل موقع من هذه المواقع. ولذلك تسمى تنفيذية، وتتم طبقا للدائرة الانتخابية للمنصب. حيث تكون الدائرة هي السودان كله بالنسبة للرئيس. وبالنسبة لرئيس حكومة الجنوب تكون الدائرة الانتخابية هي إقليم جنوب السودان، أما الوالي فدائرته الانتخابية هى الولاية.
- ثلاثة مستويات تشريعية: المجلس الوطني (البرلمان)، ومجلس الجنوب التشريعي، ومجلس الولاية التشريعي.
وقد جرت الانتخابات على موقعي رئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب، كما شملت  المنافسة على (450 مقعداً) للمجلس الوطني، وولاة الولايات الخمسة والعشرين (خمس عشرة ولاية في الشمال وعشرا في الجنوب) والمجلس الإقليمي التشريعي في الجنوب (170 مقعداً) والمجالس التشريعية في كل الولايات (48 مقعداً عدا ولايتي الخرطوم وجنوب كردفان).
هذه الانتخابات المركبة أدت إلى وجود عدد كبير من الصناديق التي يتوجب على الناخب التعامل معها، ففي شمال السودان كان على الناخب التعامل مع ثمانية صناديق انتخابية، هي: صندوق انتخاب رئيس الجمهورية، ثم صندوق انتخاب الوالي، وثلاثة صناديق لانتخابات المجلس الوطني (البرلمان) أحدهم للدوائر الجغرافية، والثاني لمقاعد القوائم الحزبية، والثالث لمقاعد المرأة. هذا بالإضافة إلى ثلاثة صناديق مماثلة للمجلس التشريعي للولاية.
أما الناخب الجنوبي فقد كان عليه التعامل مع اثني عشر صندوقاً، فبالإضافة إلى الصناديق الثمانية السابقة، كان عليه التعامل مع أربعة صناديق أخرى، الأول لانتخاب رئيس حكومة إقليم جنوب السودان، والثلاثة الآخرين لانتخاب أعضاء المجلس التشريعي لإقليم الجنوب (صندوق لمقاعد الدوائر الجغرافية، وآخر لمقاعد القوائم الحزبية، والأخير لمقاعد المرأة).

المفوضية القومية للانتخابات
من الناحية الإجرائية أشرفت على إدارة الانتخابات بصورة كاملة مفوضية مستقلة تضم شخصيات وطنية معروفة بعدم انتمائها الحزبي واستقلاليتها الفكرية. ورأس المفوضية السياسي الجنوبي والقاضي السابق "أبيل ألير"، الذي عمل رئيسا سابقا للإقليم الجنوبي في ظل اتفاقية أديس أبابا الموقعة في عام 1972، ونائبا لرئيس الجمهورية في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميرى.
وقد بلغ عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت في هذه الانتخابات أكثر من 16.5 مليون ناخب، وشارك في الانتخابات أكثر من 14 ألف مرشح (حزبي ومستقل)، من بينهم 10 مرشحين على مقعد رئيس الجمهورية، مثلوا 73 حزبا سياسيا من إجمالي 83 حزبا، تنافسوا على نحو ألفى منصب تنفيذي وتشريعي. وقد هذا الكم الكبير من المرشحين، والأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات، والمواقع المتنافس عليها، إلى ارتباط هذه الانتخابات بأكبر حملات انتخابيات من نوعها في تاريخ التطور السياسي في السودان، وهو أضاف أعباء على مفوضية الانتخابات التي أعلنت عن إنشاء 21 ألف مركز اقتراع (14 ألف في الشمال، 7 آلاف في الجنوب)، و139 ألف صندوق اقتراع، وطباعة 208 مليون بطاقة اقتراع( ).
وبالنظر إلى المساحة الشاسعة والحدود المفتوحة للسودان وعدم توافر بطاقات تحقيق شخصية لكثير من المواطنين، فقد حَدّدت المفوضية القومية للانتخابات، إجراءات التحقق من شخصية الناخب في الانتخابات استنادا على المادة (22 ب) من قانون الانتخابات، والمادة (44) من القواعد العامة للانتخابات من خلال إسناد مهمة التعرف على الناخب إلى القيادت الشعبية والاهلية المحدد تواجدها داخل اللجنة الانتخابية  ومن جانبها، أعلنت وزارة الداخلية عن نشر أكثر من 100 ألف جندي لتأمين مراكز الاقتراع، وتشكيل غرفة مركزية للشرطة بالتنسيق مع المفوضية القومية للانتخابات والولايات لتوفير أية معلومات حول سير العملية الانتخابية.
كما بلغت التكلفة الأولية المقدرة لهذه الانتخابات حوالي 312 مليون دولار، ساهمت العديد من الهيئات والدول المانحة بتوفير 43% منها (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوربي، المعونة الأمريكية وبعض الدول الأخرى)، الأمر الذي عكس حجم التأييد الدولي الواسع لإجراء هذه الانتخابات في الموعد المعلن عنه، وحرص الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص التي أولت اهتماما ملحوظا بتطبيق اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) إلى نهاياتها، طبقا لتصريحات المبعوث الرئاسي الأمريكي "سكوت جريشن" الذي أكد أكثر من مره أن حكومته تقف مع إجراء كل من الانتخابات العامة في السودان في موعدها المحدد انتهاء بالاستفتاء على حق تقرير المصير في الجنوب.

