o    نُشرت هذه الدراسة فى العدد الثانى من سلسلة " بدائل" التى يصدرها مركزالدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام، سبتمبر 2010، والتى تسعى إلى توسيع وتعميق  النقاش العام حول القضايا ذات الاهمية الخاصة للسياسات والمصالح المصرية .
o    الباحث يشغل موقع رئيس تحرير ملف الاهرام الاستراتيجى ورئيس برنامج دراسات السودان وحوض النيل بمركز الاهرام للدراسات، وكذلك مقرر لجنة السودان بالمجلس المصرى للشئون الخارجية .   




•    الاوضاع الحالية فى السودان:
يمر السودان منذ مطلع الألفية الثالثة، وبالتحديد منذ التاريخ الذى بدأت فيه عملية التسوية السياسية لانهاء الحرب الاهلية فى الجنوب، بحالة من إعادة الصياغة لهياكل السلطة والثروة ، وإمتدت حالة اعادة الصياغة هذه لتشمل شكل النظام السياسى وطبيعة الدولة السودانية وحدود ترابها الوطنى. فبعد العديد من التطورات والمفاوضات الصعبة التى إستغرقت أكثر من عامين ونصف العام فى كينيا، تم توقيع اتفاقية نيفاشا فى يناير 2005 ، بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السوادن، وقد نتج عن هذه الاتفاقية عدة متغيرات رئيسية، يمكن الاشارة إلى أبرزها على النحو التالى:-
1- بدلا من كونة دولة موحدة ذات نظام فيدرالى تتكون من 26 ولاية، تحول السودان إلى دولة تتكون من اقليمين: أحدهما شمالى ويتكون من 15 ولاية (بعد دمج ولايتين فى ولاية واحدة) ، والثانى جنوبى يتكون من 10 ولايات .
2- يُحكم الاقليم الجنوبى بنظام قانونى مختلف عن المعمول به فى الشمال ( الذى يعمل طبقا لقوانين مستقاه من التشريع الاسلامى )، ويستند الجنوب على القوانين  التى يقرها برلمان وحكومة إقليم الجنوب، والذى يسير نظامه الاقتصادى وفقا للقوانين المصرفية العادية وتخضع لغرفة خاصة ( بمثابة فرع مستقل ) من البنك المركزى السودانى. بالاضافة الى حصول الجنوب على حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية قدرها 6 سنوات تنتهى فى عام 2011 ، وذلك عبر إستفتاء يختار فيه الجنوبيون بين البقاء ضمن السودان الذى أفرزته إتفاقية نيفاشا، وبين الانفصال فى كيان ودولة جديدة.
3- كما أن طبيعة العلاقة بين الاقليمين الشمالى والجنوبى التى أفرزتها اتفاقية نيفاشا يسودها قدر من عدم التوازن، بسبب وجود أربعة مستويات للحكم فى الإقليم الجنوبى (هى المحليات وحكومة الولاية ثم الحكومة الاقليمية وأخيرا الحكومة القومية )، فى حين أن الشمال لايوجد به مستوى الحكم الاقليمى (المحليات وحكومة الولاية ثم الحكومة القومية مباشرة).
4- بينما تتولى  الحركة الشعبية لتحرير السودان حكم الإقليم الجنوبى بصلاحيات كاملة سياسية واقتصادية وأمنيه، كما يشارك الإقليم الجنوبى أيضا فى الحكومة القومية بنسبة 34% وكذلك فى الأجهزة الأمنية ومؤسسات الخدمة المدنية على المستوى القومى، فإن الحكومة القومية تكاد تكون بلا صلاحيات تجاه الاقليم الجنوبى، سوى تقرير حصته من إيرادات النفط المنتجه من آبار الجنوب، وكذلك حصته من الميزانية القومية بنسبة الثلث طبقا للاتفاقية .

كل هذه المتغيرات أفرزت حالة من السيولة الهائلة فى الاوضاع العامة فى السودان ، حيث أصبح من الواضح أن السودان المعروف الذى كان قائما منذ إستقلال السودان فى أول يناير 1956 ، فى طريقة للاختفاء ليحل محله سودان جديد بناء على الأسس التى أرستها اتفاقية نيفاشا، وما ينتج عن ذلك من أبنية ومؤسسات سياسية ودستورية جديدة مستحدثة لم تأخذ فرصتها لاكتمال البناء والتأثير.

 إلا أن المتغير الأكثر خطورة كان هو حق تقرير المصير للاقليم الجنوبى، الذى خلق حالة من عدم الاستقرار الهيكلى ، الناتج بدورة عن الغموض الكثيف ، وعدم القدرة على التوقع ما إذا كان الجنوب سيبقى فى السودان الواحد الكبير ام سوف ينفصل فى كيان جديد، الأمر الذى انعكس سلبا على مجمل التفاعلات السياسية فى السودان بعد التوقيع النهائى على اتفاقية نيفاشا، وساعد على تعميق الفجوة بين شريكى حكومة الوحدة الوطنية التى تم تشكيلها بناء على الإتفاقية ، وهما حزب المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية لتحرير السودان ، وأدى ذلك -نتيجة لهذا العامل وعوامل إخرى – إلى احتدام الخلاف بينهما على العديد من القضايا ، التى كان على رأسها الخلاف حول منطقة ابيى، وترسيم الحدود وكيفية إحتساب عائدات البترول، وأخيرا الخلاف حول نتائج الاحصاء السكانى والقضايا المتعلقة باجراء الانتخابات الرئاسية والولائية والمحلية والتى كان مقررًا لها أن تتم تحت رقابة دولية فى النصف الثانى من العام الحالى 2009 ، طبقا لنصوص نيفاشا، إلا أنها إجريت فى ابريل عام 2010 بعد شد وجذب طويلين حول الاجراءات المفضية اليها والموعد المناسب لاجرائها .

بالإضافة إلى ماسبق فقد أوضحت الأزمات المتوالية بين شريكى حكومة الوحدة الوطنيه طوال ما يزيد عن خمسة سنوات ونصف من عمر المرحلة الانتقالية، ان قضية الوحدة لم تكن تشغل ذهن القادة الجنوبيين، بل ان الحديث عنها بين وقت واخر كان من اجل توظيفها فى الصراع السياسى مع حزب المؤتمرالوطنى. هذا التوظيف كان فى كثير من الحالات يأخذ شكل الإبتزاز الساعى الى حشد نوع من التعبئة لصالح الحركة الشعبية ضد حزب المؤتمر عبر تحميله مسئوليه عدم بذل الجهد الكافى من أجل الوحدة، فى الوقت الذى قامت فيه الحركة بالعديد من السلوكيات التى توضح نيتها فى الانفصال منذ وقت مبكر مثل تخصيص كود دولى مستقل للاتصالات الهاتفيه يختلف عن الكود المعمول به للسودان ، وتغيير مناهج التعليم وجعلها باللغة الانجليزية، والسعى الى توقيع اتفاقيات منفردة للتنقيب عن البترول- بالمخالفة لاتفاقية نيفاشا- بعيدا عن الحكومة القومية ومفوضية البترول التابعة لها .

كل ذلك بالاضافة إلى تقارير تشير إلى إنجاز مسودة الدستور للدولة  الجنوبية المنتظرة بواسطة معهد ماكس بلانك الألمانى، بالاضافة الى الدراسات الخاصة بمشروع خط للسكة حديد للربط مع كينيا، بغرض التواصل التجارى والاقتصادى ولاتخاذ ميناء "مومباسا" الكينى كمنفذ للتصدير والاستيراد، وأيضا لتصدير النفط الجنوبى فى المستقبل.

من الواضح ان قضية الوحدة والانفصال قد تم حسمها من قبل الحركة الشعبية باتجاه الانفصال عبر اتخاذ مواقف غامضة من الوحدة، والامتناع عن تاييدها علنا، بل تَعمُد إعطاء اشارات عديدة ومتكررة على ان نتيجة الاستفتاء ستكون دعما للانفصال. هذه الطريقة فى الاقتراب من قضية الوحدة كانت تتحاشى الإعلان عن التوجه نحو الانفصال بشكل  صريح بالنظر إلى أن اتفاقية نيفاشا تنص على أن يعمل الطرفان على أن تكون الوحدة جاذبة، والشاهد ان كل تحركات ومواقف الحركة الشعبية ظلت تتمحور، بشكل او بأخر، حول تهيئة الأوضاع المناسبة من اجل الوصول بسلام وبدون صعاب أو معوقات الى الموعد المحدد للاستفتاء على حق تقرير المصير فى 9 يناير 2011، حتى يمكن الحصول على المشروعية القانونية للدولة الجديدة ، حيث ان المخاوف الرئيسية للجنوبيين تتركز فى الخشية من وقوع اضظرابات كبيرة او إنفلات أمني نتيجة لأى أزمة هنا أو هناك.  فالأزمات قد تخرج عن السيطرة ، وقد يتم اتخاذها وسيلة لعدم إجراء الاستفتاء أو المطالبة بتأجيله. وفى هذه الحالة فان انفصال الجنوب لن يكون مشروعا من الناحية القانونية ، حتى لو كان قائما من الناحية العملية أو بسياسة الأمر الواقع، حيث يبقى بإمكان حكومة الخرطوم أو القوى السياسية السودانية المتمسكة بالوحدة القول بان الجنوب لايزال جزءا غير منفصل من السودان، الأمرالذى قد يفتح العديد من الابواب التى يمكن لكل طرف أن يستغلها أو يوجهها أو يكّيفها كما يشاء.

