•    نشرت هذه الدراسة تحت عنوان ( عملية سلام جنوب السودان .. مخاض صعب لتوازن حرج)  فى سلسلة كراسات استراتيجية، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 149، مارس 2005.

•    توشك اتفاقية نيفاشا على الوصول الى منتهاها مع إقتراب موعد الاستفتاء على حق تقرير المصير فى يناير 2011 فى أجواء لا يمكن وصفها بالتعاونية ، بل هى مشحونة بالترقب والتوتر، وحبلى بالخلافات والأزمات الخطرة.. فشتان ما بين أجواء التفاوض وأهداف أو ( أحلام المتفاوضين ) آنذاك، وبين تفاعلات الواقع التى أفضت إلى تطبيقات ملتبسة ونهايات لاتحمل إجابات بقدر ما تحمل فى طياتها أسئلة جديدة عاصفة، وهى فى هذه المرة لاتتعلق بطبيعة التسوية أو نقطة التوازن فى المساومات الصعبة بين المتفاوضين.. بل تنصرف إلى أسئلة الوجود والكينونة !!

-------------------------

7- الأجواء المحيطة بالتفاوض وأزمة وثيقة "ناكورو"
غير أن الوصول إلى هذا الاتفاق، لم يؤد إلى سرعة البت في القضايا محل التفاوض كما كان مأمولاً، بل حدث العكس إذ أثبتت الأحداث التي تلت ذلك أن هناك الكثير من العقبات التي لم يتم اجتيازها بعد. وكان من أهم المظاهر الدالة على ذلك المناورات والتحركات السياسية التي بدأ يقوم بها الطرفان المتفاوضان في إطار سعى كل منهم لتعزيز مواقفه التفاوضية ومحاولة الحصول على أكبر قدر من التنازلات من الطرف المقابل. وإذا كان من الصحيح أن هذا يمثل سلوكاً مألوفاً ومتوقعاً في أى مفاوضات تجرى لحل أى قضية معقدة مثل الحرب الأهلية التي تنطوي على أبعاد اجتماعية وسياسية وتاريخية ممتدة، إلا أن خطورتها في الحالة السودانية كانت تنجم عن أن تحركات كل طرف لا تحافظ على الحد الأدنى الذي تم التوافق عليه في الجولات السابقة بل تتجاوز ذلك بالسعي إلى تقويض ما تم إنجازه أو التلويح بذلك من خلال ردود أفعال تتسم بالحدة أو بالمبالغة في كثير من الأحيان، ويحاول كل طرف من خلالها تعبئة القوى المؤيدة له بما في ذلك اللجوء إلى الرأي العام، الأمر الذي يؤدى إلى تأجيج المواقف وعرضها بشكل إعلامي واستعراضي يهدف إلى التحريض والاستنفار، ومن ثم يؤدى إلى تباعد المواقف وصعوبة الوصول إلى حلول وسط. إذ أن التراجع في هذه الحالة يكون محفوفاً بكثير من المحاذير بعد الإيغال في التعبئة والحشد وراء مواقف الحد الأقصى التي تناقض روح عملية التفاوض نفسها، والتي تقوم بطبيعتها على الحلول الوسط والتنازلات المتبادلة.
والشاهد أن هذه المرحلة من عملية التسوية شهدت خلطاً للأوراق من جميع الأطراف، بما في ذلك القوى السياسية الواقعة خارج دائرة التفاوض، وذلك تطلعاً من هذه القوى للحصول على جزء أكبر من الكعكة أو محاولة لعب دور سياسي (لغير المشاركين في التفاوض) يمكن ترجمته فيما بعد للمشاركة في السلطة أو محاولة التمهيد لذلك. والإشارة هنا إلى الجدل الذي تصاعد في تلك الفترة حول مسألة العاصمة القومية فكل من حزب الأمة وحزب المؤتمر الشعبي رغم أنهما ليسا مشاركين في التفاوض، وليس لديهم القدرة على التأثير في مجريات الأمور بشكل مباشر، إلا أن كليهما قرر على ما يبدو في ذلك الوقت أن التدخل في مسألة العاصمة القومية قد يكون الوسيلة الأنسب للعب دور ما. فلا يخفى على هذين الحزبين أن مؤازرتهما لموقف قرنق في رؤيته لمسألة العاصمة تشكل ضغطاً هائلاً على حكومة الإنقاذ التي لم يتبق لها من شرعية تستند إليها سوى التمسك بقوانين الشريعة في الشمال ورفع صوتها عالياً في هذا الشأن. والأمر نفسه ينطبق على الحزب الاتحادي بزعامة الميرغني الذي بدا واضحاً أن الأحداث كانت تسبقه بالرغم من رئاسته للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض الذي يضم في عضويته الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى جانب آخرين، فبعد أن انفردت الحركة الشعبية بالتفاوض في كينيا أصبح التجمع هيكلاً يكاد يكون خاوياً من القوة والمضمون وبقى أطرافه الآخرون حائرين لا يعرفون هل يؤيدون ما يجرى وهم مستبعدون، أم يعارضون ويناقضون بذلك الأسس التي أكدوا عليها مراراً وتكراراً منذ مقررات أسمرا سنة 1995؟
وفى ذات السياق بدأ يبرز تطور آخر شديد الخطورة والأهمية، حيث بدأ الوضع الأمنى في دارفور يتدهور منذ فبراير 2003 إلا أن ذلك التدهور أخذ في التزايد في الأشهر التالية، وجرى الإعلان عن نشأة "حركة تحرير السودان" التي بدأت برفع مطالب سياسية ضد التهميش والمطالبة بالعدالة، وجاء هذا الإعلان بشكل مدو إثر قيام هذه الحركة بهجوم عسكري خاطف على مدينة الفاشر العاصمة التاريخية لدارفور.
في ظل هذه الأجواء كانت المفاوضات تسير ببطء شديد، فالحركة الشعبية تنتهز أي فرصة سانحة للمراوغة والسير في حركة دائرية. وسعت الحركة إلى الاستفادة القصوى من الضجيج الذي ثار حول مسألة العاصمة القومية من خلال إعلان القاهرة الذي وقعته الحركة مع كل من حزبي الأمة والاتحادي وأيضاً من خلال "وثيقة لندن" التي وقعتها مع حزب المؤتمر الشعبي، كما دأبت الحركة على إعادة طرح المسائل، فما أن يتم الاتفاق على قضية ما، إلا ويعاد طرحها مرة أخرى بشكل مختلف وبحجج وأسانيد مختلفة، بهدف إرهاق نظام الإنقاذ واستنزافه لأطول وقت ممكن تحت الضغوط الإقليمية والدولية التي تطالب بالتسوية، وأيضاً إزاء الضغوط الداخلية التي جعلت الجميع يتطلعون إلى السلام بعد أن أرهقت الحرب الجميع.