الرقابة على الانتخابات
نصت اتفاقية السلام الشامل على أن تُجرى الانتخابات تحت مراقبة دولية، وقد وضعت مفوضية الانتخابات بالفعل مجموعة من القواعد التي تحكم تنظيم عملية المشاركة في هذه المراقبة عبر توقيع اتفاقية بين المفوضية وكل جهة راغبة في متابعة ومراقبة الانتخابات. وقد أعلنت الكثير من الجهات والمؤسسات رغبتها في مراقبة الانتخابات، وتم بالفعل توقيع العديد من الاتفاقيات مع المفوضية (75 مراقبا)، كان أبرز هذه الجهات الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، بالإضافة إلى العديد من المنظمات والمؤسسات المستقلة، ومن بينها مركز الرئيس الأمريكي الأسبق جيمى كارتر، الذي ذهب إلى السودان واستقبل بحفاوة في الشمال والجنوب، وبعثة الاتحاد أوروبي لمراقبة الانتخابات. وهذه الأخيرة تعد الأكثر أهمية لما يتوافر لديها من إمكانيات وخبرات واسعة في هذا المجال، فضلا عن استقلاليتها عن مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء.

ثانيا: مواقف القوى السياسية المعارضة
استحوذت قضية استعادة الديمقراطية على الاهتمام الأكبر من جانب القوى السياسية المعارضة لنظام الإنقاذ، باعتباره نظاما انقلابيا (وصل نظام البشير إلى السلطة عبر انقلاب عسكري في 30 يونيو 1989)، ومن ثم فهو نظام غير شرعي من الأساس، فضلا عن سياساته الداخلية القمعية، وسياساته تجاه دارفور والجنوب التي تعرض البلاد لخطر الانقسام، والتي أدت في النهاية إلى تدهور علاقات السودان مع المجتمع الدولي. وقد تأسس خطاب المعارضة على أن استعادة الديمقراطية وإقامة انتخابات ديمقراطية نزيهة سوف تؤدي حتما إلى إزاحة نظام البشير، أو أن هذا ما ينبغي أن يكون. غير أن المعارضة أغفلت، في ظل تركيزها على مسألة استعادة الديمقراطية، أن الواقع الاجتماعي والاقتصادي في السودان قد شهدت تغيرات جوهرية خلال العقدين الماضيين، مما انعكس بدوره على الواقع السياسي وعلاقات وتوازنات القوى، واتجاهات الولاءات والتحالفات، حيث فقدت بعض القوى التقليدية الكثير من نفوذها من مناطق نفوذها التقليدي، وتغيرت الأوضاع في الجنوب وفى دارفور، وبرزت متغيرات جديدة. أضف إلى ذلك أن أكثر من نصف الناخبين المسجلين في هذه الانتخابات من الشباب الذين يصوتون لأول مرة، ولم يعاصروا فترة الديمقراطية الثالثة التي تتشبث بها أحزاب المعارضة، وتتخذ منها معيارا أساسيا.
في المقابل، يتبنى حزب المؤتمر الوطني الحاكم خطابا آخر ركز فيه على ما وصفه بانجازاته غير المسبوقة في مجال التنمية، مدللا على ذلك باستخراج البترول وتدفقه إلى موانئ التصدير، بعد أن ظل رهنا للامتياز الأمريكي بعد رحيل شركة شيفرون الأمريكية من السودان في سنة 1983، وإنشاء العديد من السدود (خاصة سد "مروى" الذي يطلق عليه في السودان "مشروع القرن")، والجسور و"الكباري"، وشق الطرق، وإدخال السودان عصر التصنيع...الخ. وفي المجال السياسي يركز هذا الخطاب على ما وصفه بتحقيق السلام الداخلي عبر توقيع اتفاقية السلام الشامل مع الحركة الشعبية. وقلل خطاب المؤتمر من أهمية مشكلة دارفور حيث اعتبرها نوعا من الاستهداف الخارجي للسودان وثرواته.  
في هذا السياق، من المفترض أن تكون هذه الانتخابات بمثابة الفرصة التي انتظرتها القوى السياسية المعارضة، الأمر الذي كان يقتضى الاستعداد المبكر لها، لاسيما أن موعدها (في منتصف الفترة الانتقالية) كان قد تحدد منذ يناير 2005 مع توقيع اتفاقية نيفاشا. فضلا عن تأجيلها أكثر من مرة، حيث كان من المفترض إجراؤها في سبتمبر 2009، ولكنها تأجلت إلى فبراير 2010، ثم إلى أبريل 2010 بسبب عدم اكتمال المراحل الإجرائية والتجهيزات اللوجستيه. ومع ذلك، فقد ساد المشهد السياسي السوداني قدرا كبيرا من الارتباك قبيل الانتخابات، فضلا عن حالة الضبابية التي غمرت مواقف القوى السياسية إزاء العملية الانتخابية، ولم تحسم المعارضة أسئلة أولية ورئيسية من قبيل: هل تشارك في هذه الانتخابات، أم تقاطعها، أم تشارك فيها جزئيا؟ ثم جاءت المحاولات الفاشلة لاتخاذ موقف موحد يجمع قوى "تحالف جوبا" المعارض، حيث تم الإعلان عن مواقف محددة، سرعان ما تم العودة عنها قبل أن يجف الحبر الذي كُتبت به. كل ذلك أوحى بأن أحزاب المعارضة لم تكن مستعدة أو مهيأة بالقدر الكافي لخوض هذه الانتخابات، فضلا عن غياب الحد الأدنى من الثقة اللازمة لنجاح أي تنسيق بين هذه الأحزاب، فباستثناء اجتماعها على معارضة حزب المؤتمر الحاكم والسعي إلى إسقاط نظام البشير، لم تستطع هذه الأحزاب الوصول إلى توافق بشأن إستراتيجية العمل السياسي.