غير ان هذه المخاوف نفسها قد أخذت فى التراجع أيضا بعد التصريحات العلنية المباشرة التى أطلقها الرئيس البشير فى الاحتفال بالذكرى الخامسة لتوقيع اتفاقية نيفاشا فى يناير 2010، وتعهد فيها بالاعتراف الفورى بالدولة الجنوبية الجديدة اذا إختار الجنوبيون الانفصال، فيما بدا انه تسليم بالامر الواقع او انتصار للقوى المؤيدة لانفصال الجنوب داخل حزب المؤتمر الوطنى نفسه، او ترجمة لما قيل انه صفقة غير معلنه تم التوصل اليها بين الحركة الشعبية وحزب المؤتمر، عقب الضغوط السياسية العنيفة التى قامت بها الحركة الشعبية فى نهايات عام 2009 (قبيل بدء الانتخابات السودانية ) عبر ما عرف باسم "تحالف جوبا"، ثم التهديد بزعزعة الاستقرار فى الخرطوم من خلال التظاهر فى الشارع، وذلك بالتجاوب مع مطالب الحركة الشعبية بِشأن بنود قانون الاستفتاء على حق تقرير المصير، وعدم استخدام نصوص القانون لتعويق الانفصال أو جعله صعبا، فى مقابل عدم اعتراض الحركة الشعبية على قانون الامن الوطنى وعدم تعطيل عملية الانتخابات.

•    الإنتخابات السودانية وإعادة إنتاج الإستقطاب
 
 أجريت الانتخابات السودانية على مدى خمسة أبام فى الفترة من 11 إلى 15 إبريل 2010، وشملت التصويت على ثلاث مستويات تنفيذيه لانتخاب رئيس الجمهورية ورئيس حكومة اقليم جنوب السودان وولاة الولايات السودانية الخمسة والعشرين  ، بالاضافة الى ثلاثة مستويات تشريعية لاختيار اعضاء البرلمان القومى واعضاء برلمان اقليم جنوب السودان واعضاء المجالس التشريعية للولايات.

وقد مرت عملية الإقتراع التى تمت تحت رقابة واسعة النطاق خارجية وداخلية بهدوء، حيث لم يعكر صفوها أى احداث شغب أوعنف، وتميزت بنسبة مشاركة مرتفعة تزيد على 60 %.  
وقد أدى ذلك إلى إحياء الأمل فى أن تحدث هذه الانتخابات نوعا من الإختراق للدائرة المغلقة للأزمات السودانية التى تعيد إنتاج نفسها باستمرار.. غير أن هذا الأمل سرعان ما تبخر من جديد مع إعلان النتائج.  حيث إُعلن فوز الرئيس البشير بنسبة إجمالية تقترب من 70% من إجمالى أصوات المشاركين فى الاقتراع، غير أنه تجدر الإشارة إلى أن فوز البشير  كان كاسحا فى الشمال فى الوقت الذى جاء ترتيبه فى الاقليم الجنوبى تاليا لمرشح الحركة الشعبية (المنسحب) ياسر عرمان. وقد ترافق مع ذلك هيمنه كاملة لحزب المؤتمر الوطنى الحاكم  فى الشمال بفوزه بمناصب ولاة الولايات فى 14أربعة عشر ولاية  من إجمالى خمسة عشر ولاية في الشمال، وكذلك غالبية مقاعد البرلمان القومي والمجالس التشريعية في الولايات بفارق شاسع. وفي المقابل فازت الحركة الشعبية لتحرير السودان بمواقع الولاة فى الولايات العشر لاقليم جنوب السودان ومعظم مقاعد برلمان الإقليم ومجالس ولاياته والمقاعد المخصصة للجنوب في البرلمان القومي.

 أدت هذه النتائج إلى ردود أفعال تتسم بالرفض للعملية الانتخابية والنتائج المترتبة عليها من قبل كل القوى السياسية المعارضه فى الشمال وكذلك فى الجنوب، وهكذا تمثلت المحصله النهائيه فى أن النتائج المعلنه أعادت إنتاج الهيمنة والسيطرة الكاملة لشريكى اتفاقية نيفاشا وهما المؤتمر الوطنى فى الشمال والحركة الشعبية فى الجنوب.. وقذفت بكل القوى المعارضة إلى هامش العملية السياسية.. وهذه النتائج  وإن كانت تصب فى صالح الإستمرار فى تطبيقات إتفاقية نيفاشا كما هو مرسوم لها، إلا أنها أشارت أيضا الى حدوث نوع من التكريس الكامل لتقسيم السودان من الناحية العملية وبما يستبق التقسيم الفعلى الذى سيحين موعده فى يناير2011، وبما يعنى أيضا إضعاف مناعة وقدرة الدولة السودانية على مواجهة التحديات الجسام التى سوف تواجهها فى الشهور المقبلة، فضلا عن إهدار أخر فرصة حقيقية لإحداث نوع من التحول فى مسار العملية السياسية فى السودان من الصراع المسلح الى الصراع السلمى عبر قواعد محددة متفق عليها إستنادا الى عملية التحول الديمقراطى التى قبل بها الجميع، وأنها لم تضف شيئا الى الساحة السياسية السودانية، سوى المزيد من الاستقطاب بين شمال وجنوب من ناحية وبين قوى حاكمة واخرى معارضة من الناحية الإخرى .

•    الموقف من الوحدة والانفصال
 
 عقب الانتهاء من مرحلة الانتخابات ، بدا من الواضح أن موقف الحركة الشعبية من قضية الوحدة والانفصال قد شهد تغيرا كبيرا فى طريقة الاقترب من هذه القضية أو التعامل معها، حيث اصبحت تصريحات قادة الحركة تتسم بالصراحة والحسم فى القول بان " نتائج الاستفتاء على حق تقرير المصير ستكون لصالح الانفصال بنسبة كاسحة، وأن زمن الحديث عن الوحدة قد ولى " ، كما افصح باقان أموم الامين العام للحركة الشعبية فى مؤتمر صحفى عن استراتيجية الحركة عقب اعلان نتائج الانتخابات واشار فيه الى انه لوحدث تاخير او تعطيل للاستفتاء فان الحركة الشعبية ستلجأ لاعلان الانفصال من جانب واحد من داخل برلمان حكومة اقليم جنوب السودان ، وانه سوف يتم التعامل مع اى وجود شمالى فى الجنوب على انه يمثل احتلالا للدولة الجنوبية، بما يعنى أن الحركة الشعبية قد عقدت العزم على الانفصال فى كل الاحوال، وان البديل لذلك إذا مورست عليها اى ضغوط سيكون العودة الى الحرب. وكان من اللافت ان سلفا كير رئيس الحركة الشعبية ورئيس حكومة الاقليم الجنوبى، كان حاضرا ومشاركا فى هذا المؤتمر الصحفى، الامر الذى يعنى موافقته التامة على تصريحات باقان اموم بالطريقة التى وردت بها. وبذلك خرجت مواقف الحركة الشعبية -المتجهة الى الانفصال- الى العلن بشكل لايحتمل التأويل، بعد ان كانت فى وقت سابق تعطى اشارات يمكن التراجع عنها او اعادة تفسيرها طبقا لمقتضى الحال .

فى هذا السياق أصبح البعد الدولى حاضرا أيضا بقوة فى سياق التوجه لدعم انفصال الجنوب، حيث تتمسك الولايات المتحدة بالتاكيد المتكرر عن أن موقفها هو دعم الخيار الذى سوف يتبناه شعب جنوب السودان، الا ان هذا الموقف ترافقت معه تحركات إخرى تقدم حوافز قوية لانفصال الجنوب، مثل التصريح بوجود خطط معدة سلفا لتقديم مساعدات لانشاء البنية التحتية للدولة الجديدة بقيمة 2 مليار دولار، وكذلك الوعد الذى اطلقة نائب الرئيس الامريكى "جون بايدن" خلال لقائه بسلفا كير وقادة الحركة الشعبية فى نيروبى فى يونيو 2010 ، والذى تعهد فيه بأن واشنطن سوف تعترف على الفور بالدولة لجنوبية اذا جاءت نتيجة الاستفتاء لصالح الانفصال. وقد تلا ذلك اعلان كل من بريطانيا وفرنسا عن نيتهما الاعتراف بالدولة الجنوبية فى حالة اختيار الجنوبيين للانفصال، الامر الذى أشار إلى ان القوى الدولية الاساسية المهتمة بما يحدث فى السودان قد صاغت مواقفها  بتاييد الدولة الجنوبية قبل ان يتم اعلانها .

وقد اعقب لقاء نيروبى مع بايدن ترتيب زيارة خاصة لباقان أموم الامين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان الى الولايات المتحدة، خاطب فيها اجتماعا لمجلس الامن الدولى فى نيويورك، قبل ان يتوجه الى واشنطن لمخاطبة الكونجرس الامريكى، حيث أكد ان الجنوب مقبل على الانفصال وانه يحتاج الى الدعم والمساندة، وهو امر تمت مناقشته ايضا على نطاق واسع فى زيارة سابقة لسلفا كير الى واشنطن اجتمع خلالها بعدد من القيادات فى وزارة الدفاع الامريكية. وقد اشارت بعض التقارير الى وجود ترتيبات عدة – بعضها بدأ يشق طريقة الى التنفيذ بالفعل – لإقامة قاعدة امريكية فى جنوب السودان ستكون مقرا لقيادة " أفريكوم" فى السودان .

وفى المقابل بدأ حزب المؤتمر الوطنى عقب الانتخابات، فى منح قضية الحفاظ على الوحدة اهتماما غير مسبوق، حيث جرى الاعلان عن تحويل الهيئة القومية الداعمة لانتخاب عمر البشير رئيسا للسودان ن الى لجنة قومية لدعم الوحدة، كما تم الاعلان عن دراسة عشرات المشروعات العاجلة سريعة التنفيذ والتى تقدر تكلفتها بمئات ملايين الدولارات لاشعار المواطن الجنوبى باهمية وجدوى البقاء فى السودان الموحد. وقد ترافق مع ذلك تدشين حملة إعلامية وتعبوية واسعة النطاق من اجل الحفاظ على الوحدة، وقد كان من اللافت ايضا قيام السلطات السودانية فى الاسبوع الاول من يوليو باغلاق صحيفة "الانتباهة" التى يقودها الطيب مصطفى رئيس منبر السلام العادل الذى كان ينادى بضرورة فصل الجنوب عن الشمال، والذى استمر لعدة اعوام فى شن حملات اعلامية متكررة لم تخل فى كثير من الاحيان من بعض الملامح العنصرية والدعوة الى اثارة الكراهية وتركت آثارا سلبية على اكثر من صعيد. وقد كان ينظر الى هذه الصحيفة باعتبارها ربما تمثل جناحا داخل حزب المؤتمر الوطنى الحاكم، والا لما استطاعت الاستمرار لهذه السنوات، لاسيما وان رئيس هذا المنبر يمت بصله القرابة للرئيس عمر البشير، الأمر الذى كانت تجرى الإشارة إليه على الدوام فى الإعلام السودانى.