ونتيجة لأجواء البطء والمراوحة في عملية التفاوض، بدا للوسطاء أن الوسيلة المناسبة لبلورة المواقف ودفعها إلى الأمام هو تقديم بعض التصورات المكتوبة إلى الطرفين لحلول وسط مقترحة من جانب سكرتارية الإيجاد، على أن يقدم كل من طرفي التفاوض رؤيته حول هذه الحلول، لحصر النقاط محل الخلاف ومحاولة التفاوض بشأنها للوصول إلى اتفاق نهائي. وقد جاءت وثيقة الإيجاد، التي عُرفت باسم "وثيقة ناكورو"، كمقترح أخير لحل الأزمة السودانية وذلك في نهاية جولة  المفاوضات التي انعقدت في يوليو 2003 في "ناكورو" بكينيا، بمثابة الصدمة القاسية للحكومة السودانية، حيث قدم الوسطاء الذين يمثلهم الجنرال لازارس سيمبويا مقترحاً يؤسس بشكل واضح لدولتين لا تربط بينهما إلا خيوط واهية: إحداهما في الجنوب والأخرى في الشمال، وبدا للكثيرين آنذاك أن هذا المقترح يهدف إلى جعل الفترة الانتقالية مرحلة إعداد وتهيؤ لدولة الانفصال لإحكام سيطرتها وبناء مؤسساتها ووضع البنية الأساسية لأجهزتها. وفوق ذلك جعلت هذه الوثيقة الجنوب كله تحت السيطرة المنفردة للحركة الشعبية التي يقودها جون قرنق متجاهلة القبائل والمجموعات الجنوبية الأخرى السياسية والعسكرية التي تمثل باقي الجنوبيين من غير المنضوين تحت لواء الحركة الشعبية والتي لا تقبل البقاء تحت سيطرة الحركة الشعبية أو هيمنتها بعد صراع مستمر بين الفريقين لمدة 13 عاماً فشلت فيه الحركة الشعبية في إحراز أي مكاسب ميدانية أو عسكرية على حساب هذه المجموعات. الأمر الذي قد كان له أن يؤدي إلى احتمال نشوب حرب أهلية أخرى في حالة إقرار وثيقة الإيجاد بشكلها الذي قدمت به.
وقد تجاهلت وثيقة ناكورو نص وروح إطار ماشاكوس الذي تم توقيعه في 20 يوليو 2002 رغم كل العيوب التي شابته، ففي هذا الإطار التزم الطرفان بالتفاوض من أجل حل سلمى وشامل للصراع في إطار وحدة السودان وليس في إطار تكريس هياكل انفصالية، كما نص بشكل واضح لا لبس فيه على صياغة وتنفيذ اتفاقية السلام بطريقة تجعل خيار الوحدة جاذبا، وعلى أن وحدة السودان المبنية على الاحترام والعدالة لجميع السكان هي أولوية الطرفين. إلا أن الجنرال سيمبويا قدم هذه الوثيقة متخطيا كل هذه المعاني في انحياز واضح لموقف الحركة الشعبية واطروحاتها التفاوضية.
أثارت وثيقة ناكورو وما تبعها من ردود أفعال أزمة كبيرة في المفاوضات، وخلقت أجواء غير إيجابية، أوحت بأن العملية التفاوضية قد تنهار. كما تجاوزت الوثيقة سقف مطالب الحركة الشعبية في بعض النقاط، وهو الأمر الذي رفضته حكومة الخرطوم والقوى الجنوبية المتحالفة معها، وكذلك القوى السياسية الأساسية المعارضة في الشمال ممثلة في الصادق المهدي ومعظم القادة الأساسيين في الحزب الاتحادي في الداخل، وأيضا تحفظت مصر على الوثيقة وإن كانت قد لقيت تأييدا خافتا من الرئيسين الإريتري والكيني.
وقد أعلنت الحركة الشعبية في رد فعل سريع بشكل لافت قبولها لوثيقة الإيجاد، وأكدت على لسان ممثليها أنها لن تقبل عنها بديلاً، ولوحت بعدم تجديد وقف إطلاق النار، الأمر الذي كان يعنى التلويح بالحرب. وفى السياق ذاته أعلن الجنرال سيمبويا أنه متمسك بالوثيقة ودعا الطرفين إلى تقديم ردودهما في الجولة التالية (المفترض أنها ختامية). وبدا أن الوسيط الكيني قد بدأ يتجه إلى العمل وكأنه قائم بالتحكيم وليس بالوساطة.
على صعيد آخر قامت 60 شخصية من جنوب السودان بتقديم مذكرة إلى الوسيط الكيني أعلنت فيها رفضها لوثيقة الإيجاد واعتبرت أن الوثيقة أعطت جون قرنق الانفراد بحكم الجنوب دون القوى السياسية الأخرى. وحذرت الوثيقة من أن الصراع سيتحول من صراع شمالي-جنوبي إلى جنوبي- جنوبي، وأن ذلك سيؤثر على دول الجوار وأن كينيا لن تكون استثناء في هذا المجال، وأن الحركة الشعبية لديها سجل حافل – خلال السنوات العشرين الماضية- بانتهاكات حقوق الإنسان والتطهير العرقي في المناطق المحظورة على السكان المحليين في غرب وشرق أعالي النيل وكذلك في شرق الاستوائية على سبيل المثال. وأكدوا في ختام مذكرتهم أن تجاهلهم وعدم أخذ نداءاتهم في الاعتبار سيكون له عواقب وخيمة.
أما الموقف الأمريكي فقد جاء متوازنا إلى حد ما، حيث أعلن جون دانفورث في زيارته السريعة إلى القاهرة والخرطوم ونيروبي أن الطرفين مطالبان ببذل الجهد لتجاوز العقبات، ووجه تحذيراً بأنه لم يعد متاحا الاستمرار في التفاوض دون سقف زمني محدد مشيرا إلى قرب نفاد التمويل المخصص لذلك في محاولة لحث الأطراف على حسم أمرهم. وفى هذا المجال يمكن القول إن الدور المصري الرافض للوثيقة قد ساهم في إحداث نوع من التفهم لدى واشنطن التي بادرت بإرسال بعض الخبراء لمناقشة النقاط الخلافية. وأعلن بعض المسئولين السودانيين أنهم في لقائهم مع المبعوث الأمريكي جون دانفورث بعد وصوله إلى الخرطوم قادما من القاهرة، وجدوا لديه تفهما واضحا لتحفظات الحكومة السودانية على الوثيقة ومخاوفهم من تكريسها للاتجاهات الانفصالية. وقد عزوا ذلك إلى وضوح الرؤية المصرية التي ساندت الخرطوم وأيدت مواقفها، وهو ما تجلى بشكل واضح فيما بعد في التصريح الذي أطلقه وزير الخارجية المصري أحمد ماهر واتهم فيه جون قرنق بالتعنت، وذلك إبان زيارة لوزير الخارجية الكيني لمصر بعد صدور الوثيقة. وهو التصريح الذي أحدث ردود فعل وأصداء واسعة النطاق وساهم بشكل كبير في دعم موقف الخرطوم.
من جانبها أعلنت الحكومة السودانية رفضها لوثيقة "ناكورو" واعتبرتها غير صالحة كمرجعية للتفاوض أو كإطار يجرى النقاش حوله. وقد جاء هذا الإعلان بشكل متفجر وغاضب. ورغم مبدأية موقف الخرطوم ووضوح منطقه، إلا أنه كان من الواضح أيضاً أن كلا الموقفين الداخلي والخارجي لا يسمحان للحكومة السودانية بالمضي في هذا الطريق إلى نهايته. فالحرب قد أرهقت الجميع والشعب السوداني ينتظر السلام ويرنو إلى وقف إراقة الدماء متطلعا إلى عهد من التنمية والاستقرار خاصة بعد ازدياد التوقعات والآمال المعقودة على استخراج البترول وتصديره. ومن ثم فالأجواء غير ممهدة للعودة من جديد إلى حرب سبق أن استمرت أكثر من عشرين عاما ولم يستطع أحد الطرفين حسمها، حتى أصبحت تبدو بلا نهاية. وعلى مستوى آخر ، فإن قضية الجنوب كان قد تم تدويلها بالفعل ولم يعد بمقدور أى من الطرفين اتخاذ مثل هذه القرارات الراديكالية بالعودة إلى القتال  مجدداً ، دون إسناد كامل من الأطراف الإقليمية والدولية الداعمة له. وقد مثلت هذه النقطة بالتحديد مكمن الضعف في الموقف الحكومي الذي كان يجد نفسه مهدداً بقانون سلام السودان، وبالتعبئة السياسية والإعلامية الهائلة على المستويين الأوروبي والأمريكي والتي تدعم وتميل إلى الطروحات الجنوبية باعتبارها صاحبة مظالم تاريخية ، وتنحاز ضد المواقف الحكومية حتى لو كانت مرنة ومعتدلة باعتبار أنها تمثل الطرف الذي أجحف تاريخيا بحقوق الجنوب، ومارس ضده الاضطهاد العرقي والديني والاستغلال والاسترقاق.. إلى آخر هذه المنظومة.