تحالف المعارضة: تباينات حالت دون تطبيق إستراتيجية موحدة حيال الانتخابات
كانت أحزاب المعارضة الرئيسية، ممثلة في حزب الأمة القومي، والأمة، والإصلاح والتجديد، والحزب الشيوعي، وحزب المؤتمر الشعبي بقيادة الترابي، بالإضافة إلى بعض أحزاب الجنوب، قد اجتمعت بدعوة من الحركة الشعبية لتحرير السودان في مدينه جوبا عاصمة الإقليم الجنوبي، في الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر 2009، وأصدرت إعلانا سياسيا طالبت فيه حزب المؤتمر الوطني بضرورة الاستجابة لمجموعة من المطالب السياسية تعلقت بقضية الحريات، وأزمة دارفور، واستعادة الديمقراطية، وحددت لذلك سقفا زمنيا ينتهي بنهاية ديسمبر 2009، وأنه في حالة عدم الاستجابة لهذه المطالب فإنها ستضطر للنزول إلى الشارع والدعوة إلى العصيان المدني.
وقد نشأ عن مؤتمر جوبا ما عرف باسم "تحالف الإجماع الوطني" أو "أحزاب إعلان جوبا"، وسعت هذه الأحزاب إلى التنسيق فيما بينها لتطبيق إستراتيجية انتخابية واحدة تحول دون فوز عمر البشير، مرشح حزب المؤتمر الوطني، وذلك باعتبار أن موقع رئيس الجمهورية هو الموقع الأهم في هذه الانتخابات، وأنه الأكثر تأثيرا في مجمل العملية السياسية. وكان من المستهدف إعلان مرشح واحد تتكاتف حوله قوى تحالف الإجماع الوطني، ولكن هذه القوى، وبعد عدة اجتماعات، فشلت في الاتفاق على مرشح واحد، بسبب التباين الواضح بين مكونات هذا التحالف، لذا تم العدول عن هذا الهدف، إلى إستراتيجية أخرى بديلة طرحها الدكتور حسن الترابي، تقضى بأن يتقدم كل حزب معارض بمرشحة الخاص، وأن يتم خوض معركة الانتخابات الرئاسية بهدف تشتيت الأصوات في الجولة الأولى بما يحول دون فوز البشير، خاصة أن الفوز في الجولة الأولى يتطلب حصول المرشح على خمسين في المائة من الأصوات الصحيحة + صوت واحد على الأقل، على أن تتكتل كل قوى التحالف، بجانب الأصوات الاحتجاجية التي لا ترغب في استمرار حكم البشير، خلف مرشح المعارضة في جولة الإعادة، وبذلك تصبح هناك فرصة معقولة لإسقاط البشير.
على هذا الأساس، انخرطت قوى تحالف جوبا في العملية الانتخابية بمرشحيها الرئاسيين، وكذلك على المستويات الأخرى البرلمانية والتنفيذية، وإن كان التركيز الإعلامي الأكبر قد بقى منصبا على المرشحين الرئاسيين، دون أن ينفي كل ذلك استمرار هذه القوى في المطالبة بإجراء تعديلات واسعة على الأطر المنظمة لإجراء هذه الانتخابات.
والملاحظة الأساسية هنا أن العدد الأكبر من القوى السياسية التي أشرنا إليها، بما في ذلك الحركة الشعبية، قد طرحت مرشحين ينتمون إلى قيادات الصف الثاني، فيما عدا حزبي الأمة القومي والشيوعي، الأمر الذي يشير إلى عدم وجود اهتمام كبير بالتنافس على موقع الرئاسة بسبب انصراف هذه الأحزاب إلى أهداف أخرى أكثر أهمية بالنسبة لها من قضية الانتخابات.
على سبيل المثال، فقد ظل الاستفتاء على حق تقرير المصير هو القضية المركزية بالنسبة للحركة الشعبية، ورغم إعلانها عن نيتها، إبان مؤتمر جوبا، إقامة تحالف عريض لمواجهة حزب المؤتمر الوطني، إلا أن هذا التحالف سرعان ما فقد أهميته بالنسبة لها بعد أن حصلت على مطالبها الأساسية فيما يتعلق بالقانون المنظم للاستفتاء على حق تقرير المصير، والذي تم تمريره في البرلمان في نهاية ديسمبر 2009 بعد شد وجذب ومناورات عدة بين الطرفين. فقد تبع صدور هذا القانون أن عدلت الحركة من مواقفها السياسية، فلم تعد تهتم كثيرا بمجريات العملية الانتخابية وإن ظلت تدعم مرشحها للرئاسة. وقد كان واضحا للمراقبين أن هذه الانتخابات لا تعنى الحركة الشعبية إلا من زاوية واحدة باعتبارها خطوة أساسية لابد منها قبل تطبيق حق تقرير المصير، ولتفريغ أي حجة قانونية لحزب المؤتمر، أو لأي جهة أخرى تريد تعطيل الاستفتاء، ولذلك لم ترشح الحركة زعيمها سلفا كير الذي ترشح لشغل منصب رئيس حكومة إقليم الجنوب، تمهيدا ليصبح أول رئيس للدولة الجديدة إذا ما اختار الجنوبيون الانفصال في الاستفتاء. كما يمكن ملاحظة أن كل من رياك مشار، نائب رئيس الحركة، وباقان اموم، أمينها العام، لم يتقدما للترشيح أيضا للسبب نفسه، الأمر الذي يشير إلى وجود استعداد ونية فعلية للتوجه نحو الانفصال.