وقد تمثلت ذروة التحركات الداعمة للوحدة فى الزيارة التى  قام بها نائب رئيس الجمهورية على عثمان محمد طه الى جنوب السودان فى مطلع يوليو 2010 على رأس وفد ضخم يتكون من أكثر من مائة شخصية قومية، للاعلان عن بعض المشروعات التنموية واطلاق شرارة البدء فى تنفيذ بعضها بالفعل، كما حمل معه اقتراحا للقادة الجنوبيين بالتحول الى نظام كونفدرالى يتم تداول الرئاسة فية بين الشمال والجنوب.
 
غير ان هذه الزيارة لم تلق ترحيبا من قادة الحركة الشعبية كما أعلن باقان اموم أن اقتراح الكونفدرالية فى هذا التوقيت غير مناسب، وانه مخالف لاتفاقية نيفاشا التى نصت على ان يكون الاستفتاء بين خيارين : الاستمرار فى الوحدة او الانفصال، ولم تشر الى وجود خيار ثالث. واضاف باقان الى انه يمكن النظر فى هذا الخيار فى المرحلة التى تلى الاستفتاء واعلان الانفصال، فيما بدا انه محاولة واضحة للالتفاف على هذا المقترح بدلا من رفضة بشكل كامل، فى تعبير عن نفس الاسلوب الذى كان متبعا من قبل فى الحديث عن الوحدة قبل مرحلة الانتخابات .  

•    التداعيات التى قد تنجم عن انفصال الجنوب:
 
 يمكن للمتابع للشأن السودانى ان يلحظ بسهولة من خلال تصريحات كبار المسئولين، ومن خلال الاجواء العامة، أن هناك إشفاقا من التداعيات التى سوف تترتب على الانفصال المتوقع للجنوب، غير اننا يجب أن نفرق أيضا  بين عدم الممانعة لدى قطاعات واسعة فى الشمال فى أن يذهب الجنوبيون إلى حال سبيلهم  وان يجربوا ادارة دولتهم وشئونهم بمفردهم، وبين القلق الواضح من ألا يكون الانفصال نهاية لهذه العلاقة المأزومة والمسكونه بالهواجس بين الطرفين، وان يتحول الى نقطة بداية فى مسار جديد من الصراع بسبب التداخل بين الشمال والجنوب، فهما فى نهاية المطاف تعبير عن نسيج متداخل لابد ان يصيبه التهتك فى حالة فصله عن بعضه البعض، وايضا بسبب العديد من الملفات التى مازالت عالقة مثل ترسيم الحدود وقضايا البترول والديون وتقسيم المياه وأوضاع الجنوبيين فى الشمال والشماليين فى الجنوب .. الخ .

وهناك أيضا قضايا إخرى بالغة الحساسية مثل أوضاع مناطق التخوم التى تقع على الحدود الفاصلة بين الشمال والجنوب، وهى جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة وإبيى. فهذه المناطق كان من المفترض ان تكون مناطق تعايش وتواصل بين الشمال والجنوب، ولكنها تحولت بسبب الحرب والصراع الى مناطق قلق وتوتر.. حيث يثور السؤال فى حالة وقوع الانفصال : ما هى آثار ذلك على هذه المناطق التى تقع جغرافيا فى الشمال- ما عدا إبيى التى لها وضع خاص - فى حين انها اقرب الى الجنوب من الناحية الاثنية،  وخاضت اجزاء كبيرة منها الجولة الثالثة من الحرب الاهلية فى صفوف الحركة الشعبية.. هل ستبقى هذه المناطق هادئة مستقرة ام سوف تتحول الى بؤر احتقان وحروب بالوكالة ومطالبات جديدة سواء بالحصول عل حق تقرير المصير او المطالبة بالانضمام الى الدولة الجديدة، حيث ظهر ذلك بقوة أثناء المؤتمر الذى عُقد فى "كاودا" اثناء عملية التفاوض على اتفاقية نيفاشا، والذى طالبت فيه شرائح كبيرة من سكان المنطقة بالحصول على حق تقرير المصير إسوة بالجنوب، وأعلن خلاله البعض عن رغبتهم فى الانضمام الى الدولة الجنوبية الجديدة فى حالة اختيار الجنوبيين للانفصال، لاسيما وان هذه المناطق تتمتع بحق " المشورة الشعبية " بعد مضى أربع سنوات من توقيع الإتفاقية، عبر قانون المشورة الشعبية، كما جاء فى بروتوكولات نيفاشا التى تعطى الحق لمنطقتى جبال النوبا وجنوب النيل الازرق الحق فى مراجعة مواقفهما، بعد اربع سنوات من توقيع اتفاقية نيفاشا .

 يضاف الى ذلك هاجس آخر هو الأثر المتوقع على ازمة دارفور التى أكملت عامها الثامن وهى تدور فى متاهة البحث عن حلول ومخارج.. فهل سوف تنتقل اليها عدوى النموذج وتسير فى نفس الاتجاه، أى الإستعصاء على الحل السلمى والتسوية السياسية، ثم الشعور برهق الحرب والرغبة فى انهائها والتخلص من أعبائها.. ومن ثم يبدأ حق تقرير المصير الذى يطل برأسة منذ فتره فى مطالبات لفظية متناثره هنا وهناك  فى شق مساره الصاعد بعد أن تكون الأجندات الاقليمية والدولية قد مهدت له السبل وخلقت الاجواء المناسبة ؟.. كل هذه الاسئلة تظل معلقة  فى سماء السودان الملبدة بالغيوم .

على الناحية الاخرى تبرز اسئلة اخرى كثيرة عن قدرة الكيان الجنوبى الجديد على التماسك والاستمرار، فضلا عن قدرته على حفظ الامن والحد الادنى من الاستقرار اللازم لتوفير مقومات الحياة، وعن توافر الخبرات والقدرات الادارية الضرورية لبناء وقيادة دولة جديده تتسم بالانعدام الشامل للبنية التحتية واعباء ما بعد الحرب من استيعاب المقاتلين والتحول الى الحياة المدنية. فالجنوب كما هو معروف يتكون من فسيفساء واسع من القبائل التى تمتلك كل منها لغتها وثقافتها ومعتقداتها الخاصة، ومعظم هذه القبائل بينها تاريخ طويل من الصدام والصراع وعلاقات يسيطر عليها تاريخ طويل أيضا من المخاوف.. والولاء الاخير فيها هو للقبيلة حيث لم تنشأ بعد فكرة الإنتماء الأوسع إلى وطن. كما أن المشاركة من قبائل عدة فى خوض الحرب ضمن الحركة الشعبية كان محدده الأساسى هو وجود ما كان ينظر له باعتباره عدوا مشتركا هو الشمال ، أما بعد اختفاء هذا العدو أو إزاحته فمن المحتمل أن تعلو سمة التناقضات الداخلية على ما عداها، وهذا ما تشير اليه الاشتباكات الدموية خلال عام 2009 والتى نجم عنها حوالى 3000 قتيل واكثر من 270 ألف نازح حسب تقارير بعثة الامم المتحدة فى الجنوب، ثم التمرد الحالى الذى يقودة الجنرال " جورج أتور " المنحدر من قبيلة الدينكا وهو ايضا قائد سابق فى الحركة الشعبية، بسبب رفضة لنتائج الانتخابات الاخيرة ووصفها بالتزوير الكامل، حيث لم تستطع الحركة احتواء التمرد بعد وقوعه بعدة أشهر، الأمر الذى ينذر فى حالة إستمراره بالإتساع، بتهديد الوضع الأمنى بما قد يحول دون اجراء الاستفتاء كما جاء على لسان المتحدثة باسم بعثة الامم المتحدة فى الجنوب ، وكما أشار" أتور" نفسه فى العديد من أحاديثه الصحفية إذا لم تتم الاستجابة لمطالبة والغاء نتائج الانتخابات وإعادتها من جديد، وهو مطلب يصعب على الحركة الشعبية التجاوب معه .

ومن الواضح أن عنصر عدم القدرة على التماسك او توفير الامن فى الجنوب، يمثل أحد أهم المخاوف من الانفصال، فهذا الوضع  قد يغرى قادة الدولة الجديدة المندفعين بقوة - وبشكل عاطفى - الى التحرر مما يقولون انه ربقة الشماليين، الى تطوير الخلافات المتوقعة مع الشمال الى شكل من اشكال الحرب او الصراع  لاستعاده الادوار الخاصة بالعدو الخارجى لشغل الداخل ودعوته الى تأجيل خلافاته وتناقضاته الى ما بعد المواجهة مع العدو الحقيقى أو (المتوهم ) والذى يمثله الشمال بطبيعة الحال .

وعلى ذلك فإن عمليه الانفصال سوف تواجه مجموعة معقدة من التحديات التى تحتاج الى مفاوضات وتفاهمات مسبقة، حتى لاتنتشر تداعيات الانفصال غير المحسوبة لكى تحول مناطق عديدة فى السودان إلى كرات من اللهب، ، بالاضافة إلى تأثير الانفصال على دول الجوار الافريقى مثل اوغندا وكينيا واثيوبيا والتى تعانى كل منها بشكل أو بآخر من تكوين اثنى غير منسجم مع بعضه البعض، حيث مازالت أوغندا تعانى من هجمات جيش الرب الذى يتحرك  داخل جنوب السودان وعبر الحدود مع الكونغو وأفريقيا الوسطى، كما أظهرت الانتخابات الكينية الاخيرة فى 2008 قدرا كبيرا من التململ القبلى والاثنى الذى كاد ينزلق إلى حرب أهلية، بالإضافة إلى أثيوبيا المكونة من قوميات عدة متمايزة عن بعضها البعض.
وقد بدأ الشعور بالقلق من تداعيات انفصال الجنوب يعترى بعض اعضاء منظمة الايجاد، التى كانت تدعم حق تقرير المصير لجنوب السودان بقوة، وذلك فى مسار معاكس لسياسة الولايات المتحدة التى كانت تبدو متحفظة فى البداية تجاه الانفصال، ثم بدأ موقفها يتجه الى عدم الممانعة ثم تحول الى تقديم الحوافز.