وعقب النتائج السلبية التي أدت إليها جولة ناكورو وما حدث من تباعد في المواقف بين الأطراف، تحولت القاهرة إلى محور نشاط مكثف فيما يتعلق بملف المفاوضات السودانية، حيث وصل إلى القاهرة الدكتور "رياك قاى" رئيس مجلس تنسيق الولايات الجنوبية، وهو أحد القادة الجنوبيين الذين عملوا مع جون قرنق من قبل، ثم انشق عنه ليتحالف مع القوات الحكومية السودانية في إطار اتفاقية الخرطوم الموقعة عام 1997. وقد أبدى الدكتور"رياك قاى" تحفظه الشديد على وثيقة ناكورو وأكد أنه لو تم تمريرها فسوف تؤدى إلى حرب جديدة ولكن بأطراف جنوبيين، كما شكك في مصداقية الحركة الشعبية ومواقفها تجاه وحدة السودان. وأعقب ذلك وصول جون قرنق إلى القاهرة في الأسبوع الأول من أغسطس 2003 في إطار تحرك سريع لشرح وجهة نظر الحركة تجاه المفاوضات وموقفها من وثيقة ناكورو، وأيضاً لمحاولة موازنة الآثار الناجمة عن الزيارة الناجحة لـ "رياك قاى" والتي ألقت الضوء بشكل قوى على قضية عدم تمثيل الحركة الشعبية لكل الجنوبيين. وهدفت زيارة قرنق أيضاً إلى محاولة طمأنة القيادة المصرية تجاه مطالب الحركة الخاصة بإيجاد جيشين خلال الفترة الانتقالية وشرح أبعاد هذا المطلب وعدم ارتباطه بوجود نيات انفصالية لدى الحركة كما تردد الحكومة السودانية.
وفى الوقت الذي كان فيه جون قرنق متواجداً بمصر، وصل إلى القاهرة في 11 أغسطس 2003 وزير الدفاع السوداني اللواء بكرى حسن صالح على رأس وفد عسكري سوداني رفيع المستوى والتقى فور وصوله بالرئيس مبارك بحضور وزير الدفاع المصري المشير حسين طنطاوى، كما عقد في اليوم الثاني اجتماعاً ثانيا مع المشير طنطاوى لبحث سبل دعم التعاون والعلاقات العسكرية بين البلدين. وقد أشارت هذه الزيارة إلى انتقال العلاقات الثنائية بين البلدين إلى مستوى ما من التنسيق العسكري، الأمر الذي أوضح الاهتمام البالغ لمصر بما يجرى في السودان واستشعارها أن هناك مخاطر حقيقية تهدد وحدته واستقراره نتيجة لما يجرى في المفاوضات وما يحيط بها من مناخ إقليمي ودولي غير موات لحكومة الخرطوم، واتساقاً مع هذا الفهم يمكننا أن نقدر الدعم المصري للحكومة السودانية من خلال الزيارة الخاطفة التي قام بها إلى الخرطوم كل من وزير الخارجية المصري أحمد ماهر واللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة المصرية في 2 سبتمبر2003 والتقيا خلالها بالرئيس السوداني وكل المسئولين السودانيين الممسكين بملفات التفاوض في السودان، حيث إن هذه الزيارة قد سبقت انعقاد جولة التفاوض التي كان ينظر إليها باعتبارها جولة حاسمة نتيجة الاستقطاب الحاد في المواقف الذي أعقب ناكورو. كما استمدت هذه الزيارة أهميتها الخاصة من وجود رئيس المخابرات المصرية التي تعنى عادة بالملف السوداني. ولاشك أن مرافقته لوزير الخارجية في هذه الزيارة تمثل إيماءة خاصة بالنظر إلى أنهما يقفان على رأس أهم مؤسستين مصريتين تهتمان بالشأن السوداني.
وهكذا، يمكن القول إن الموقف المصري المساند لحكومة الخرطوم قد ساعدها على تجاوز الأزمة من خلال لعب دور كبير في تصحيح الأجواء الإقليمية والدولية المحيطة بالمفاوضات والتي حاولت تصوير الخرطوم بأنها الطرف المتعنت نتيجة لرفضها لوثيقة ناكورو. كما ساهم الدور المصري أيضاً في إضفاء المزيد من الثقة والصلابة على المفاوض السوداني الذي كان يشعر دائماً بأنه مهدد بقانون سلام السودان ومتهم في نظر الأطراف الراعية بأنه غير راغب في الوصول إلى تسوية. ويمكن النظر إلى التصريح الذي أدلى به وزير الخارجية السوداني مصطفى عثمان إسماعيل في 7 أغسطس 2003 بأن العلاقات المصرية السودانية قد بلغت درجة الشراكة الكاملة، كمؤشر ذي دلالة في هذا المجال.
ونتيجة لفشل جولة ناكورو، كانت الحكومة السودانية قد شعرت بأنها في حاجة إلى اتفاق وطني عريض تقابل به هذا الموقف المتأزم، فاجتمع الرئيس عمر البشير بقادة أحزاب المعارضة السودانية في سابقة هي الأولى من نوعها منذ وصول نظام الإنقاذ إلى الحكم، ودعا إلى إنشاء لجنة قومية لإجراء حوار واسع للوصول إلى وثيقة "للإجماع الوطني" وتعهد بإلغاء قوائم حظر السفر، ورفع الرقابة الأمنية عن الصحف وإسناد هذه المهمة إلى مجلس الصحافة السوداني، كما تعهد بدراسة إلغاء حالة الطوارئ وبتوفير الحريات وإنشاء لجنة قومية للحوار مع القوى السياسية. وبالرغم من أن بعض قوى المعارضة قد نظرت إلى هذه المبادرة باعتبارها محاولة من نظام الإنقاذ لاستيعاب القوى السياسية والحصول على دعمها السياسي بالنظر إلى المأزق الحاصل في المفاوضات، دون تقديم تنازلات حقيقية للقوى السياسية المعارضة، إلا أن الرئيس البشير أصدر بالفعل في 12أغسطس2003 قرارين بإلغاء الرقابة على الصحف وإلغاء قوائم حظر السفر، الأمر الذي خفف من الاحتقان الداخلي.
وفى إطار السعي إلى التهدئة وحشد القوى في الداخل، استطاعت الحكومة السودانية الوصول في سبتمبر2003 إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع "حركة تحرير السودان" التي تقود عمليات مسلحة في ولايات دارفور غرب السودان، لمدة 45 يوماً من خلال اتفاق "أبشى"، برعاية الرئيس التشادي إدريس ديبى، في خطوة نظر إليها الكثير من المراقبين إلى أنها تهدف إلى إتاحة الفرصة للحكومة السودانية للتفاوض مع الحركة الشعبية في كينيا في أجواء أفضل.
