أحاديث سودانية


فى مطلع هذا الشهر وتحت هذا العنوان عقد معهد ابحاث السلام بجامعة الخرطوم بالاشتراك مع مركز دراسات المجتمع ندوة هامة استمرت ليومين. نوقشت خلالها عدة أوراق بحثية  شملت مواقف دول الجوار السوداني تجاه تقرير مصير جنوب السودان.  كما تناولت عددا من القضايا النوعية عن تأثير إستفتاء حق تقرير المصير على قضايا المياه والنفط وإقتصاديات المنطقة، بمشاركة عدد كبير من الخبراء والباحثين والمهتمين من الولايات المتحدة وبريطانيا ومصر وإوغندا وكينيا وإثيوبيا، بالاضافة إلى نخبة من الخبراء والأكاديميين من جنوب السودان وشماله  .
 
فيما يتعلق بمواقف دول الجوار فقد تداولت الندوة مواقف كل من مصر وليبيا وإوغندا وكينيا وإثيوبيا فى ظل حضور نوعي كثيف شمل الأكاديميين وممثلي البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني. وكان من بين الاوراق التى لقيت إهتماما خاصا وحظيت بنقاشات مكثفة تلك التى تناولت مواقف كل من مصر والتى قدمها كاتب هذه السطور، ثم موقف إوغندا (د. كينقا سالي سمبا الاستاذ بجامعة ماكريرى)  و كينيا ( فرد جونيو من جامعة نيروبى ) وإثيوبيا ( د. عبدالوهاب الطيب البشير من جامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم).  

إستعراض ما دار فى هذه الندوة يستحق عرضا تفصيليا مدققا، سوف نقدمه فى موضع آخر إن شاء الله، غير أننا نشير فى هذه العجالة إلى ملاحظتين أساسيتين على مواقف دول الجوار الأساسية المعنية بقضية الانفصال المتوقع لجنوب السودان، الإولى أن الاوراق المقدمة بسبب طابعها البحثى العلمى تناولت مواقف هذه الدول بقدر من التفصيل والصراحة، فاشارت الورقة المقدمة عن موقف كينيا الى تشجيع وتحبيذ نيروبى لانفصال الجنوب لما تعتقده كينيا من أنه يجلب لها منافع وفوائد إقتصادية، وتناولت الورقة العديد من التفاصيل فى هذا الإطار ، إلا أن المحصله النهائية لما قدمته الورقة ثم النقاش الذى أعقبها أن كينيا تتخذ موقفا مؤيدا للجنوب لكنها فى نفس الوقت لاتتخذ مواقف معادية لشمال السودان، وذلك بعكس الموقف الإوغندى الذى يؤيد جنوب السودان، وفى الوقت ذاته يقف ضد الشمال إلى حد الخصومة والعداء، وكان من اللافت أن تحتوى ورقة الدكتور سمبا، تناولا صريحا ومفصلا لما أسماه هو ب "العامل الاسرائيلى"، بمعنى ان مواقف إسرائيل واستراتيجيتها التى بدأت تطبيقها فعليا منذ أوائل الستينيات لعبت دورا أساسيا فى تشكيل المنظور أو المفاهيم الاوغندية فى التعامل مع مشكلة جنوب السودان جنبا الى جنب مع العامل الاثنى والدينى وبما يفوق دور هذين العاملين الأخيرين. وفى هذا السياق يجب الانتباه بقوة إلى السمة أو الخاصية التى أصبحت تفصح عن نفسها، وهى الحديث بصوت جهير عن تأثير ودور اسرائيل فى منطقة شرق إفريقيا، وكأن المقصود بذلك هو التمهيد لأدوار مباشرة وأكثر علنية فى المرحلة المقبلة بعد أن كان هذا الدور يتدثر بالسرية والغموض.    

الملاحظة الثانية هى ان موقفى كل من كينيا وإوغندا المؤيدين للانفصال لم يثيرا فى القاعة او فى النقاشات أى قدر من الحدة أو الخلاف فى وجهات النظر بعكس الموقف المصرى الذى من الثابت انه داعم للوحدة طوال الوقت، حيث أفصحت التعليقات والمداولات عن مزيج من اللوم وخيبة الامل من الموقف المصرى، الذى رأى العديدون انه من الناحية العملية لا يمانع فى الانفصال، أو أنه يمسك العصا من المنتصف.