ومن المتوقع الى حد كبير أن يسعى العامل الخارجى إلى إنتهاز حالة الاضطراب والفوضى هذه، للعمل على إعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية فى هذه المنطقة على قياسات المصالح الاستراتيجية للاطراف المتدخلة وذات التأثير.

والشاهد أن عملية انفصال الجنوب ليست بمثل هذه البساطة التى قد توحى بها الاحاديث الجارية هنا أو هناك،  ومن ثم فإن القضايا المتعلقة بالانفصال أو المترتبه عليه، لا يمكن أن ننتظر إلى حين إعلان قيام دولة الجنوب بعد الاستفتاء فى يناير 2011، فهناك مسائل كثيرة ومعقدة تجب مراجعتها والاتفاق حول الأطر والضوابط اللازمة لها . ومخطئ من يظن أن مجرد الإنفصال سوف يحقق السلام، كما ان آثاره لن تتوقف عند جنوب السودان أو شماله بل سوف تشمل وتؤثر على دوائر اكثر إتساعا بكثير، ولذا فانه يجب النظر من الآن بأقصى درجة من الوضوح والموضوعية والرغبة فى التفاهم والتعاون فى مآلات هذا الوضع الحرج والخطر فى آن واحد .

•    ازمة دارفور : الانتقال الى طور جديد

اندلعت ازمة دارفور فى مطلع عام 2003 لاسباب داخلية تتعلق اساسا بمطالب تتعلق بأجندة تنموية لتعويض النقص الفادح فى الخدمات الذى يعانيه الاقليم، طوال كل العهود والحكومات التى توالت على السودان منذ استقلالة فى الاول من يناير 1956 ، الا ان هذه الاجندة سرعان ما انتقلت الى أجندة تعبر عن مطالب سياسية تتعلق بإعادة هيكلة النظام السياسى وطبيعة الدولة فى السودان، وقد تم ذلك الانتقال عبر اتساع نطاق الأزمة مع الوقت بعد الهيمنة التى أخذت تلعبها ظاهرة الاثنية المسيسة فى الإقليم والتى قامت على تحالف ثلاثة من القبائل ذات الاصول الافريقية وهى الفوروالزغاوة والمساليت، وتلا ذلك وتصاحب معه الأدوار التى لعبتها بعض القوى السياسية السودانية الاخرى مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان التى قدمت الدعم والتسليح لحركة تحرير السودان، وحزب المؤتمر الشعبى الذى يقوده الدكتور حسن الترابى والذى قدم الدعم والمساندة لحركة العدالة والمساواة التى كان واضحا ارتباطها بحزب المؤتمر الشعبى عبر  زعيمها "خليل ابراهيم" وكوادرها القيادية التى جاءت من المنتمين للمؤتمرالشعبى.

الا انه ومع مرور الوقت أخذت فصول هذه الأزمة تنقل من طور إلى آخر أكثر تعقيدا، ولا يمكن لأى مراقب منصف ان يعزو ذلك فقط الى استعصاء الازمة بمكوناتها الداخلية على الحل ، وإنما يعود بشكل أساسى إلى تعدد وتصارع الأجندات الإقليمية والدولية، والتى يهدف كل منها إلى تحقيق أهداف و مصالح متباينة وغير متساوقة مع بعضها البعض، مما إنعكس فى حالة الارتباك والاستعصاء على الحل التى تعانى منها أزمة دارفور، كما شاهدنا فى أزمة المحكمة الجنائية الدولية وإصدارها أمرا بتوقيف الرئيس البشير، والأزمات الإخرى العديدة التى سبقتها مثل أزمة نشر القوات الدولية، الأمر الذى تحول مع الوقت إلى خلق بؤرة جديدة تشكّل تهديدًا حقيقيا وجديًا لاستقرار السودان وأمنه  وتهدد بتحوله إلى التقسيم أو الفوضى، ما لم يتم التوصل الى حل سياسى ناجز لتسوية الازمة وعودة الأمن والاستقرارإلى الإقليم .

وغنى عن القول أن التدخلات الخارجية لاتهدف إلى مساعدة أبناء دارفور، أو لمحاولة تجاوز الكارثة الانسانية فى الاقليم بقدر ما تهدف إلى خدمة أغراضها وإستراتيجياتها الخاصة.

وتجدر الاشارة إلى أن الادوار والتدخلات الخارجية فى أزمة دارفور قد تزايدت نتيجة لاسباب عديدة بعضها داخلى ومحلى يتعلق بطبيعة البيئة السودانية نفسها، وطبيعة التكوين الإثنى الذى  ينقسم السكان على أساسه من ناحية الأصل القبلى إلى "عرب" و "زرقة" ، فى الوقت الذى ينقسمون فية من ناحية نمط الانتاج المعيشى إلى رعاة ومزارعين ، ومع تهتك النسيج الاجتماعى نتيجة لنقص الموارد وضعف الدور التقليدى للادارات الاهلية وتدخلات نظام الانقاذ التى هدفت الى اختراق الولاءات السياسية التقليدية فى الاقليم، أصبح هناك عوامل صراع داخلى زاد من خطورتها توافر السلاح فى الاقليم منذ سنوات الصراع الليبى التشادى وتكوين ما كان يعرف ياسم الفيلق الافريقى .

 يضاف إلى ذلك  بعض الاعتبارات الجيوسياسية المتعلقة بالحدود المفتوحة والطويلة بين السودان وجيرانه، والقبائل المشتركة العابرة للحدود حيث توجد 26 قبيلة عابرة للحدود بين السودان وتشاد- على سبيل المثال – على امتداد حدود مشتركة تبلغ حوالى 1300 كيلومتر.وقد لعب هذان العاملان دورا مهما فى اتجاه توفير اجواء ومناخات مناسبة للتدخلات الخارجية التى يمكنها ان تستغل هذه الاوضاع الداخلية والصراعات القائمة من اجل دفع الازمة الى مزيد من التعقيد والتوتر لخلق اوضاع جديدة تخدم اهدافها السياسية والاقتصادية.

وهكذا اصبحت التدخلات الخارجية تشكل أحد أهم العوامل التى تحول الآن بين الأزمة والتحول نحو الحل، بعد أن تنقلت محاولات تسوية الازمة بين خمسة محطات أساسية بدأت باتفاق "أبّشى"  فى سبتمبر 2003 ، ثم اتفاق نجامينا فى ابريل 2004 ، مرورا بمحطة اديس ابابا فى يونيو 2004 ، الى ان بلغت محطة ابوجا التى استغرقت ما يقرب من عامين للوصول الى اتفاق ابوجا فى مايو 2006 ، والذى أخذ فى  التداعى بمرور الوقت، وصولا الى محطة الدوحة والتي بدأت بقرار من الجامعة العربية بتكليف قطر بالوساطة في مشكلة دارفور منذ اكتوبر 2008م، ثم جرى بعد ذلك بشهرين  توحيد الجهدين العربي والإفريقي في مبادرة واحدة تتم إدارتها عبر منبر الدوحة، غير أن هذه المفاوضات مازالت تراوح فى مكانها لمدة تقترب من العامين غير قادرة على إنجاز إتفاق نهائى، على الرغم من توقيع اتفاق حسن نوايا مع حركة العدل والمساواة فى فبراير 2009 ، ثم تطويره بعد جهد كبير ومراحل متعددة، إلى اتفاق إطارى مع حركة  العدل والمساواة أيضا فى فبراير 2010، وهو ما انتهى إلى انسحاب حركة العدل والمساوة من العملية التفاوضية بالدوحة فى يونيو 2010 إثر توقيع اتفاق إطارى آخر مع كيان جديد تم إنشائه عبر توحيد عدد كبير من الفصائل المسلحة تحت مسمى "حركة التحرير والعدالة "، الأمر الذى جعل عمليه التسوية لازمة دارفور تصبح بعيدة المنال من جديد بعد أن ساد الإعتقاد أنها قد اوشكت على الحل .
 
والشاهد أن هذا الارتباك ناتج عن  تعدد الفاعلين المؤثرين على اتجاهات ومسارات أزمة دارفور ومن ثم تعدد الاجندات الخاصة بكل فاعل من هؤلاء الفاعلين ، الأمر الذى يعكس نفسة فى حالة الارتباك والفوضى التى تزداد كلما تم الاقتراب من بدء عملية تفاوض سياسى جاد نحو الحل .

وبشكل عام يمكن القول أن الأطراف التى تلعب الآن ادوارا متزايدة التاثير على مسارات الازمة فى دارفور، تنقسم إلى اطراف دولية أهمها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الاوروبى والمجتمع الدولى ممثلا فى الامم المتحدة ومجلس الامن، و بعضها اقليمى أهمها أدوار كل من تشاد وليبيا وارتريا، وهناك فريق ثالث ينتمى الى فئة الفاعلين الجدد فى النظام الدولى مثل منظمات المجتمع المدنى وجماعات الضغط ومنظمات الإغاثة والإعلام الدولى .

على المستوى الاقليمى نجد أن هناك أدوارا أساسية ومؤثرة لكل من تشاد وليبيا واريتريا، وكل من هذه الدول الثلاث تتصرف طبقا لاسس ومنطلقات مختلفه. فنظام ادريس ديبى يتدخل مكرها حيث أصبح استقرار الاوضاع فى تشاد مرتبط بشكل عضوى وهيكلى بتطورات ازمة دارفور، الأمر الذى دفع الرئيس التشادى الى احداث انقلاب كامل فى مواقفة اكثر من مرة فى محاولة للبحث عن نقطة التوازن الحرجة التى تفتح فرصا أفضل أمام إستمرارية نظامه والحفاظ عليه من السقوط. إلا ان تشاد تحولت فى نهاية المطاف الى قاعدة خلفية لامداد التمرد بالاسلحة والعتاد وايضا بالمقاتلين، ثم عادت لتوقع فى فبراير 2010 اتفاق مصالحة وتوافق مع الحكومة السودانية يلتزم كل منهما بمقتضاه بإغلاق وحراسة الحدود المشتركة، مع الإمتناع عن تقديم أى دعم لمعاضى الطرف الاخر، الامر الذى أثر سلبا على موقف حركة العدل والمساواة وترتب عليه انخراطها بشكل أكثر جدية فى مفاوضات الدوحة إلى أن عادت "العدل والمساواة" وانسحبت من جديد بسبب مجموعة من العوامل المتداخلة التى تخص الحركة ورؤيتها لدورها وطبيعة الاهداف التى تسعى اليها.