8- لقاء طه – قرنق واتفاق الترتيبات الأمنية
بدأت الجولة التالية لأزمة ناكورو وهى تواجه أزمة حقيقية منذ بداية انعقادها، حيث هددت الخرطوم بالانسحاب إذا لم يتم سحب وثيقة ناكورو، واستمر الجمود في الموقف رغم تكوين ثلاث لجان من الطرفين لمناقشة القضايا الخلافية. كما بذلت الحكومة الأمريكية جهوداً إضافية لتجنب فشل هذه الجولة، حيث أعلنت عن نيتها التقدم بمقترحات وتعديلات من شأنها تسهيل عملية الاتفاق، ووصل والتر كانشتاينر مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشئون الإفريقية آنذاك للالتقاء بطرفي النزاع. وفى الوقت نفسه صدرت بعض التصريحات الأمريكية التي تنبه إلى ضرورة التوصل إلى حل، وأن هذا يحتاج إلى قرارات شجاعة من الطرفين، وأنه لم يعد هناك الكثير من الوقت، حيث إن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي سوف يفقدان اهتمامهما بالقضية السودانية خصوصاً وأن عملية التفاوض قد دخلت في عامها الثاني دون أن تلوح في الأفق بوادر حقيقية للحل. هذا وقد استخدمت الولايات المتحدة مزيجاً من الترغيب والترهيب، وعينت جيف ملينجتون القائم بالأعمال الأمريكي سابقاً في السودان، كممثل لها في المفاوضات. ويبدو أن الولايات المتحدة قد مارست أيضا بعض الضغوط على جون قرنق بالنظر إلى احتياج إدارة الرئيس جورج دبليو بوش إلى تحقيق إنجاز في المسألة السودانية يساعدها على التخفيف من الآثار السلبية للتدهور الأمني في العراق، خصوصا مع اقتراب موعد انطلاق الحملة الانتخابية لفترة الرئاسة الثانية آنذاك، وهو الأمر الذي يفسر بعض المرونة التي طرأت على مواقف الحركة بعد أن كانت تتصلب إلى درجة كبيرة في طروحاتها، وتتشبث بنصوص وثيقة ناكورو غير عابئة باتجاه المفاوضات إلى الفشل.
انطلقت هذه الجولة في البدء في منتجع "نانيوكى" السياحي بكينيا في مطلع نوفمبر2003، إلا أنها عرفت باسم جولة "نيفاشا" بالنظر إلى أن معظم المفاوضات دارت في هذه البلدة السياحية الصغيرة. وقد استمرت المفاوضات 22 يوما، الأمر الذي أوضح مدى ما واجهته من صعوبات، إلا أنها اتسمت بارتفاع مستوى التمثيل في وفدى التفاوض، خلافا لكل الجولات السابقة، حيث كان كل من النائب الأول لرئيس الجمهورية السوداني على عثمان طه وجون قرنق زعيم الحركة الشعبية على رأس وفدى التفاوض، مما عكس توافر الإرادة السياسية لدى الطرفين والعزم على إنجاح المفاوضات حيث يمتلك كل منهما صلاحية اتخاذ القرار في أي مسألة خلافية. ورغم الميزة التي يوفرها هذا المستوى القيادي للتفاوض، إلا أنه كان يحمل في طياته أيضا حقيقة أن عدم الوصول إلى حلول وسط سوف يعقد العملية التفاوضية وربما ينذر باتجاهها إلى الانهيار. وربما شكل وعى الطرفين بهذه النقطة الدافع الأساسي لاستمرار المفاوضات الماراثونية بينهما كل هذا الوقت. فكل من على عثمان وجون قرنق كان يدرك أن انفضاض الجولة دون اتفاق سيكون له آثار سلبية للغاية، ليس فقط على التفاهمات الأولية التي تم التوصل إليها من قبل، ولكن أيضا على المناخ الإقليمي والدولي الذي كان يتابع المفاوضات بقدر كبير من الترقب والإشفاق من الفشل، وعلى مصداقية وموقف كل منهما خاصة أن الاجتماع بين طه وقرنق كان يعد بحد ذاته تقدما كبيرا في المفاوضات، يجب الحفاظ عليه وعلى قوة الدفع التي أنتجها، حيث سبق أن فشلت – قبل فترة وجيزة- محاولة عقد لقاء بين الطرفين في أبوجا بنيجيريا، رغم الاتفاق المسبق على كل الترتيبات، ولم يكن هناك تفسير حينها سوى أن قائد الحركة الشعبية كان يسعى إلى إحراج على عثمان طه وإضعاف موقفه داخل النظام باعتباره الشخص المتهم بقيادة اتجاه التشدد.
والشاهد أن ترتيب عقد هذا اللقاء كان يمثل محاولة للخروج من الجمود الذي سببته جولة ناكورو، كما كان يؤشر أيضا إلى الحاجة إلى إتباع استراتيجية جديدة في التفاوض، تختلف عن تلك التي حكمت المفاوضات في مراحلها السابقة. ويبدو أن هذا الفهم هو الذي دعا غازى صلاح الدين مستشار السلام السوداني ورئيس الوفد الحكومي الذي قاد المفاوضات منذ البداية إلى الاعتكاف وعدم حضور هذه الجولة ثم تقديم استقالته فيما بعد، حيث كان يرى أن الظروف لم تنضج بعد لمثل هذه الخطوة. ومن ناحية أخرى وحرصا على الوصول إلى نتائج محددة رأى الطرفان بعد فترة من الوقت الاقتصار على مناقشة الترتيبات الأمنية باعتبارها القضية المفتاحية التي يمكن إذا حصل اتفاق بشأنها الولوج إلى القضايا الأخرى. ومن ثم فقد أرجئ النقاش في قضيتى تقاسم السلطة والثروة إلى جولة تالية، ذلك أن الخلافات في هذين الملفين كانت قد انعكست سلبا على النقاش في ملف الترتيبات الأمنية.
 وفيما يتعلق بقضية الترتيبات الأمنية التي باشر الطرفان التركيز عليها، واستطاعا في النهاية الوصول إلى اتفاق حولها، فإن أهم بنودها نص على اتفاق الطرفين على إعادة نشر قوات الحكومة والحركة الشعبية في الجنوب وأيضا مناطق النزاع الأخرى في المناطق المهمشة وفى الشرق. وبموجب الاتفاق يقوم الجانبان بإنشاء وحدات مشتركة تضم جنودا من القوات الحكومية وقوات الجيش الشعبي مناصفة، خلال الفترة الانتقالية، ويتم توزيعها كما يلي:
– 24 ألف جندي يتم نشرهم في جنوب البلاد.
– 6 آلاف جندي في جبال النوبا.
– 6 آلاف جندي في جنوب النيل الأزرق.
– 3 آلاف جندي في الخرطوم.
ويتعين على الحكومة السودانية سحب قواتها الأخرى من جنوب السودان خلال عامين ونصف، في حين وافق الجيش الشعبي على سحب قواته من شرق السودان في غضون عام من الفترة الانتقالية، كما اتفق الطرفان على بقاء جيشين منفصلين خلال الفترة الانتقالية، وفى حالة تأكيد الوحدة على ضوء نتيجة الاستفتاء عقب الفترة الانتقالية سيتم تكوين جيش المستقبل في السودان من القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان. وقد وقع الاتفاق في 25 سبتمبر2003 كل من إدريس عبد القادر عن الحكومة السودانية، وبإقان أموم عن الحركة الشعبية.
ومن بين أهم نقاط الاتفاق اعتبار جيش الحركة الشعبية والجيش الحكومي جيشين وطنيين يتمتعان بمعاملة متساوية وعلى وضع عقيدة عسكرية جديدة للقوات المسلحة القومية في وقت لاحق مع الإشارة إلى إعادة هيكلة أجهزة أمن الدولة والشرطة وربطها بمستويات السلطة التي ستقوم بالإشراف عليها عندما تتم مناقشة قضايا السلطة لاحقا.