وفي هذا السياق، فسر كثيرون ترشيح الحركة لياسر عرمان على أنه دليل جديد على توجهها غير المعلن نحو الانفصال، حيث تعرف الحركة جيدا أنه لن يفوز في هذه الانتخابات، وبالتالي فإن خسارته لا تعنيها كثيرا. كما أنها من خلال ترشيحه- وبالتالي الخروج من معركة الرئاسة- تستطيع أن تفرض ضغوطا إضافية على حزب المؤتمر بطريقة تمكنها من المساومة للحصول على مكاسب وتنازلات مستقبلية. ومصدر الضغط في ترشيح ياسر عرمان هو أنها سوف تضعف فرص فوز الرئيس البشير من الجولة الأولى، الأمر الذي كان يراهن عليه حزب المؤتمر كثيرا. وفي المقابل، لم يطرح حزب المؤتمر مرشحا منافسا لسلفاكير على موقع رئيس حكومة الجنوب، وكان يأمل أن تعامله الحركة الشعبية بالمثل، إلا أنه فوجئ بترشيحها لياسر عرمان. وقد أشارت بعض التقارير إلى عدة محاولات ومساع قام بها حزب المؤتمر لدى الحركة الشعبية لإقناعها بسحب مرشحها، إلا أنها امتنعت عن ذلك إلى أن قامت بسحبة في نهاية مارس 2010، أي قبل بدء عملية الاقتراع بأيام قليلة بعد أن كانت حملته الانتخابية الضخمة قد قطعت شوطا طويلا، وبعد أن كان عرمان قد قدم نفسه فيها باعتباره مرشح "السودان الجديد"، وأنه الأمل الأخير للحفاظ على الوحدة.
أما قيادات الأحزاب الأخرى، مثل الاتحادي، وحزب المؤتمر الشعبي، فقد كانت تدرك سلفا أن حظوظها في الفوز برئاسة الجمهورية قليلة ولا تريد أن تفقد هيبتها، كما هو الحال بالنسبة للدكتور حسن الترابي مرشح حزب الأمة القومي، أو أنها تريد أن تتخذ موقفا وسطا كما هو الحال بالنسبة للحزب الاتحادي الديمقراطي/ الأصل ومرشحه السيد محمد عثمان الميرغنى، والذي لا يريد أن يؤيد عمر البشير بشكل سافر، ولا يريد أيضا أن يعارضه بقوة، في انتظار نتائج المفاوضات أو التفاهمات التي كان يجريها مع قادة حزب المؤتمر للوصول إلى صفقات أو تفاهمات محددة. وقد انسحب هذا المسلك على موقف الحزب الاتحادي بشكل عام، والذي التحق بتحالف جوبا في وقت متأخر، ولم يكن من القوى التي أسست هذا التحالف في سبتمبر 2009. ورغم مشاركة الحزب في قرار المقاطعة الشاملة للانتخابات في مطلع أبريل 2010، إلا أنه تراجع عن هذه المقاطعة في اليوم التالي مباشرة وأعاد مرشحة الرئاسي إلى المنافسة، كما خاض الانتخابات في كل مستوياتها. وقد استمر الجدل والتضارب في تصريحات قادة الحزب حول بديلي المقاطعة أو المشاركة حتى بعد بدء عملية الاقتراع، إلى أن حسم السيد محمد عثمان الموقف بقولة "إن موقف الحزب سوف يتحدد بعد انتهاء عملية الانتخابات"!!.
وهكذا، فإن "تحالف أحزاب جوبا" لم يكن متجانسا، سواء من حيث طبيعة القوى المنضوية فيه، أو من حيث الحسابات السياسية الخاصة لكل طرف، أو من حيث أو طريقة عملها أو خطابها السياسي؛ فلم يكن يجمع بين أعضاء هذا التحالف سوى خصومتهم المشتركة لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، والسعي لإزاحته من السلطة. ولم يضمن هذا التوافق وصول أطراف التحالف إلى إستراتيجية محددة للتعامل مع هذه الانتخابات، واكتفت بإستراتيجية بديلة، اقترحها الترابي، تقوم على تشتيت الأصوات، على نحو ما أشير إليه سابقا.