 اما ليبيا فقد مارست تأثيرا واضحا على مسارات أزمة دارفور،  بهدف إبقاء التفاعلات الحادثة على حدودها الجنوبية مع دارفور وشمال تشاد تحت سيطرتها،  وذلك بسبب الضرورات الأمنية للنظام الليبى، والرغبة فى الظهور بمظهر الفاعل الاقليمى القوى. وفى سبيل تحقيق ذلك احتفظ الليبيون بعلاقات مفتوحة مع كل أطراف الأزمة فى وقت واحد، فهم يساندون ويدعمون العديد من الحركات المسلحة فى دارفور، حتى لوكانت هذه الحركات تختلف فى توجهاتها ومطالبها، كما يدعمون نظام إدريس ديبى فى تشاد ، وقد تجلى ذلك فى إسنادها ودعمها لنظامه بعد أن أوشك على السقوط فى مطلع فبراير 2008 بعد أن إحتلت المعارضة التشادية العاصمة "نجامينا"  وحاصرت القصر الرئاسى لمدة ثلاثة ايام. وهناك محدد آخر للسياسة الليبية تجاه أزمة دارفور يتمثل فى شخصية العقيد القذافى الذى ينظر إلى نفسه بإعتباره  "قائدا أمميا" يضيق به الوعاء الليبى ومن ثم لابد أن يلعب دورا أوسع .. كان عربيا ثم انقلب الآن افريقيا.

 غير أن الدور الليبى أدى فى النهاية إلى تصعيد الأزمة وإحداث إرتباكات هائلة بين أطرافها، كما إتضح فى  الصعوبات التى واجهت مؤتمر سرت فى اكتوبر 2007 والتى ادت فى النهاية إلى إفشاله، إلى أن اتسع الخرق على الراتق بعد أن توجهت أصابع الإتهام فى محاولة غزو إم درمان فى 10 مايو 2008 إلى  تشاد ومن ورائها ليبيا، ثم عدم فاعلية الجهود الليبية التى بذلت بعد ذلك تحت مسمى توحيد الحركات الدارفورية.

 اما الطرف الإقليمى الثالث فى الأزمة فيتمثل فى إريتريا التى رغم أنها  تقع على الحدود الشرقية للسودان، الا أنها تتدخل فى أزمة دارفورالتى تقع فى اقصى غرب السودان وعلى بعد عدة آلاف من الكيلومترات من الحدود السودانية الاريترية بثقل وتأثير يتفاوت من مرحلة إلى إخرى، إلا أنه يعتمد فى الغالب على توفير التسهيلات السياسية والدبلوماسية واللوجستية، وتتدخل اريتريا فى توجيه مسارات الازمة بأدوار تتنافس وأحيانا تتصارع مع ليبيا على النفوذ والتأثير، الأمر الذى يمكن تفسيره برغبة إريتريا فى الاحتفاظ ببعض الأوراق لاستخدامها عند اللزوم للضغط على الحكومة السودانية لصالح الهدف الاريترى الرامى إلى تعديل التوازنات الاستراتيجة فى القرن الافريقى التى تسير لصالح ثيوبيا التى هى الخصم الاساسى لإريتريا فى القرن الافريقى.

هذا وقد طرأ على ازمة دارفور فى الآونة الاخيرة متغير ذا دلالات خطيرة  تشير بشكل واضح وصريح الى تشكل بؤرة تهديد قريبة من الحدود المصرية، وقد تمثل ذلك فى الدخول العلنى لإسرائيل إلى ساحة الأزمة، عبر حزمة من الوسائل والاجراءات ، اشار اليها التقرير الشهير لوزير الامن الداخلى الاسرائيلى "آفى ديختر"، والذى حدد الهدف الاستراتيجى لاسرائيل من التدخل فى هذه الازمة بأخذها الى نفس المسار الذى سلكته مشكلة جنوب السودان من قبل. أى التحول إلى حق تقرير المصير ثم الإنفصال. حيث أن الأهداف الإسرائيلية من الأزمة تتصل بشكل مباشر بالإستراتيجية الرامية إلى تغذية الإنقسامات الإثنية والمذهبية فى أكثر من مكان فى العالم العربى ، وتهدف فى الحالة السودانية الى تفكيك السودان أو دفعه إلى الفوضى، وهذا يمثل خطورة مضاعفة ذات أثر مباشرعلى مصر وأمنها وحدودها الجنوبية، ويختلف بالنسبة لمصر- بشكل جذرى - عن الاوضاع المماثلة فى العراق او لبنان او اى مكان آخر.
 
•    المواقف والسياسات المصرية تجاه الازمة السودانية

1- جنوب السودان
ظلت مصر على الدوام تتحفظ على الموافقة على منح حق تقرير المصير لجنوب السودان كوسيلة لانهاء الحرب الاهلية فى الجنوب، لإدراك القاهرة أن هذا المسار سوف يعرض السودان لتداعيات بالغة الخطورة قد تؤدى إلى انفصال الجنوب وربما إلى حدوث تداعيات إخرى فى الشمال سوف لن يكون من السهل السيطرة عليها، الأمر الذى ثبتت صحته بشكل واضح طبقا للتطورات الحالية. وكانت الرؤية المصرية للحل تقوم على أساس إرساء مبدأ المواطنة والمساواة التامة بين كل المواطنين دون تمييز بسبب اللون أو العرق أو المعتقد، وقد إنعكست هذه الرؤية فى بنود المبادرة المشتركة التى قدمتها مصر بالاشتراك مع ليبيا والتى جاءت خالية من أى إشارة إلى حق تقرير المصير كخيار مطروح على مائدة المفاوضات، غير أن توقيع بروتوكول ما شاكوس فى 20 يوليو 2002 بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، والذى كان يحوى الموافقة على حق تقرير المصير لجنوب السودان بعد فترة إنتقالية قدرها 6 سنوات ، جعل الموقف المصرى يتحول إلى التعامل مع الأمر الواقع ويسعى إلى تبنى أهداف جديدة، تتمثل فى المساعدة على جعل الوحدة جاذبة، عبر الإسهام فى تنمية إقليم جنوب السودان وتشجيعه على البقاء فى السودان الموحد.

 وقد قامت مصر بالفعل بالمضى قدما فى هذه السياسة، كاستمرار لسياسة مصرية ثابته منذ عهد الرئيس السادات فى تقديم يد العون والمساعدة لابناء جنوب السودان، وتم افتتاح مكتب اتصال لحكومة اقليم جنوب السودان بالقاهرة، وقامت مصر بتقديم 300 منحة تعليم جامعى مجانا لأبناء الجنوب وإنشاء فرع لجامعة الاسكندرية فى جنوب السودان ، بدأت الدراسة به فعليا فى العام الدراسى 2009 -2010 تمهيدا لنقل الدراسة فى العام الذى يليه إلى الموقع الذى تم تحديده فى أراضى الجنوب بالإتفاق مع حكومة الإقليم الجنوبى . فى السياق نفسه قامت مصر ايضا بإنارة خمسة مدن جنوبية بالكهرباء على النفقة المصرية وإنشاء مركز طبى فى جوبا وعدد من المدارس والمنشأت، فضلا عن إفتتاح قنصلية مصرية فى جوبا للمزيد من التنسيق والتعاون.
 
وقد بدا واضحا أن السياسة المصرية تعمل على توطيد الصلات والعلاقات التعاونية مع الجنوبيين ، لتحقيق هدف الوحدة الجاذبة، ومن أجل تقديم صورة ايجابية لطرف عربى يمد يده للجنوب بالمساعدة والتعاون كبديل عن الصورة النمطية السائدة لدى الجنوبيين والتى تتسم بالسلبية، عبر الحروب المستمرة مع الشمال، وفى الوقت نفسه فان اتباع هذه الاستراتيجية يمكن مصر من حرية الحركة فى حالة اختيار الجنوبيين للانفصال كما هو واضح حاليا، فدولة جنوب السودان ستكون ذات أهمية خاصة بالنسبة لمصر لاسيما فيما يتعلق بقضايا المياه، حيث تقع العديد من المشروعات المقترحة لزيادة حصة مصر وشمال السودان من مياه النيل فى أراضى الجنوب، كما يمكن ملاحظة أن الأزمة المترتبة على توقيع دول المنابع لإتفاقية عنتيبى قد جعلت من موقف جنوب السودان أكثر أهمية بسبب حالة الاستقطاب السياسى التى نشأت عن هذا التوقيع المنفرد، فضلا عن أن انفصال الجنوب سيتبعه تزايد النشاط والوجود الاسرائيلى هناك الأمر الذى يقتضى عدم ترك الساحة خالية لإسرائيل للتأثير فى سياسات ومواقف الدولة الجديدة وتوظيفها لخدمة أهداف الإستراتيجية الاسرائيلية المعروفة فى تفتيت السودان وحصار مصر من الجنوب والضغط عليها عبر السعى الى تهديد مصالح مصر المائية فىحوض النيل.

2- ازمة دارفور
 اما الموقف المصرى من ازمة دارفور فقد تبلور فى سعى مصر باستمرار لتعديل واحتواء الاجواء الاقليمية غير المواتية التى أحاطت بأزمة دارفور وساهمت فى تعقيدها وتصعيدها، ويمكن التدليل على ذلك بالعديد من الشواهد، مثل مشاركة مصر بألفى جندى فى القوات الدولية المشتركة المرابطة فى دارفور بالتعاون بين الامم المتحدة والاتحاد الافريقى، والمشاركة فى كل المؤتمرات الإقليمية على المستوى الرئاسى وحرصها فى كل الاحوال على بناء نوع من الوفاق الذى يقود إلى الحل الساسى السلمى، كما أن مصر لعبت دورا أساسيا فى احتواء وتجاوز القرار 1706  الذى كان يتضمن بنودا تخل بسيادة السودان على أراضية،  وبعد ذلك دعمت القرار 1769 الذى قبلته كل الأطراف فى أزمة دارفور.كما لعبت القاهرة دورا أساسيا فى إسناد السودان فى مواجهة أزمة المحكمة الجنائية الدولية، فضلا عن الجهود المصرية المستمرة فى التواصل مع حركات دارفور المسلحة وتشجيعها على التوحد وبناء مواقف مشتركة .