وتجدر الإشارة إلى أن أنباء الوصول إلى اتفاق الترتيبات الأمنية قوبلت بالفرح على المستوى الشعبي، كما رحبت بها كل الأطراف المعنية بالقضية باستثناء بعض التحفظات التي صدرت عن بعض القوى الشمالية مثل الصادق المهدي زعيم حزب الأمة القومي. كما أن الدوائر الحكومية نفسها وقيادات حزب المؤتمر الوطني الحاكم قابلت الاتفاق بما يشبه الصمت أو الحياد وثارت بعض التساؤلات حول مضمون وتوجهات العقيدة العسكرية الجديدة، وكذلك حول تمركز بعض قوات الحركة في الخرطوم. كما تحفظ على الاتفاق "منبر الجنوب" الذي يترأسه القيادي الجنوبي "بوناملوال" الذي كان وزيرا للإعلام في عهد الرئيس نميرى، وبعض قيادات القوى الجنوبية المتحالفة مع الحكومة إلا أن هذه التحفظات اهتمت أساسا بأوضاع الجنوبيين من غير أعضاء الحركة الشعبية.
في هذا الإطار يمكن القول إن اتفاق الترتيبات الأمنية مثًل نقطة متقدمة للغاية على طريق تحقيق السلام الشامل في السودان، إذ أن توقيع هذا الاتفاق وضع المسألة السودانية على طريق الحل التفاوضي وأغلق الباب أمام احتمالات العودة إلى الحرب، أو مواجهة الفشل وما يترتب عليه من مآس جديدة لم يكن أحد يعلم إلى أين يمكن أن تقود السودان.
 
9- اتفاق تقاسم الثروة في السودان والتفاوض تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية
    لم تشهد مفاوضات الأزمة السودانية تقدماً كبيراً بعد توقيع اتفاق الترتيبات الأمنية في نهاية جولة نيفاشا الأولى. وكان هذا الاتفاق قد أثار التفاؤل والأمل باقتراب الوصول إلى اتفاق نهائي للأزمة السودانية بين الطرفين المتحاربين، على أساس أنه قد أزاح من طريق التسوية واحدة من أهم العقبات التي كانت تثيرها الحركة الشعبية، والمتمثلة في إصرارها على الحفاظ على قواتها وعتادها العسكري تحت سيطرتها خلال المرحلة الانتقالية حتى يتم إجراء الاستفتاء على حق تقرير المصير. وكان هذا الإصرار ينبع من أن الحركة الشعبية كانت ترى في الإبقاء على هذه القوات الضمانة الأساسية لعدم نقض الاتفاق الذي سيتم التوصل إليه لاحقاً. ورغبة من حكومة الخرطوم في إبداء بعض المرونة جرى التوقيع على اتفاق الترتيبات الأمنية ببنوده المعروفة والذي أعطى سيطرة شبه كاملة للحركة الشعبية على الجنوب على مستوى القوات النظامية، وذلك أملاً في تجسير فجوة انعدام الثقة هذه، وإعطاء دفعة قوية للمفاوضات.
ورغم أن الاتفاق قد مثل في حينها اختراقا حقيقياً باتجاه الحل السلمي وأغلق باب العودة ثانية إلى الحرب، وخلق أجواء من التفاؤل والاستبشار، إلا أن هذه الأجواء لم تستطع الصمود طويلاً، حيث انعقدت نيفاشا الثانية في الفترة من 5 إلى 26 أكتوبر 2003، ولم تستطع أن تنجز شيئاً ذا بال. وظلت القضايا الرئيسية العالقة كما هى دون إحراز تقدم يذكر، وجرى ترحيلها إلى جولة نيفاشا الثالثة التي بدأت في 6 ديسمبر 2003، وكان مقررا لها أن تنتهي بالتوقيع على الاتفاق الإطاري في 19 ديسمبر 2003 لكى يتم التوقيع على الاتفاقات النهائية قبل نهاية العام إلا أن الصعوبات الجمة التي واجهت المفاوضات حالت دون الالتزام بهذا السقف الزمني الضيق، إلى أن تم الإعلان في 6 يناير2004 عن الوصول إلى اتفاق حول تقاسم الثروة كان من أبرز بنوده الاتفاق على تقاسم عائدات البترول المستخرج من الإقليم الجنوبي بحيث يتم تخصيص 50% منه للجنوب، ونص الاتفاق على ضرورة اقتسام ثروة السودان اقتساما عادلاً بين كافة مستويات الحكم بما يمكنها من القيام بواجبها ومسئوليتها القانونية. ونصت المبادئ على معيار متوسط المستوى الاقتصادي والاجتماعي والخدمي في الولايات الشمالية، وهو ما يجب أن ترتقي إليه الخدمات في الجنوب والمناطق المتأثرة بالحرب. وقد اهتم الاتفاق أيضا بموضوع ملكية الأرض والموارد وأنشأ لها مفوضية قومية للتحكيم في المنازعات القائمة في هذا الشأن مع إنشاء مفوضية للأراضي في الجنوب، على أن تتعاون وتنسق مع المفوضية القومية. وظلت المفاوضات تجرى حول المناطق الثلاث دون الدخول إلى ملف قسمة السلطة لفترة طويلة. وقد أثار ذلك الكثير من التساؤلات حول طبيعة هذه المفاوضات ووتيرتها البطيئة رغم انعقادها على مستوى القمة، وتعرضها للتعثر عدة مرات. وفى هذا السياق، يمكننا إدراج ملاحظتين رئيسيتين قد تساعدان على فهم الآليات العامة لهذه المرحلة من المفاوضات:
1- رغم الأجواء الإيجابية في الداخل الناتجة عن الرغبة الشعبية العارمة في إغلاق ملف الحرب والتوصل إلى تسوية، إلا أن كلا من طرفي التفاوض استمر في محاولة جمع المزيد من الأوراق التي قد تعمل لصالحه على طاولة الحل النهائي أو تضعف من قوة الخصم. فالأوضاع الداخلية أصبحت تخضع للترتيب، ليس من أجل مرحلة توقيع الاتفاق فقط ، بل امتد ذلك أيضا إلى محاولة الإعداد للفترة الانتقالية بتوازناتها وتحالفاتها السياسية، فجرى الإعلان عن لقاء رباعي في باريس يجمع بين المؤتمر الشعبي الذي يقوده الترابي، بعد أن أطلق سراحه من الاعتقال في أكتوبر 2003، عقب توقيع اتفاق الترتيبات الأمنية مباشرة وكل من الميرغني والمهدي وجون قرنق، إلا أن بعض التقارير أشارت إلى تحفظ واشنطن على هذا اللقاء وإخطارها لقرنق برغبتها في العدول عنه، خشية من عودة أسهم الترابي إلى الارتفاع من جديد، الأمر الذي قد يعنى إضعاف النظام الحاكم وشعوره بالعزلة، وهو أمر في غير صالح التسوية المزمعة التي تسعى إليها إدارة بوش. وبعد الفشل في عقد هذا اللقاء وبالتوازي معه أفلحت جهود نظام الإنقاذ في 4 ديسمبر 2003 في توقيع "اتفاق جدة" مع الميرغني بصفته رئيساً للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض. ورغم الجدل حول ما إذا كان الميرغني يمثل التحالف الوطني الديمقراطي فعليا أم أن الاتفاق من الناحية العملية ينصرف إلى الحزب الاتحادي فقط، إلا أن النتيجة النهائية تمثلت في حصول حكومة الخرطوم على ورقة تدعم موقفها التفاوضي في الجولات المتبقية من المفاوضات بعد الحصول على تأييد الميرغني لما جرى توقيعه من اتفاقات حتى ذلك الوقت، وكذلك الموافقة المسبقة على ما سيتم توقيعه في المستقبل. إلا أن هذا الدعم الذي حصلت عليه الخرطوم تعرض للانتكاس بعد ذلك حين تم قبول مسلحي دارفور كأعضاء في التجمع الوطني الديمقراطي الذي انعقدت اجتماعات هيئته القيادية في وقت لاحق في أسمرا، وبالتالي قامت الحكومة السودانية بتعليق الاتفاق الذي وقعته مع الميرغني، مستندة في ذلك إلى القول بأن قبول عضوية مسلحي دارفور يدعم التمرد في دارفور ويناقض الاتفاق الموقع بين الطرفين.