هذا الالتباس مبعثه فى تقديرى هو طبيعة العلاقات المصرية السودانية والتى تعانى الكثير من التناقض فى المفاهيم الحاكمة لطريقة الإقتراب أو التعامل لدى قطاع لا يستهان به من النخبة السودانية على إختلاف إنتماءاتها، حيث كانت تعليقات البعض غير موضوعية بمعنى أنها تتجاهل الوقائع الثابتة وتقفز الى استنتاجات وخلاصات إنتقائية لكى تدعم وجهة نظر مسبقة. هذا الأمر يوضح اننا بحاجة الى قدر أكبر من التواصل بين شطرى وادى النيل من أجل مزيد من الفهم المشترك ومن أجل سد الثغرات والفجوات فى مرحلة حساسة وحرجة للغاية تعاد فيها صياغة الخرائط وحدود الاوطان وملامح المستقبل .
 
على هامش الندوة
تجدر الاشارة هنا إلى ما إتسمت به الندوة التى إستمرت يومين من دقة التنظيم والتخطيط والجهد الكبير الذى بذلته اللجنة المنظمه التى أشرف عليها كل من الدكتور محمد محجوب هارون مدير معهد أبحاث السلام، والاستاذه مشاعر الدولب مدير مركز دراسات المجتمع،  لإخراج الندوة بهذه الصورة المنضبطة التى ركزت على الوصول الى خلاصات عملية وواقعية تلقى الضوء على الكثير من الجوانب المتعلقة بقضية تقرير مصير الجنوب ومساراتها، التى أصبحت تحتل الحيز الأكبر من التفاعلات فى هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان . ومما لاشك فيه أن وجود الدكتور محمد محجوب هارون، على رأس الفريق الأكاديمى الذى قاد هذا العمل كان كفيلا بتحقيق هذه النتائج، فمحمد محجوب هارون بلا تزيد أو مجامله، هو أحد أهم وأنبه أبناء السودان.. فهو يتسم بالوطنية الدافقة والخلق الرفيع والمبادرات الخلاقه. وهو بلا شك من القلة التى تمتلك فكرا يتسم بالنضج والعمق مع القدرة على الإمساك بناصية الموضوعية طوال الوقت، كما أنه يسعى دائما الى بناء الوفاق واستكشاف المشتركات والبناء عليها، ويتمتع بصبر طويل وهدوء واثق وشمائل تنبع من النُبل وتنتهى إليه.. وهو فى النهاية نموذج نادر لا يتكرر كثيرا فى الجيل الواحد .

 مع السفير المصرى
من الظواهر الإيجابية التى لفتت نظرى أن سفارتنا بالخرطوم تتابع عن كثب الأنشطة والفعاليات الفكرية والثقافية، وقد تيسر لى فى اليوم التالى للندوة لقاء سفيرنا فى الخرطوم السفير عبد الغفار الديب  الذى كان يشغل من قبل منصب القنصل العام لمصر بجوبا، الأمر الذى إنعكس بشكل كبير فى إلمامه الدقيق باوضاع الجنوب ومناطقة الجغرافية وتكويناته القبلية، وقد لمست من خلال الحديث معه مدى الجهد الذى بذلته مصر فى السنوات القليلة الماضية، حيث شرح بالتفصيل المشروعات التى قامت بها مصر فى مجالات الصحة والتعليم والكهرباء والزراعة والتدريب بمواقعها المختلفة. وقد أشار السفير الى ملاحظتين هامتين الإولى أن مصر لم تقم بدعم  الجنوب عبر أى تحويلات نقدية، بل قامت بإنشاء هذه المشروعات مع تجهيزها للعمل بشكل متكامل لخدمة السكان المحليين ( بلغت التكلفة أكثر من مليار جنية مصرى بخلاف التكلفة التقديرية لفرع جامعة الاسكندرية والتى سوف تتجاوز 700 مليون جنية مصرى ) . الملحوظة الثانية: أن التحرك المصرى تجاه الجنوب أخذ فى الحسبان توزيع هذه المشروعات فى مختلف المناطق والولايات ولم يقصرها على منطفة معينة فى محاولة لنشر هذه الخدمات لاستفادة عدد اكبر من السكان بتنوعاتهم المختلفة . قلت لسعادة السفير ولكن سياسة مصر ومواقفها تجاه السودان وبخاصة تجاه قضيتى الوحدة والانفصال تحتاج الى الكثير من الجهد للشرح والايضاح، فقال اتفق معك ولكننا نعانى من موقف دقيق وحساس  بسبب طبيعة الموقف داخل السودان فكل طرف يتساءل ما اذا كنا ندعم الطرف الآخر.. والحقيقة أننا ندعم الوحدة والاستقرار .

نقلا عن الأهرام الاقتصادى