إلا أننا يجب أن نأخذ فى الإعتبار أن الدور المصرى تجاه ازمة دارفور ظل لفترة من الوقت، وكأنه يتعمد أن يأخذ شكل محدودية الظهور أو التأثير تاركا موقع الصدارة للسياسة الليبية وللعقيد القذافى لفترة طويلة من الوقت دون تحقيق أى تقدم عملي، الأمر الذى أدى إلى محاولة سعودية فاشلة للتدخل عبر عقد ما عرف باسم "صلح الجنادرية " بين السودان وتشاد، ثم إلى ظهور منبر الدوحة وتطلع قطر للعب دور للوساطة فى دارفور ثبت أنها لاتمتلك الخبرات والمقومات اللازمة لإنجاحه عبر عمليات تفاوض عقيمة مازالت قائمة ومتواصلة رغم عدم تحقيقها لأى اختراق حقيقى نحو الحل .
وتجدر الاشارة هنا إلى أنه من الواضح أن المصالح والأهداف المصرية تجاه الأزمة السودانية بتجلياتها المتعددة، تختلف عن المصالح والأهداف الليبية أو القطرية، إن كانت تتلاقى او تتوافق جزئيا مع المصالح السعودية، ومن ثم فان محاولة مصر التساوق مع هذه السياسة أو تلك لم تكن أمرا موفقا أو مناسبا لمصالح مصر منذ البداية، حيث كان ينبغى على مصر أن تحرص على إظهار دورها فى قيادة وتكتيل الجهود العربية وتعبئة الموارد لمساعدة السودان على تجاوز أزمته الداخلية، وليس فقط الإكتفاء بمحاولة القيام بهذا الدور بطريقة  غيرمباشرة. و بناء على ذلك فقد يكون الوقت ملائما لمصر لتغيير توجهاتها فى هذا المجال، والتحرك للأمام لمحاولة شغل هذا الحيز، من أجل تحقيق هدفين: هما الحد من التدخلات الخارجية بأنواعها، بما فى ذلك التدخل الإسرائيلى ، والهدف الثانى هو زيادة مساحات الحركة أمام الدور المصرى، للحفاظ على تماسك الدولة فى السودان، ولحماية المصالح المصرية وتعزيز الدور الاقليمى لمصر .

وفى هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنه فى حالة إنفصال الجنوب فإن الأطر والاتجاهات العامة لأزمة دارفور، قد تشهد انتقالا الى مرحلة جديدة، تسير فيها على خطى المسار الذى اتبعته قضية الجنوب، فنتيجة لاستطالة  أمد الأزمة وتعثر أو إستعصاء التسوية السياسية، من المتوقع أن تاخذ المطالبة بحق تقرير المصير لدارفور مساحات أوسع بمرور الوقت.
 
 وقد بدا لبعض الوقت أن حالة المراوحة المتطاولة لأزمة دارفور والتى تعود إلى التعقيدات المرتبطة بها من تدخلات خارجية وتشرذم للحركات المسلحة واختلاف وتباين المطالب بين هذه الحركات- مع رفع سقف هذه المطالب من مرحلة إلى إخرى-  والعجزعن تكوين وفد تفاوضى موحد، أو تبنى رؤية مشتركة للتفاوض، قد  تصب فى نهاية المطاف ( فى حالة بقاء السودان موحدا ومكونا من اقليمين ) فى اتجاه إعادة تقسيم إقليم شمال السودان من الداخل إلى مجموعة من الاقاليم المتجاورة  تربطها بالمركز علاقة هشة، وببعضها البعض علاقات صراعية أو تنافسية فى أفضل الاحوال، إذ أن مجمل مطالبات  الحركات المسلحة الدارفورية تركزت لوقت طويل فى الحصول على اتفاق شبيه باتفاقية السلام الشامل التى حصل عليها الجنوبيون، وبمعنى أدق وباستخدام التعبير الشائع فى هذا الخصوص (الحصول على نيفاشا ناقصة حق تقرير المصير). وبالنظر الى أن أى اتفاق سوف تتم الموافقة عليه بالنسبة لاقليم دارفور سوف تتم المطالبة به من قبل الاقاليم والجهات الاخرى تبعا لنظرية الأوانى المستطرقة السائدة فى السودان ، فمن الطبيعى توقع ظهور مطالبات مماثلة بأقاليم إخرى بنفس الترتيبات والأوضاع،  وهى أقاليم الشرق والوسط وأقصى شمال السودان، الأمر الذى  يعنى من الناحية العملية تقسيم الاقليم الشمالى الى أربعة اقاليم متجاوره.

 إلا أن الانفصال المتوقع للجنوب قد يؤدى الى إعادة توجيه مسار أزمة دارفور، إذ أن ارهاصات المطالبة بحق تقرير المصير لدارفور قد بدأت فى الظهور من الآن ، حيث شرع عبدالواحد محمد نور ( المرتبط باسرائيل والمدعوم من فرنسا) فى وضعها كشرط أساسى لقبوله الاشتراك فى المفاوضات الهادفة إلى تسوية الأزمة، وقد بدأ موقف حركة العدل والمساواة فى التطور فى نفس هذا الاتجاه هذا الإتجاه، بسبب الموقف الصعب الذى تعانى منه الحركة اثر انسحابها من منبر الدوحة، وتعرضها لحالة من الحصار وتضييق الخناق على تحركات قائدها خليل ابراهيم، لاسيما وأن حركة العدل كانت قد لوحت فى السابق ابان مفاوضات ابوجا باللجوء الى خيار المطالبة بحق تقرير المصير وأوردته فى مقررات مؤتمرها الرابع ، ثم عادت بعد ذلك لتصمت عنه . هذا يعنى بشكل واضح أن السودان قد يتجه عقب الانفصال الى التفكك الى ثلاثة دويلات ، الاولى فى الجنوب والثانية فى الغرب والثالثة تشمل المساحة المتبقية فى الشمال والوسط.

وهكذا يبدو واضحاً للعيان أن السودان يمر فى الوقت الحالى بمرحلة مخاض صعبة ذات نهايات مفتوحة، الامر الذى يطرح عدة سيناريوهات اولها الانقسام الى دولتين شمالبة وجنوبية مع ما يواجه هذا الوضع من تحديات، والثانى هو التحول الى ثلاث دويلات، والسيناريو الثالث ينصرف إلى الانزلاق الى حالة من الفوضى أو التفكك.
والشاهد أن البيئة الداخلية في السودان وطبيعة التفاعلات السياسية فيه أدت إلى تهيئة المسرح للتدخلات الخارجيه واسعة النطاق، وخلقت المناخ الذي يسمح للآخرين باستدعاء الذرائع ، وساعد على ذلك أيضا تبني معظم القوى السياسية السودانية لأجندات ضيقة تدور حول الصراع على السلطة والمكايدات السياسية ، ولا تعطي المصالح الوطنية العليا ما تستحقه من أولوية، وإنما تسعى وراء أهداف محدودة قصيرة الأجل لا تستصحب معها الأبعاد الاستراتيجية المتعلقة بالحفاظ على وحدة السودان وتماسكه كوطن لجميع أبناءه على قدم المساواة، وبما يجعله قادرا على تحقيق نهضة تنموية تعتمد على موارد السودان الهائلة وصولاً إلى بناء هوية سودانوية مشتركة بعيدا عن الاستقطابات الدولية والسياسات المفروضة من الخارج .
غير أنه من الواضح أيضا أن مسألة الأجندات المحدودة هذه ترتبط بقضية إخرى أكثر جوهرية، تتعلق بفشل الحكومات الوطنية المتعاقبة فى السودان -منذ الاستقلال وحتى الآن- فى إستكمال مشروع بناء الدولة الوطنية أو على الأقل تبنى إستراتيجية واضحة للسير على هذا الطريق، ومما زاد الطين بله أن إنقلاب النقاذ الوطنى فى يونيو 1989 الذى أتى بالجبهة القومية الاسلامية التى يقودها الترابى إلى الحكم ، استصحب معه مشروعا ذا طبيعة اسلامية إقصائية، تتجاهل التكوين التعددى للمجتمع السودانى، وتحاول أن تفرض مشروعها للتغيير الاجتماعى والاقتصادى والسياسى بالقوة، الأمر الذى نتج عنه إرتداد المجتمع والقوى السياسية المختلفة إلى مرحلة الانتماءات الاولية، أى إلى الجهة والعرق والقبيلة، والتى كان السودان يطمح إلى تجاوزها عبر عملية ممتدة ذات طبيعة تنموية وتحديثية .