وبعد بدء العملية الانتخابية فعلا من يناير 2010، وحتى تقديم المرشحين لأوراقهم وبدء الحملات الانتخابية في كل أنحاء البلاد، لم تكن قوى تحالف جوبا قد استقرت على موقفها النهائي من الانتخابات، إذ ظلت تطالب بمجموعة من الإصلاحات تتعلق بضبط السجلات الانتخابية، ووضع أسقف للإنفاق المالي، وإتاحة حصص عادلة في الإعلام. كما وجهت انتقادات حادة لمواقف وقرارات المفوضية المستقلة للانتخابات، بعد أن اعتبرتها موالية أو متواطئة مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم. واعتبرت هذه الأحزاب أن التزوير واقع لا محالة بسبب عدم صحة التعداد السكاني، والتدخل في ترسيم الدوائر لصالح الإستراتيجية الانتخابية لحزب المؤتمر، كما ركزت بشدة على المطلب الخاص بتأجيل الانتخابات إلى نوفمبر 2010 حتى يمكن تفادى هذه الأخطاء وغيرها. وبشكل عام، علًقت المعارضة مشاركتها على الاستجابة لهذه المطالب، وراهنت على تعظيم قدرتها على الضغط عبر تلويحها بمقاطعة الانتخابات من خلال موقف مشترك.
معادلة المعارضة كانت تقوم على إدراكها لسعى حزب المؤتمر الوطني إلى تمديد بقائه في الحكم لفترة أخرى، ولكن عبر شرعية ديمقراطية يعترف بها المجتمع الدولي، على نحو قد يقوى موقف النظام في المحافل الإقليمية والدولية، كما قد يضعف إلى حد كبير موقف المحكمة الجنائية الدولية من الرئيس البشير، على الأقل من الناحية السياسية؛ إذ لا يستقيم اتهام شخص بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد شعبه، في حين أن هذا الشعب هو الذي يعيده إلى السلطة عبر انتخابات مراقبة دوليا.

ثالثا: تحفظات المعارضة على العملية الانتخابية
بالرغم من المشاركة النشطة لقوى تحالف جوبا في المراحل المختلفة للعملية الانتخابية وقطعها لأشواط مهمة في هذا الاتجاه، بدءا من التغاضي عن مطالبها الخاصة بإصلاح الأطر المنظمة للانتخابات، ثم طرح مرشحيها في هذه الانتخابات بمستوياتها المختلفة، وبدء الحملات الانتخابية، فإنه يمكن ملاحظة استمرار حالة من الارتباك في مواقف القوى السياسية المعارضة، التي ظل بعضها يلمح طوال الوقت إلى إمكانية الانسحاب أو المقاطعة، كما ظل بعضها الآخر يطالب بتأجيل العملية الانتخابية برمتها إلى موعد آخر، وطالب البعض الآخر بتشكيل حكومة انتقالية ذات طابع قومي تشرف على الانتخابات.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن أهم تحفظات المعارضة تمثلت في ملاحظاتها على عملية تسجيل الناخبين، وغيرها من الخطوات الإجرائية الأخرى، حيث أبدت اعتراضها على تشكيل اللجان العليا للانتخابات على مستوى الولايات، بسبب انتماء معظم عناصرها لحزب المؤتمر الوطني، وقيام بعض أنصار الحزب بأخذ " إشعارات التسجيل"  من بعض المواطنين البسطاء، الأمر الذي يعنى إمكانية استخدامها بطريقة ما في مرحلة الاقتراع. كما لم تبد لجان الانتخابات بالولايات أي اعتراض على مرشحي المؤتمر الوطني الذي بدأوا حملاتهم الانتخابية قبل موعدها الرسمي.  
غير أن الاعتراضات الأهم تمثلت في تلك التي تعلقت بسماح مفوضية الانتخابات للقوات المسلحة بالتسجيل في أماكن العمل، أو في أماكن خاصة تم حشدهم للتسجيل بها، الأمر الذي كان يعني من وجهة نظر المعارضة إمكانية تسجيل هؤلاء في أكثر من دائرة انتخابية، الأمر الذي يعني بدوره إمكانية تكرار عملية التصويت ذاتها. يضاف إلى ذلك التحفظ على تشكيل لجان الانتخابات بدول المهجر، والتي تشكلت من الممثلين الدبلوماسيين (القناصل)، وموظفي سفارات السودان بتلك الدول؛ حيث تخوفت المعارضة هنا من إمكانية انحياز هؤلاء الموظفين للحزب الحاكم. أضف إلى ذلك، اعتراضها على طبع بعض بطاقات التصويت داخل مطبعة العملة بالسودان، وطريقة توزيع الحصص في وسائل الإعلام، حيث قدرت المعارضة أن الدعاية للرئيس البشير تحتل تقريبا ثلاثة أرباع وقت البث الإعلامي، والخلط المتعمد بين أنشطة رئيس الجمهورية باعتباره رئيسا للبلاد وبين حملته الدعائية كمرشح رئاسي.
كما شددت المعارضة على وجود نوع من عدم الدقة في عملية تسجيل الناخبين التي زادت في مجملها حسب الأرقام المعلنة عن 80% من إجمالي من لهم حق التصويت طبقا للإحصاء السكاني الأخير، فقد زادت أعداد المسجلين في كشوف الانتخابات في بعض الولايات عن الأعداد الكلية لمن يحق لهم التصويت في هذه الولايات، حيث زادت في ست ولايات جنوبية بأكثر من 100% مقارنة بنتيجة التعداد (أقلها غرب الاستوائية 104%، وأعلاها ولاية الوحدة التي بلغت 178%)( ).