   2- أوضحت العملية التفاوضية أن القضايا والأوضاع في السودان مترابطة إلى حد كبير، ولذا فإن ما حدث من تصعيد خطير في ذلك الوقت في منطقة دارفور ارتبط بشكل أساسي بمفاوضات نيفاشا، إذ أن الأطراف المقاتلة في دارفور وكذلك الجهات التي تساندها سواء كانت محلية مثل حزب المؤتمر الشعبي الذي يقوده الترابي أو الحركة الشعبية لتحرير السودان أو بعض الجهات الخارجية، هدفت بالأساس إلى التأثير على عملية المفاوضات في كينيا، وعلى موقف نظام الإنقاذ، إذ أن أوضاع السودان، والتي بدأت تتسم بدرجة عالية من السيولة منذ بدء التفاوض، أغرت الكثيرين بمحاولة المشاركة في اقتسام الكعكة أو التأثير على طريقة توزيعها، فهذا هو الوقت المناسب لممارسة الضغوط ورفع المطالب. وعلى هذه الخلفية يمكن فهم التدهور الخطير في دارفور في تلك المرحلة، وعلى هذه الخلفية أيضا يمكن فهم مناورات الحركة الشعبية المستمرة، والوقت الطويل الذي استغرقته المفاوضات.
10- النزاع حول منطقة "إبيي"
حتى نهاية الربع الأول من عام 2004، كانت مفاوضات الأزمة السودانية قد قطعت أشواطاً كبيرة، ولم يتبق على توقيع الاتفاق النهائي سوى بعض التفاصيل في ملفي "قسمة السلطة" و"المناطق الثلاث"، إلا أن العقبة الأساسية حتى ذلك الوقت كانت تتمثل في الخلاف المستعصي بين الطرفين على تبعية منطقة "إبيى"، فالطرفان يقفان على طرفي نقيض ويتشبث كل منهما بموقفه، الأمر الذي خلق أزمة حادة في المفاوضات، وأدى أيضاً إلى تعطيل إنجاز الاتفاق حول المنطقتين المهمشتين الأخريين وهما "جبال النوبا" و"جنوب النيل الأزرق". فرغم التفاهم الحاصل حولهما إلا أن الحركة الشعبية رفضت توقيع الاتفاق الخاص بهما إلى حين الوصول إلى اتفاق حول وضع منطقة "إبيى" التي ترى الحركة أنها كانت تتبع مديرية بحر الغزال، ثم تم منحها إلى مديرية كردفان، وأن الإنجليز حين بدأوا سياسة تعيين الحدود الإدارية استشاروا سلاطين قبيلة "الدينكا نقوك"، وهى أحد أفرع قبيلة الدينكا الجنوبية، في مسألة عودة تبعيتهم إلى بحر الغزال في عام 1930، إلا أن السلطان "كوال أورب" سلطان "الدينكا نقوك" في ذلك الوقت رفض ذلك، ثم عاد الإنجليز لطرح الأمر مرة أخرى عام 1952 حين ظهر في الأفق أن سنوات الإنجليز في السودان أصبحت محدودة، إلا أن السلطان "دينق ماجوك" رفض ذلك مرة ثانية وفضل أن تظل تبعية المنطقة لكردفان لأسباب رأى أنها في صالح قبيلته. وتستدل الحركة الشعبية بذلك على أن هذه المنطقة جنوبية من الناحية التاريخية، وكذلك من الناحية الواقعية، وأنها يجب أن تعود لتكون تابعة لمديرية بحر الغزال بقرار إدارى، كما تم نقل تبعيتها من قبل بقرار إدارى.
وفى الوقت نفسه ترى الحكومة السودانية أن المرجعية التاريخية لمنطقة "إبيى" تقول إنها ظلت تابعة إداريا للشمال منذ عام 1905، أي على مدى مائة عام، وأنه طبقاً للوثائق فإن السودان بحدوده وجغرافيته الحديثة قد ضم مديرية بحر الغزال إليه في عام 1916 (مثلها مثل منطقة دارفور في غرب السودان)، حيث لم تكن تابعة لسلطة الحكمدار في الخرطوم قبل ذلك التاريخ، باعتبار أنها كانت منطقة ذات وضع خاص (منطقة محتلة منفصلة)، وأنه طبقاً للوثائق البريطانية فإن إبيى كانت تتبع الشمال منذ عام 1905 أي من قبل أن يتم ضم مديرية بحر الغزال وأنه من الناحية الفعلية والسكانية، فإن قبائل "المسيرية" العربية التي تقطن في "إبيى" كانت ترتاد المنطقة قبل وصول "الدينكا نقوك" إليها، وأنه رغم أن مركز المسيرة هو في "بابنوسة" و "المجلد" إلى الشمال من إبيى إلا أن المسيرية كانوا يرتحلون جنوباً في موسم الجفاف الطويل الذي يستمر ثمانية أشهر وكان ترحالهم إلى إبيى، بل أنهم كانوا يصلون إلى جنوب بحر العرب.
11- إعلان نيروبي للسلام
في أجواء يسودها الفتور جرى في 26 مايو 2004 وبعد جولات ماراثونية استغرقت مائة يوم توقيع ثلاثة بروتوكولات مهمة للغاية ومفصلية في عملية السلام السودانية، أولها لتقاسم السلطة والثاني لمنطقة إبيى، والثالث لمنطقتي جبال النوبا وجنوب النيل الأزرق. وعقب ذلك ببضعة أيام جرى جمع هذه البروتوكولات الثلاثة وضمها إلى الاتفاقيات الإطارية التي تم توقيعها من قبل، وتخص حق تقرير المصير وتقاسم الثروة، واتفاق الترتيبات الأمنية، ليتكون منها جميعاً إعلان نيروبي الذي يتكون من هذه الاتفاقات الست، والذي تم توقيعه في العاصمة الكينية في 5 يونيو 2004. وبذلك يمكن القول إن الملامح الأساسية لعملية السلام في السودان قد اكتملت، إلا أن هذا لم يكن يعنى انتهاء الحرب بشكل تام، انتظاراً لجولة المفاوضات المقبلة، والتي تقرر أن تنصرف إلى التفاصيل الإجرائية المتعلقة باتفاق الوقف الكامل لإطلاق النار، وتطبيقات اتفاق الترتيبات الأمنية من حيث قواعد إعادة تجميع وانتشار القوات وآليات تنفيذ اتفاقية السلام بما فيها اتفاق قسمة الثروة وأوضاع قوات المراقبة الدولية.
أ- بروتوكول اقتسام السلطة
أكد البروتوكول على حقوق الإنسان والحريات الإنسانية، وأن حكومة السودان شاملة كل مستويات الحكم في كل أنحاء السودان سوف تذعن تماماً لالتزاماتها وفق المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي تكون أو ستكون طرفاً فيها. وجاءت النصوص الجوهرية حول توزيع السلطة على النحو التالي:
1- تكون أشكال الحكم في السودان في الفترة الانتقالية كما يلي:
- المستوى القومي للحكومة الذي يمارس السلطة بهدف حماية وتعزيز السيادة القومية ورفاهية الشعب.
- مستوى حكومة جنوب السودان الذي يمارس السلطة على شعب وولايات الجنوب.