•    السودان والامن القومى المصرى

يظهر ارتباط الامن القومى بما يحدث من تطورات فى السودان بشكل واضح ويتجلى بأشكال عديدة، ولعل الذاكرة المصرية لا تنسى عملية نقل الكلية الحربية المصرية والمتبقى من طائرات سلاح الجو إلى منطقة وادى سيدنا بالخرطوم فى أعقاب هزيمة 1967، لكى تكون بعيدة عن متناول قوات العدو الاسرائيلى، إلا أن الأمر لايقتصر على هذا البعد المباشر ، بل يمتد إلى ما هو أعمق من ذلك خاصة فى هذه المرحلة التى يمر فيها السودان بظروف صعبة ودقيقة، فسيناريوهات التفكك أو الإنزلاق إلى حالة الفوضى تحمل فى طياتها مخاطر عديدة، ويمكن أن نشير الى أهمها على النحو التالى:

1-    ان تجزئة السودان أو تفككه أو تحوله الى الفوضى سوف يؤدى الى إعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية فى المنطقة الممتدة من الحدود الشمالية للسودان مع مصر وليبيا وصولا إلى منطقتى البحيرات العظمى من ناحية ومنطقة القرن الافريقى من الناحية الاخرى، ولايخفى اهمية هذه المناطق بالنسبة لمصر وارتباطها الوثيق بقضايا مياه النيل وأمن البحر الأحمر وتامين قناة السويس. فضلا عن تاثيرها على الأمن المباشر لمصر ودورها ومكانتها فى الاقليم . وفى ظل الاوضاع الحالية فان عملية إعادة الصياغة قد تتم خصما من مكانة مصر ومن قدرتها على التأثير والتدخل لحماية مصالحها الحيوية، لصالح قوى وأطراف اقليمية ودولية إخرى ذات تواجد فعلى فى هذه المناطق وتسعى بقوة لتوسيع نفوذها.
2-    يؤثر هذا أيضا على ملف أزمة المياه، والذى يحتل اولوية متقدمة فى التفكير الاستراتيجى المصرى فى المرحلة الحالية وفى المستقبل، فمسألة البحث عن موارد جديدة من المياه ، تكاد تعتمد بشكل رئيسى على مبادرة حوض النيل المشتركة، وظهور دويلة جديدة فى جنوب السودان أو إستمرار عدم الاستقرار، سوف يؤدى إلى خلق الكثير من التعقيدات فى هذا المجال، كما سوف يفسح المجال لخلق أدوات جديدة للضغط على مصر، عبر إستغلال الاوضاع فى الجنوب وفى أنحاء إخرى من السودان.
3-    ترتبط الازمة السودانية أيضا بظهور تهديد اخر من نوع جديد على الامن القومى المصرى، كاحد تداعيات ما يحدث قى السودان، وهو ظهور ما يسمى بحركة "كوش" التى تنادى بتحرير اراضى النوبة فى شمال السودان وجنوب مصر من "الاحتلالين " المصرى والسودانى وإعادة إحياء دولة النوبة القديمة، وهذه الحركة وان كانت ما تزال "انترنتية" ولم تستطع القيام بأى نشاط فعلى بعد، إلا أن معظم النار من مستصغر الشرر، ويجب أن تُقرأ هذه التحركات التى ترعاها دول معينه، مع ما يتم الترويج له من حديث عن النوبة بإعتبارهم أقلية مضطهده، ومع محاولة ربطهم بقضايا أقباط المهجر. وقد كانت عملية اختطاف بعض السياح الغربيين فى المثلث الواقع على الحدود المصرية الليبية السودانية، جرس انذار مبكر ومثال عملى على التهديدات الامنية التى قد ترد إلي مصر من هذا الاتجاه .
4-    ان عدم الاستقرار فى السودان  يعنى إستمرار وتزايد احتمالات تهريب الأسلحة عبر الحدود الجنوبية لمصر لاستخدامها فى عمليات عنف فى الداخل المصرى، وقد سبق حدوث ذلك إبان توتر العلاقات بين البلدين فى المرحلة الإولى من عهد نظام الانقاذ،  أو لمحاولة استخدام الأراضى المصرية كممر ، كما حدث فى حالة التفسيرات التى طرحت للغارات الاسرائيلية على شرق السودان فى مطلع عام 2009 .
5-    من المتوقع أيضا أن تتزايد عمليات الهجرة أو النزوح الجماعى المشروعة او غير المشروعة، بما فى ذلك من بعض الدول الافريقية ذات الحدود المفتوحة مع السودان، الامر الذى قد يخلق ضغوطا اجتماعية واقتصادية اضافية على مصر، إذ أن معظم النازحين لايمتلكون أى قدر من التعليم أو المهارات الفنية ، وليس لديهم ما يقومون باستثماره، ومن ثم فانهم يتسربون إلى أسواق العمالة الطفيلية، ويمثلون عبئا على كل مرافق الدولة والاقتصاد فى ظل حالة البطالة المنتشرة فى مصر. وفيما يتعلق بالتوترات الاجتماعية نشير الى حادثة المهندسين وما نتج عنها من حرج واساءة لصورة مصر، رغم كل الجهود الايجابية التى بذلتها مصر لتحاشى الازمة، بالاضافة الى ظاهرة التسلل الى اسرائيل، بما تحمله تلك الظاهرة من مخاطر أمنية على مصر بأشكال مباشرة أو غير مباشرة.
6-    ان كل ما سبق سوف يؤدى الى عزل مصر وحصارها من ناحية الجنوب، وازدياد امكانية فرض ضغوط قوية عليها من الخارج تتعلق بمقدرتها على توفير الامن لمواطنيها وتلبية احتياجاتهم الضرورية ، كما قد يحد من قدرتها على إعادة صياغة دورها الاقليمى ورؤيتها للمستقيل بالتحول نحو حوض النيل كخيار مستقبلى بديل يوفر لها فرصا حقيقية للنهوض والنمو بالتعاون مع بلدان الحوض و من اجل الفائدة المشتركة للجميع.

•    السياسة المصرية تجاه السودان:

ومن هنا تظهر أهمية وجود سياسة مصرية قوية ومبادرة تجاه السودان فى المرحلة الحالية، لدرء المخاطر والتهديدات أولا ولمحاولة شق مسار جديد لبناء وحماية المصالح، عبر الحفاظ على الحد الادنى من الاستقرار والعلاقات السلمية والتعاونية بين دولتى الشمال والجنوب فى حالة وقوع الانفصال، والسعى الى تسوية ازمة دارفور . ومن البدهى أن الغياب عن عملية إعادة الهيكلة أوإعادة الصياغة الجارية الان على قدم وساق، سوف ينتج عنه غياب القدرة على التأثير أو حماية المصالح المصرية، الأمر الذى يعنى بدوره انعكاسات سلبية للغاية على المصالح المصرية فى المستقبل، إذ أن القوى التى تقوم بتوجيه العمليات السياسية الرئيسة الآن فى السودان، هى التى سوف تهيمن فى المستقبل وسوف يكون لها تاثير واضح على كل التفاعلات ومسارات الأحداث .

فى هذا الاطار يمكن القول أن الاهتمام المصرى بالسودان قائم وموجود ويمكن ملاحظته فى العديد من التحركات هنا أو هناك, ولكنه غير كاف بالدرجة التى تتناسب مع ثقل مصر وضخامة مصالحها من ناحية، والظروف والتعقيدات التى يواجهها السودان من ناحية أخرى. وبناء على ذلك فإن السياسة المصرية بوضعها الحالى تصلح لمعالجة أو التعامل مع أوضاع مستقرة وليس مع مثل مثل هذه التفاعلات الهائلة التى تهدف إلى الفك والتركيب، حيث تظهر الحاجة الماسة إلى رؤية جديدة متكاملة تنظر إلى ما يجرى، وتعيد تعريف المصالح المصرية فى السودان وتسعى إلى تحقيقها بالوسائل والسياسات المطلوبة.
وغنى عن القول أن حجم الفرص والمخاطر فيما يتعلق بملف السودان يحتاج إلى إحداث التفاتة كاملة فى التوجه الاقليمى لمصر، وذلك كأولوية استراتيجية واضحة، وهذا لايعنى بطبيعة الحال إهمال الأولويات الاستراتيجية الحالية لمصر ، ولكنه يعنى رفع الاهتمام بالشأن السودانى من ناحية الترتيب ووضعه على قدم المساواة مع ملف الصراع العربى الاسرائيلى وتسوية القضية الفلسطينية، على أن يعمل هذا التوجه الجديد من خلال أداتين أساسيتين هما :
أ- الشراكة الاستراتيجية بين مصر والسودان .
ب - محاولة التواجد بقوة على مسرح التفاعلات السياسية الداخلية من خلال المساعدة على بناء وفاق وطنى داخلى فى دولة شمال السودان، والسعى الى، وتشجيع علاقة تعاونية بين السودان الشمالى والدولة الجنوبية المنتظره.

•    توجه اقليمى جديد: نحو السودان وحوض النيل

لاشك أن مصر تستمد الكثير من قدرتها على التأثير والحركة فى المحافل الدولية من دورها الإقليمى فى المنطقة العربية أو ما يعرف بإقليم الشرق الأوسط، إذا أن هذا يفتح لها مساحات أوسع للحركة كما يمنح سياستها الخارجية قدراً أكبر من الفاعلية، ويعطى لها الثقل اللازم لحماية المصالح المصرية السياسية والاقتصادية، ويدعم إدراكها لنفسها  كدولة اقليمية كبرى لها دورها فى حفظ الاستقرار والتوازن فى المنطقة.

وغنى عن القول أن مصر قد اهتمت طوال الخمسين عاما الماضية بالصراع العربى الاسرائيلى، وركزت أنظارها على الشمال الشرقى ومنطقة المشرق بشكل عام، فى الوقت الذى فتر فيه الاهتمام الى حد كبير بالسودان وأيضا ببلدان حوض النيل والقرن الافريقى، عدا بعض الفترات فى عهد الرئيسين السادات ومبارك مع الرئيس نميرى، والتى لم تترك أثرا يذكر فيما بعد . وكان الانطباع الدائم ان السودان سيظل قائما هناك، وفى ظل عدم وجود متغيرات أو تهديدات رئيسية، لم يكن هناك ما يبعث على إتباع أى تغيرات جذرية فى السياسة أو التوجهات المصرية. إلا أن الاوضاع تتغير الآن بوتائر متسارعة، حيث لم تتبقى سوى اشهر معدودة على استفتاء حق تقرير المصير لجنوب السودان المقرر فى يناير 2011 ، والذى من المتوقع ان يؤدى الى انفصال الجنوب ، ومن ثم سوف نشهد  سودان آخر غير ذلك الذى عرفته المنطقة طوال نصف القرن الماضى.

هذه التطورات تفرض على الدولة المصرية أن تحدث نوعاً من الالتفات فى سياستها الإقليمية بالتوجه نحوالسودان ودول حوض النيل، بحيث يصبح هذا التوجه هو مجال اهتمامها وتفاعلاتها ذات الاولوية الرئيسية، وهو الإنتماء الطبيعى والعريق لمصر. على ان يكون هذا التوجة فى اطار البعد الإفريقى لمصر وليس فى اطار الحديث عن دعم أمتها العربية، رغم أنه لايوجد تعارض فى تعدد مستويات الهوية المصرية بأبعادها المختلفة. وتجب الإشارة إلى أن هذا لايعنى عدم الإهتمام بالقضية الفلسطينية او منطقة الخليج وباقى الاهتمامات التقليدية الاخرى لمصر. فالتحدى الذى تواجهه سياسة مصر الخارجية هو تطوير القدرة على العمل بكفاءة واهتمام متساو مع أكثر من جهة وفى أكثر من إتجاه.