تحدثت المعارضة أيضا عن بعض الصعوبات الأمنية التي أعاقت التسجيل في عشرة دوائر جغرافية في ولايتي جنوب وغرب دارفور، الأمر الذي اتخذه البعض مبررا للمطالبة بتأجيل الانتخابات إلى حين توقيع اتفاق سلام دارفور بحيث يكون مشمولا بالكامل في العملية الانتخابية، بالإضافة إلى المطالبة بتغيير قانون الأمن الوطني، مع ملاحظة أن مواقف المعارضة اتسمت حيال مسألة التأجيل بالتردد والتباين، ففي الوقت الذي رفض فيه حزب المؤتمر تأجيل الانتخابات بشكل كامل لحين توقيع اتفاق سلام دارفور، بالإضافة إلى رفض مفوضية الانتخابات، فقد اتخذت الحركة الشعبية لتحرير السودان - الشريك الآخر في حكومة الوحدة الوطنية - موقفا مغايرا، فالحركة الشعبية لم تكن متحمسة لمطلب تأجيل الانتخابات لخشيتها من تأثير ذلك على الموعد المحدد للاستفتاء على حق تقرير المصير، ولكن الحركة عادت لتعدل موقفها بعد ذلك، ففي تصريحات وردت على لسان الفريق سلفا كير أعلنت الحركة أنها لا تمانع من التأجيل بشرط ألا يؤدى إلى تأخير موعد الاستفتاء، الذي وصفه سلفا كير بأنه موعد مقدس لا يجب تأجيله أو إعادة النظر فيه.

التردد والارتباك في المواقف
وقد عكس تردد أحزاب المعارضة، وافتقاد تحالفها لأهميته من الناحية العملية، عدم جاهزية هذه الأحزاب للتعامل مع الواقع السياسي الراهن. ويجد هذا التردد والاضطراب تفسيره - بالإضافة إلى عوامل أخرى- في وجود قناعة لدى هذه الأحزاب بأن حزب المؤتمر الوطني الحاكم سوف يفوز بهذه الانتخابات- بمختلف مستوياتها- بنسب مرتفعة، ومن ثم فإن مشاركتها قد تمنح حزب المؤتمر الشرعية التي يبتغيها من ناحية، وتعرض الصورة التاريخية لهذه الأحزاب لضربة قوية من ناحية أخرى. فحزب الأمة- على سبيل المثال - وهو الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد في انتخابات سنة 1986 (101 مقعد) ظل يطرح نفسه منذ انقلاب الإنقاذ وحتى الآن على أنه الحزب الأكبر وصاحب الحق الشرعي في الحكم، ولاشك أن تراجع نصيبه في هذه الانتخابات كان من شأنه أن يعرض صورته التاريخية لهزة كبيرة، وهي مسألة كانت متوقعة بالفعل خاصة في ضوء تراجع نفوذه التقليدي في دارفور، وتوالي الانشقاقات داخل الحزب خلال العقدين الماضيين، فضلا عن قلة التمويل وضعف التنظيم. ومن ثم، كان من الصعب أن يغامر الحزب بالتضحية بهذه الصورة التاريخية- بصرف النظر عن عوامل الضعف التي لحقت بها بالفعل- من خلال المشاركة في انتخابات غير مضمونة النتائج. كما كان من الصعب أيضا أن يقبل بفكرة المقاطعة ويظل على هامش الحياة السياسية لفترة حساسة بالنسبة للتطور السياسي في السودان. ومما زاد من تردد حزب الأمة المواقف المنفردة التي اتخذتها الحركة الشعبية بسحب مرشحها الرئاسي ومقاطعة الانتخابات في إقليم دارفور دون تنسيق مع الأحزاب "المتحالفة" معها.   
ظلت أحزاب "إعلان جوبا" على ترددها وعدم حسمها إلى نهاية مارس 2010، أي قبل موعد الاقتراع بنحو عشرة أيام. وقد برزت في ذلك التوقيت ثلاثة سيناريوهات حول عملية الانتخابات برمتها، أولها أن يتم إجراء الانتخابات في موعدها المقرر في 11 أبريل، وهو الموقف الذي ظل يتمسك به حزب المؤتمر الوطني، وثانيها تأجيلها إلى نوفمبر2010، وهو الموقف الذي دعت إليه أحزاب المعارضة، بحجة الانتظار لحين تنفيذ الحكومة لمطالب المعارضة حول الأطر المنظمة للانتخابات، والتي رفعتها إلى هيئة الرئاسة السودانية. وثالثها، الانسحاب من الانتخابات، وهو الموقف الذي كان يبدو غالبا داخل أحزاب التحالف، خاصة في حالة عدم الاستجابة لمطالبها السابقة.  
غير أن المسألة لم تكن بالوضوح السابق لدى المعارضة، وعلى سبيل المثال، فقد أعلن الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة، أن تأجيل الانتخابات فيه مصلحة للسودان، أما إذا رفضت هيئة الرئاسة مطالب المعارضة، فإن أنصاره يطالبون بخيار ثالث وهو خوض الانتخابات لتوثيق وتسجيل كل المخالفات والأساليب الفاسدة ومن ثم رفض نتائجها؛ بما يعني أن الحزب لم يربط بين سيناريو المقاطعة وعدم تنفيذ الحكومة لمطالب المعارضة. وعبر عن الموقف النهائي للحزب ما قاله المهدي: "نحن نرى أن حزبنا الآن خاض الانتخابات... وقطع شوطا كبيرا فيها يصعب معه الانسحاب منها.. وقمنا بتعبئة لا بأس بها.. لذلك فإن توجهنا أكبر نحو خوض الانتخابات.. وأنا أعتقد أن 50% نزاهة تكفينا لتحقيق نتائج باهرة.. ولكن الخوف من أن (في ظل) استمرار الأساليب الفاسدة سنحرم من النتائج التي نريدها". لكنه استدراك قائلا: "حتى الآن ليس هناك إجماع حول ما ينبغي عمله".