- ولايات السودان التي ستمارس السلطة على المستوى الولائى وتقدم الخدمات العامة عبر مستوى الحكومة اللصيقة بالمواطنين.
- مستوى الحكم المحلى في السودان.
وهكذا، أرست الاتفاقية أربعة أسس للحكم.
2 – أن يكون هناك نظام حكم لا مركزي بتوزيع معين للسلطات فيما يتعلق بالمستويات الأربعة للحكم.
3- تكون العلاقة بين الحكومة القومية وولايات جنوب السودان عبر حكومة الجنوب.
4 – تتكون الهيئة التشريعية من مجلسين: قومي، ومجلس ولايات (ممثلين اثنين عن كل ولاية)، على أن يكون هناك تمثيل عادل لشعب جنوب السودان في كلا المجلسين.
5- قبل إجراء الانتخابات (المفترض أن تتم في نهاية النصف الأول من الفترة الانتقالية)، تخصص مقاعد المجلس التشريعي القومي كالتالي. حزب المؤتمر الوطني الحاكم 52%، والحركة الشعبية لتحرير السودان 28%، والقوى السياسية الشمالية الأخرى 14%، والقوى السياسية الجنوبية الأخرى 6%.
6- أن تعديل الدستور القومي يتطلب الآتي:
- موافقة ثلاثة أرباع 75% من كل أعضاء كلا المجلسين (القومي والولائى) كل منهما على حدة.
- التعديلات على الدستور القومي المؤقت والتي يمكن أن تؤثر على بنود اتفاقية السلام لا يمكن طرحها إلا بموافقة الطرفين الموقعين على هذه الاتفاقية.
- أي تشريع يؤثر على مصالح الولايات يستلزم الحصول على أغلبية 66% من أعضاء مجلس الولايات.
7- تتكون السلطة التنفيذية من رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، وتتكون مؤسسة الرئاسة من رئيس ونائبين له، يكون النائب الأول هو رئيس الحركة الشعبية أو من يمثله (أي من الجنوب)، على أن تكون هناك شراكة وعملية جماعية لصنع القرار داخل مؤسسة الرئاسة، كما أن هناك قرارات يتخذها الرئيس بموافقة النائب الأول له في الحالات التالية: إعلان حالة الطوارئ، وإعلان الحرب، والتعيينات التي يطلب من الرئيس إقرارها بموجب اتفاقية السلام، واستدعاء أو حل الجهاز التشريعي القومي.
8- قبل إجراء الانتخابات ستخصص مقاعد الجهاز التنفيذي القومي كالآتي: حزب المؤتمر الوطني 52%، الحركة الشعبية 28%، القوى السياسية الشمالية الأخرى 14%، القوى السياسية الجنوبية الأخرى 6%.
9- العاصمة القومية ستكون هي الخرطوم، وفيما يتعلق بمسألة الشريعة التي ظلت قائمة في العاصمة فقد نص البروتوكول على أن "الاجتهاد القضائي في المحاكم لفرض عقوبات على غير المسلمين سوف يراعى مبادئ الشريعة القائلة إن غير المسلمين ليسوا معرضين للعقوبات "التي تسرى على المسلمين" وعلى ذلك فإن عقوبات مخففة سوف تطبق".
10- يتم تخصيص من 20% إلى 30% من وظائف الخدمة المدنية للمواطنين الجنوبيين المؤهلين حسب ما يتمخض عنه التعداد السكاني.
11- حكومة جنوب السودان: نص البروتوكول على أن يكون هناك حكومة جنوب السودان وفق حدود 1/1/1956، وستعمل هذه الحكومة بموجب دستور جنوب السودان، وتتمتع بالسلطة فيما يتعلق بولايات جنوب السودان، وتعمل كحلقة مع الحكومة القومية للتأكد من أن حقوق ومصالح شعب جنوب السودان ستكون مؤمنة خلال الفترة الانتقالية. كما نص البروتوكول على أن يتم توزيع السلطتين التشريعية والتنفيذية في إقليم الجنوب، قبل الانتخابات كما يلي: الحركة الشعبية 70%، حزب المؤتمر الوطني 15%، القوى السياسية الجنوبية الأخرى 15%.
12- مجلس الوزراء التنفيذي لجنوب السودان يكون مسئولا أمام رئيس حكومة جنوب السودان ومجلس جنوب السودان.
ب- البروتوكول الخاص بجبال النوبا والنيل الأزرق
تضمن هذا البروتوكول الكثير من التفاصيل، كما شهد خلافاً حاداً في اللحظات الأخيرة بين الطرفين المتفاوضين حول منصب الحاكم وتوزيع النسب في السلطة التشريعية. وقد جرى حل هذا الخلاف بعد وساطات وضغوط من تشارلز ستايدر مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشئون الأفريقية بصورة أقرب إلى مطالب الحركة الشعبية منها إلى مطالب الحكومة، حيث تم منح الحكومة 55% من مقاعد المجلس التشريعي و45% للحركة الشعبية، على أن يكون الحاكم في إحدى الولايتين من الحكومة وفى الولاية الثانية من الحركة الشعبية، ولا يتسلم أى من الحزبين قيادة الحكم في كلتا الولايتين في وقت واحد وأن يخصص منصب نائب الحاكم للحزب الذي لا يشغل منصب الحاكم.
كما نص البروتوكول على أن الاتفاقية ستكون محل تقييم في العام الرابع من الفترة الانتقالية، وأن هذا التقييم سيجرى من خلال مفوضيتين إحداهما تكونها الهيئة التشريعية المنتخبة للولاية، والأخرى تنشئها مؤسسة الرئاسة، وإذا وافق المواطنون على هذه الاتفاقية من خلال برلمانهم في أي من الولايتين، تصبح بذلك تسوية نهائية للصراع السياسي في تلك الولاية، أما إذا قرر أي من برلماني الولايتين تصحيح أي خلل في الترتيبات فيمكنه الشروع في المفاوضات مع الحكومة القومية.
وفيما يتعلق بالحدود، والتي كانت محل خلاف بين الطرفين أثناء المفاوضات، فقد اتفق على أن تكون حدود ولاية جنوب كردفان وجبال النوبا هي ذات الحدود لمحافظة جنوب كردفان السابقة عندما تم تقسيم كردفان الكبرى إلى محافظتين، وأن تظل ولاية النيل الأزرق بحدودها الحالية.
جـ- بروتوكول منطقة إبيي
فيما يتعلق بهذه المنطقة فقد وافق الطرفان على المشروع الذي كان قد قدمه المبعوث الأمريكي للسودان السيناتور جون دانفورث، في 19 مارس 2004، وجوهر هذا المشروع هو ترحيل هذه المشكلة إلى نهاية الفترة الانتقالية، حيث نص البروتوكول على ما يلي:
أ- أن المواطنين في أبيى يعتبرون مواطنين في كل من غرب كردفان وبحر الغزال، ويكون لهم ممثلون في المجالس التشريعية في الولايتين.
ب- صافى عائدات بترول منطقة أبيى يوزع على ست حصص، تحصل منها الحكومة القومية على 50%، وحكومة جنوب السودان على 42%، ومنطقة بحر الغزال على 2%، وغرب كردفان على 2%، والجهات المحلية في المسيرية على 2%.
ج – في نهاية الفترة الانتقالية يجرى استفتاء منفصل بالتزامن مع استفتاء جنوب السودان على الخيارين التاليين؛ أن تحتفظ أبيى بوضع إدارى خاص في الشمال، أو أن تكون أبيى جزءاً من بحر الغزال.
د – يتم تكوين لجان لتحديد حدود منطقة أبيى ومن هم المقيمون فيها، أي من لهم حق التصويت.