وأهمية هذا التوجه لو تم اعتماده تتمثل فى أنه سوف يؤدى إلى تحويل الكثير من المشاكل والسلبيات التى نعانى منها الى مزايا نسبية هائلة، تعمل لصالح مصر دون تكلفة او اعباء اضافية، فالزيادة السكانية سوف تكون ميزة ازاء الندرة النسبية للسكان فى حوض النيل ، وكذلك القدر المتوفر من التعليم والمهارات الفنية والقدرات الصناعية والتواصل مع التكنولوجيا .. الخ، فضلا عن أن الكثافة الحضارية وتماسك الهوية والثقافة الوطنية المصرية ورسوخ تقاليد الدولة فيها سوف يعطى الدور المصرى ايضا الكثير من القوة والزخم.
 
ويمكن القول إجمالا أن هذا التوجه من الممكن أن يمثل الفرصة الاقتصادية البديلة لمصر،  حيث ان التوجه جنوباً سوف يوفر فرصاً طبيعية هائلة لاستغلال التكامل فى الموارد، فالسودان لديه أراض ومياه ومعادن وثروات هائلة، وقلة فى عدد السكان فى الوقت الذى يعانى فيه من اضطرابات سياسية وجهوية وإثنية واسعة النطاق جعلت كل القوى السياسية فيه فى حالة من الضعف، وبعض هذه القوى يوجه نداءات متكررة لمصر بالتواجد وتقديم الدعم، الامر الذى يوفر طلبا سودانيا داخليا على الدور المصرى ويخلق قاعدة مناسبة واجواء ايجابية للتعاون والشراكة .

وقد يرى البعض أن مثل هذه السياسة تحتاج إلى حشد إمكانيات وتخصيص موارد واسعة سياسية واقتصادية وإعلامية وثقافية، إلا ان القول بمحدودية الموارد، لا يمكن القبول به فى هذا السياق، إذ أن مصر لها دور تاريخى وثقافى مازال حاضراً فى السودان ككل، ولها أرضية واسعة للحركة، وهناك نداءات متكررة لمصر بالتدخل من جانب أطراف سودانية عديدة خاصة فى الوسط والشمال النيلى، أى أن الدور لا يعتمد على الإمكانيات المادية وحدها، كما أنه يمكن الاستعانة بشكل واسع النطاق بمنظمات المجتمع المدنى والجهود الشعبية والقطاع الخاص، عبر تكثيف التواصل مع كل القوى السودانية، وتبادل الزيارات، وتنظيم اللقاءات مع القيادات السودانية المختلفة.
وتجدر الاشارة الى أن أحد أوجه قصور السياسة المصرية الحالية تجاه السودان، أنها سياسة تعتمد على معالجات قد تصلح فى اوقات السلم والاستقرار، إلا أن الأوضاع الحالية والمتغيرات المتسارعة فى السودان تحتاج إلى استراتيجية أشمل تنطلق من رؤية سياسية شاملة، وبحيث تحشد لها الموارد من كل الاتجاهات، ولذا فإن هذا الوضع يحتاج إلى إنشاء هيئة خاصة بشئون العلاقات المصرية السودانية، تتبع لرئاسة الجمهورية مباشرة، ويقف على رأسها شخصية متخصصة ومتفرغة وذات ثقل، تتولى بلورة الخطط والسياسات والتنسيق بين الأجهزة والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وتكون لها صلاحية خاصة تنبع من تبعيتها لرئاسة الجمهورية.

هذا التوجه نحو السودان وحوض النيل يمكنه أن ينطلق من خلال  دعم مصر لوفاق داخلى سودانى، وإعتبار الشراكة الاستراتيجية مع السودان هدفا استراتيجيا، على النحو التالى:

  أ- بناء وفاق داخلى فى السودان:

‏‏ تحتفظ مصر فى الوقت الحالى بخطوط اتصال مفتوحه وعلاقات جيدة  مع الحكومة السودانية وكذلك معظم القوى السياسية السودانية فى الشمال والجنوب، بالاضافة الى حيازتها لقنوات اتصال نشطه مع الفصائل المسلحة فى دارفور‏,‏ الامر الذي اصبح يمثل مصدرا للقوه النسبيه وأحد مؤهلات نجاح أي تدخل لإنهاء الصراعات القائمة والمساعدة على بناء وفاق داخلى,‏ كما أنه من المعروف أن مصر هي الطرف الوحيد الذي ليس له مطامع او مطالب خاصه من هذا الطرف أو ذاك ‏,‏ لأن مصلحتها الأساسيه هي الحفاظ علي التماسك والاستقرار‏,‏ وذلك بخلاف الأطراف الإقليميه الاخري التي لعبت أدوارا متباينه في الأزمه السودانية بدءا بالولايات المتحدة وبريطانيا وانتهاء بدول الايجاد وليبيا وتشاد واريتريا‏.‏

إلا أن ما يجب أن يحظى بالاهتمام فى حالة تحرك مصر فى هذا الإتجاه,‏ هو الخلفيه والرؤية للاستراتيجية التى ينطلق منها هذا التحرك والمدي والأثر الذي يرمي إليه،‏ والذى يجب أن يهدف لتهدئة الاوضاع واحتواء ظواهر التشرذم والتفلت، ومن الناحية الاخرى أن يكون هناك دور وتواجد لمصريسعى لمنع الاضرار بأى مصالح مصرية حالية او مستقبلية عب اتدخل فى السودان.

‏ وإذا كان أى تحرك فاعل يلزمه استثمار الكثير من الموارد، فان هذا لايعني ان مصر سوف تكون مطالبة بان تقدم مساعدات قد تعجز عنها اوضاعها في الوقت الحالي‏,‏ حيث انها تستطيع ان تقدم الكثير من مواردها البشريه وخبراتها وثقلها الدبلوماسي ‏.‏ فمصر يمكنها أن تلعب أدوارا عده في دارفور وفى الجنوب والشرق من خلال عمليات إغاثه واسعه وتوفير قوافل طبيه وكذلك بعثات تعليميه وجهد إعلامي وثقافي وتنويري‏,‏ وكل ذلك يتطلب تمويلا إلا ان المكون البشري فيه هو الأكثر كلفه وهو متوافر لمصر‏,‏ وتستطيع ان تشرك فيه الجهد الاهلي من خلال المنظمات والنقابات ورجال الأعمال‏,‏ وسوف يلقي ذلك استجابه هائله طبقا للشواهد القائمة بالفعل,‏ فضلا عن امكانيه اجتذاب دعم مالى واسع من العالم العربي لهذه العمليه من خلال تحالفات مصر فى العالم العربى ‏.‏ والأهم من كل ذلك ان تنطلق الرويه المصريه من استراتيجيه متعدده المستويات في داخل السودان وعلي المستويين الاقليمي والدولي‏,‏ وهو الامر الحاصل الآن بالفعل‏,‏ ولكن في اطار محاولات التهدئه ولملمه الاوضاع‏,‏ الامر الذي ثبتت محدودية جدواه، ومن ثم فلابد من المبادره بكل قوه وتركيز علي الداخل السودانى الآن لنزع فتيل الانفجار للحفاظ علي كيان الدوله السودانية، قبل أن تصيبه تشققات وصدوع سيصبح من الصعب علاجها‏.

ب- الشراكة الاستراتيجية

قد يكون من  الأفضل استخدام هذا المصطلح كبديل عن مصطلح التكامل المصرى السودانى الذى يحمل ظلالا سلبية لدى بعض السودانيين باعتبارة عملية كان المقصود منها دعم نظام الرئيس الاسبق نميرى، ناهيك عن أن التكامل السابق لم يترك أثرا يذكر، وليس هناك ما يدعو إلى التمسك به لإعادة إنتاج الفشل، كما أن المصطلح نفسه يقصر عن التعبير عن متطلبات المرحلة الحالية. أما مصطلح الشراكة الاستراتيجية فانه يعنى الندية فى التعامل بين الشركاء والتوازن فى الحصول على المنافع، وهو يخاطب بعض الهواجس السودانية التقليدية التى تشكو من التعالى المصرى  أو تخشى أن يكون التعاون بين البلدين لمصلحة مصر على حساب السودان.

والشراكة الاستراتيجية يجب ان تنهض على أساس اقتصادى وظيفى يسعى لاحادث تبادل اقتصادى وتجارى واسع النطاق يشمل كل مراحل العملية الانتاجية والتنموية ، ويسير فى إطار تواصل مجتمعى على المستويات الثقافية والاعلامية والاجتماعية، بحيث تنشط حركة التواصل بين البلدين فى الاتجاهين بما يخدم مصالحهما معا. على أن يكون عماد هذه الحركة القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدنى وحركة الافراد والسلع ورؤوس الاموال، وهدفها  المستقبلى أن يكون هناك تكامل اقتصادى حقيقى ينمو ويتطور مع الوقت الى شراكة متكاملة ، مع بقاء النظم السياسية فى البلدين مستقلة تبعا لخصوصياتها السياسية والاجتماعية.

وقد يقول قائل كيف يمكن بناء هذه العلاقة وفق هذا التصور والسودان يمر بمرحلة عدم استقرار وأزمات عدة فى أماكن مختلفة، والإجابة أن هذا العامل يمثل دافعا أساسيا للاسراع بهذه الاستراتيجية الشاملة التى يمكنها أن تساعد على احتواء هذه الازمات واقناع  الاطراف المختلفة ببناء الوفاق الداخلى، فضلا عن أن هذا العمل إذا بدأ من الان بالدرجة الكافية من العزم ووضوح الرؤية فانه سيشكل بلا شك احد العوامل الدافعة  والساعية الى رأب الصدع عكس الكثير من الادوار الاقليمية والدولية التى تسعى الان إلى الدفع باجندانها الخاصة على حساب وحدة السودان واستقراره.