واستباقا لاجتماعها التنسيقي مع أحزاب جوبا، قامت الحركة الشعبية لتحرير السودان باتخاذ موقف منفرد أعلنت من خلاله في 31 مارس 2010 أنها سحبت مرشحها في انتخابات الرئاسة، كما أعلنت أنها ستقاطع الانتخابات على جميع المستويات في دارفور. وقال نائب رئيس الحركة، رياك ماشار، في تصريحات للصحافيين إن القرار اُتخذ بسبب استمرار الصراع في دارفور ومخالفات انتخابية، مضيفا أن الحركة ستقاطع أيضا الانتخابات على جميع المستويات في دارفور.
وقد أدى قرار الحركة الشعبية لتحرير السودان بسحب مرشحها في الانتخابات الرئاسية إلى خلط أوراق القوى السياسية المعارضة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق موجة من اللقاءات المكوكية بين قيادات هذه القوى لتحديد قرارها النهائي من الانتخابات، تمخضت في النهاية عن موقف ملتبس عكس حالة التردد التي سيطرت على المعارضة. وقد عبر عن هذا الموقف البيان المعنون "تضامن مرشحي الرئاسة"، والذي جاء فيه أن "تسعة من مرشحي الرئاسة أكدوا بالإجماع انحياز مفوضية الانتخابات، وتفشي الأساليب الفاسدة في هذه العملية الانتخابية، وأن التأجيل مطلوب لحل المشكلات التي تحول دون انتخابات عامة حرة ونزيهة، وأن ياسر عرمان أكد في الاجتماع أن موقفه من مقاطعة انتخابات الرئاسة قد جاء بناء على الحيثيات السابقة ولا رجعة فيه... وقرر أغلبية الحضور مقاطعة انتخابات الرئاسة مع استعدادهم لمراجعة الموقف إذا توافرت الشروط المطلوبة لنزاهة الانتخابات واستقلال المفوضية. وأبدى بعض الحاضرين أنهم رغم تأييدهم لما ورد أعلاه فإنهم سوف يخوضون الانتخابات". ولم يتضح من البيان معرفة المرشحين الذين قرروا المقاطعة، وإن كان البيان قد ذكر أن "هيئة تضامن مرشحي الرئاسة سوف تصدر لاحقا بيانا بأسماء الأشخاص وتحديد مواقفهم، علما أن التضامن سوف يستمر لكشف الأساليب الفاسدة".
وقد صرح السيد محمد عثمان الميرغني للصحافيين "إن موقف حزبه من المشاركة أو مقاطعة الانتخابات ما زال محل بحث" ، في حين أكد الترابي( ) "نريد أن ندخل الانتخابات حتى ولو كانت معيبة.. شيء خير من لا شيء" ، وأكد "أن هذه العيوب محتملة"، ومن بين تعبيراته التي تصب في الاتجاه ذاته "نحن الآن تمتعنا بحرية لا نريدها أن تتوقف". وحول العلاقة مع الحركة الشعبية، قال الترابي "إن الحركة الشعبية لم تخطر الأحزاب قبل إعلان موقفها الأخير".. و"إن بعض قياداتها تريد للمؤتمر الوطني أن يبقى بشكله الحالي حتى تشجع للانفصال، ولكن ما بيننا وبين الحركة لم ينبت، لأننا ننسق مع بعضنا البعض، ولسنا حزبا واحدا حتى لا يكون الاختلاف واردا". وعن تقديره للأوزان الانتخابية للأحزاب قال الترابي إن الأحزاب حُجبت عن قواعدها مدة طويلة ولا توجد علاقة ميكانيكية بينها وبين جمهورها.
وهكذا، بدأت تتحد المواقف النهائية لأحزاب المعارضة، حيث حدد الترابي قبوله بخيار المشاركة، بينما أكد الحزب الشيوعي السوداني تمسكه بالمقاطعة الشاملة على كافة المستويات، في الوقت الذي عاد فيه الحزب الاتحادي إلى المراوغة في إعلان موقف واضح ونهائي، الأمر الذي انتهى به إلى المشاركة على كافة المستويات مثله في ذلك مثل حزب المؤتمر الشعبي. أما حزب الأمة فقد اتخذ موقفا مختلفا حيث عاد وأمهل المفوضية والنظام الحاكم أربعة أيَّام أخرى، تنتهي في 6 أبريل 2010، أي قبل الاقتراع بخمسة أيام فقط، للقبول بعدد من الشروط، شملت تأجيل الانتخابات شهراً، وإصدار أمر جمهوري بتجميد العمل بالأحكام الأمنية حتى نهاية الانتخابات، ووضع الإعلام القومي تحت إشراف آلية قومية متفق عليها، ومساهمة الدَّولة في تمويل الحملة الانتخابيَّة للقوى السِّياسيَّة، ووضع سقف للإنفاق على الحملات الانتخابية، وحظر استعمال موارد الدَّولة الماديَّة والبشريَّة في الحملة الانتخابيَّة، وعدم الزَّج بالاستفتاء لتقرير المصير في المساجلات السِّياسيَّة، كونه من شروط السَّلام، وإزالة كافة الشِّعارات والملصقات التحريضيَّة والتكفيريَّة والتخوينيَّة، والالتزام بإشراك دارفور في الرئاسة والأجهزة التنفيذيَّة والتشريعيَّة عند إبرام اتفاق السَّلام، وتكوين مجلس دولة بالتراضي لتوسيع قاعدة التداول في الشَّأن الوطني، وإلزام المفوَّضيَّة بوضع ضوابط لنزاهة الاقتراع.
وتجدر الإشارة هنا أيضا إلى أن موقف حزب الأمة قد اعتراه بعض الارتباك، حيث أشار البيان الصادر عن المكتب السياسي للحزب، والذي تلته السيدة سارة نقد الله، إلى أنه إذا لم تتم الاستجابة لمطالب الحزب فإنه سيقاطع الانتخابات بشكل شامل على كل مستوياتها، وأنه لن يعترف بنتائجها. ومع ذلك، فقد صرح الصادق المهدي بعد ذلك بيومين فقط بأنه يتعهد باحترام النتائج النهائية للانتخابات مهما كانت، وأشار إلى أن 90% من شروط الحزب قد تمت الاستجابة لها، فيما بدا أنه تمهيد لإصدار قرار بالمشاركة، إلا أن المفاجأة كانت صدور قرار نهائي للحزب بالمقاطعة الشاملة للانتخابات، وهو القرار الذي جاء متأخرا يوما كاملا عن الموعد الذي سبق وحدده الحزب بسبب استمرار اجتماعات مكتبه السياسي ووجود اختلافات كبيرة في وجهات النظر داخل الحزب. وهكذا، جاء قرار الحزب متأخرا وبعد فترة طويلة من الارتباك والتردد، الأمر الذي أفقد الحزب الكثير من الأثر السياسي والإعلامي الذي كان يمكن أن يحدثه بهذا القرار. ورأى كثيرون أن هذا التردد لم يكن متناسبا مع حزب بحجم وخبرات حزب الأمة.
ولم يختلف الأمر كثيرا بالنسبة للحركة الشعبية، فقد اعترى موقفها الكثير من الارتباك، حيث أعلن كل من باقان اموم، الأمين العام للحركة، وياسر عرمان، مرشحها لمنصب الرئاسة المنسحب، أن الحركة سوف تقاطع الانتخابات بشكل شامل في كل الولايات الشمالية الخمسة باستثناء ولايتين هما جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، باعتبارهما مشمولتان في اتفاقية السلام الشامل ومن المفترض أن تجرى فيهما "مشورة شعبية" بعد إتمام الانتخابات فيهما طبقا للاتفاقية. غير أن الفريق سلفا كير صرح عقب ذلك أن قرار المقاطعة في الشمال لم يصدر من المكتب السياسي للحركة الشعبية، وليس معبرا عنها، وأن الحركة مستمرة في المشاركة في انتخابات الولايات الشمالية، الأمر الذي أحدث قدرا كبيرا من الارتباك والبلبلة. وأشار سلفا كير إلى حدوث نوع من الانقسام داخل الحركة الشعبية، الأمر الذي نفته قيادات الحركة. وهكذا، ظل موقفها الأخير من المشاركة في الشمال غير معروف على وجه التحديد حتى بدء الاقتراع.  
في الوقت نفسه سادت قبيل بدء الاقتراع العديد من المخاوف أن تحدث اشتباكات أو تهديدات أمنية، لاسيما أن الأوضاع في دارفور، وأيضا في جنوب السودان، غير مستقره أمنيا بشكل كاف. وقد أدى هذا الشعور العام إلى حدوث موجة نزوح من الخرطوم إلى خارجها، حيث غادرت العديد من الأسر إلى مواطنها الأصلية في الريف خشية اندلاع أحداث تشبه ما حدث يوم الاثنين الأسود الذي أُعلن فيه عن مقتل القائد الراحل "جون قرنق"، وما ترتب على ذلك من أحداث سلب ونهلب واشتباكات دامية بين الجنوبيين في الشمال وسكان الخرطوم.
في هذا الإطار كان اللافت للنظر بروز التأييد الأمريكي لعدم تأجيل الانتخابات، حيث أعلن المبعوث الرئاسي الجنرال جريشن عن إصرار بلاده على إجراء الانتخابات في موعدها المقرر. وجرى تأكيد هذا الموقف من خلال  انخراط المبعوث الأميركي للسودان في مباحثات مكثفة مع المسئولين في الحكومة والقوى السياسية في محاولة منه لتقريب وجهات النظر حول إجراء الانتخابات في موعدها المقرر. شملت هذه اللقاءات كل من الدكتور نافع علي نافع، مساعد الرئيس السوداني، والدكتور غازي صلاح الدين، مستشار الرئيس ومسئول ملف دارفور في الحكومة، ومحمد عثمان الميرغني، رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، والدكتور حسن عبد الله الترابي، الأمين العام للمؤتمر الشعبي، ومبارك الفاضل، رئيس حزب الأمة الإصلاح والتجديد، بالإضافة إلى ووفد من حزب الأمة القومي( ).