12- انعقاد مجلس الأمن في نيروبي والتوقيع النهائي في يناير 2005
كان من المنتظر أن تستغرق جولة المفاوضات الإجرائية حول آليات التطبيق فترة زمنية لا تتجاوز الستة أسابيع، ولكنها استغرقت ستة أشهر بسبب بعض الخلافات وأيضاً بسبب تدهور الأوضاع في دارفور إلى مستوى غير مسبوق وما ترافق مع ذلك من ضغوط هائلة على حكومة الخرطوم عبر صدور قرارين لمجلس الأمن لوحا بفرض عقوبات على السودان.
كانت الجولة الأولى للمفاوضات الإجرائية حول تطبيق الاتفاق قد انتهت في الأول من أغسطس 2004، ورغم توصلها إلى تفاهمات في معظم النقاط الخلافية، إلا أن هناك ثلاث قضايا كبرى ظلت بحاجة إلى مقايضة سياسية بين زعيمي الوفدين، وقد انحصرت هذه القضايا في نشر قوات مشتركة من الطرفين في شرق البلاد، وأوضاع الميلشيات الجنوبية المسلحة غير المنضوية تحت لواء الحركة الشعبية، والقضية الثالثة وهى الأهم تمثلت في الخلاف حول تمويل قوات الحركة الشعبية في المرحلة الانتقالية حيث طالبت الحركة بأن تمول الحكومة المركزية جيش الحركة بحجة أن اتفاق الترتيبات الأمنية نص على أن يتساوى جيش الحركة في التعامل مع الجيش القومي، وأن جيش الحركة سيشترك مع الجيش القومي والوحدات المشتركة في الدفاع عن السودان ضد أي عدوان خارجي.
أما الحكومة السودانية فقد رأت أن هذا النص لا علاقة له بتمويل جيش الحركة وأن الاتفاق لا يلزم الحكومة بالصرف حتى على الوحدات المشتركة التي ستكون مناصفة بين الطرفين، كما أن الحكومة لن تلتزم بالإنفاق على قوات لا تعرف عددها أو اعتمادها، ولا تشترك في قيادتها أو السيطرة عليها. وأن مجالات التمويل المختلفة سبق أن حسمت في اتفاقية قسمة الثروة.
وفى محاولة لتجاوز هذه الخلافات وبعد أكثر من شهرين من انفضاض الجولة المشار إليها، انعقد لقاء تشاوري عال بين كل من عثمان طه وجون قرنق في الفترة من 7-16 أكتوبر 2004 وتم حسم معظم القضايا العالقة والتي يمكن الإشارة إليها فيما يلي:
أ – الوحدات المشتركة بشرق السودان وجرى اتفاق على أن تسحب الحركة الشعبية قواتها من الشرق في مدى عام.
ب – الاتفاق على إنشاء وحدات فنية في إحدى الوحدات المشتركة وذلك كاستجابة غير مباشرة لمطلب الحركة الشعبية بأن يكون للجيش قوات جوية وقوات بحرية.
ج – إقرار المنهج التعاضدى لمعالجة أوضاع المجموعات المسلحة الأخرى، والمقصود بها الميلشيات الجنوبية المتحالفة مع الحكومة، وهذا كان يعنى ضمها إلى الجيش القومى أو الحصص التابعة له في الوحدات المشتركة، أو توظيفها في المجالات المدنية.
د – الاتفاق على الجوانب المتعلقة بدور بعثة الأمم المتحدة لدعم السلام.
وبقيت قضية تحويل قوات الحركة الشعبية وكذلك مواعيد استيعاب وإدماج القوات دون التوصل إلى اتفاق.
وبالرغم من مضى الوقت بعد ذلك إلا أن الطرفين لم يعودا إلى الاجتماع من جديد، وكان من الواضح أن حكومة الخرطوم كانت تحتح بذلك على الدور السلبي الذي لعبته الحركة الشعبية في مساندة حاملي السلاح في دارفور من أجل إضعاف موقف الحكومة، كما أن نظام الإنقاذ وجد نفسه واقعاً تحت وطأة ثقيلة من جراء الأزمة التي بدأت تنتقل إلى الخرطوم عبر المحاولات التخريبية التي أعلن عنها، ومن ثم يمكن القول إن هذه الأوضاع لم تكن هي الأنسب بالنسبة للحكومة السودانية للتوقيع على الاتفاق النهائي حول أوضاع جنوب السودان. وبدا أن هذا ربما يهدف إلى محاولة الربط بين القضيتين، أي محاولة دفع الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين إلى التهدئة في دارفور في مقابل توقيع الاتفاق النهائي الذي يعد أكثر أهمية ومحورية للرعاة الدوليين، حيث لم يكن من الممكن إضاعة كل هذا الجهد والوقت في التفاوض حول مشكلة الجنوب، ثم ترك الأمور للعودة إلى الحرب من جديد أو الانزلاق إلى حالة من الفوضى. وربما قدرت الحكومة السودانية أيضاً أن هذا الربط سيؤدى في النهاية إلى المساعدة على تطويق أزمة دارفور وإنهائها سياسيا، فالتوقيع على اتفاق سلام الجنوب سيخلق أجواء جديدة وسيدفع كل الأطراف إلى العمل على تسهيل الوصول إلى تفاهمات في دارفور من أجل مساعدة اتفاقات الجنوب على النجاح وهو ما لا يمكن الوصول إليه في حال بقاء الاضطرابات في دارفور مشتعلة أو استمرارها بنفس الوتيرة.
ويرتبط بهذا التحليل أيضاً التصريحات المتكررة من العديد من المسئولين السودانيين أن الضغوط الأمريكية بشأن دارفور ارتبطت بشكل قوى بأجواء ومتطلبات حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية وما تقتضيه من صخب إعلامي انصب على تصعيد الأزمة في دارفور، ومن ثم فإن بعض التريث في حل أزمة الجنوب في ذلك الوقت سوف يكون مفيداً.
ويبدو أن هذا التوجه قد حمل في طياته قدراً من الصحة، حيث اتخذ القرار الصادر عن الاجتماع الاستثنائي لمجلس الأمن – خارج مقره – في نيروبي في 8 نوفمبر 2004، منحى جديداً بشأن أزمتى الجنوب ودارفور، ففيما تعلق بالجنوب انتقلت ضغوط المجتمع الدولي من خانة استعمال العصا التي تهدد بعقوبات اقتصادية ودبلوماسية إلى خانة الإغراء والتلويح بالمكافآت إذا ما تم التوصل إلى اتفاق السلام، كما حصل المجلس على تعهد مكتوب في شكل مذكرة تفاهم من كل من الحكومة السودانية والحركة الشعبية بتوقيع على عثمان وجون قرنق، على إنهاء المفاوضات بينهما بنهاية ديسمبر على أقصى تقدير، ووعد المجلس في القرار الصادر عنه بهذه المناسبة بدعم السودان اقتصاديا عن طريق المؤسسات الدولية إذا احترمت الأطراف جميع التزاماتها.
أما فيما يتعلق بدارفور فقد تفادى القرار التلويح بالعقوبات حيث حمل مسئولية العنف واستمرار انتهاكات حقوق الإنسان وانعدام الأمن للطرفين معاً – أي الحكومة والمتمردين-، وطالبهما بالالتزام بوقف إطلاق النار، وكان هذا علامة تحول واضحة بعد أن كانت المسئولية في القرارين السابقين تقع على عاتق الحكومة وحدها.
وفى استجابة للتعهد الذي وقعه الطرفان جرى الإعلان في 31 ديسمبر 2004 عن الاتفاق على كل القضايا المتبقية بين الطرفين، وعلى رأسها قضية تمويل الحركة الشعبية، التي توافق الطرفان على ألا تمول من الجانب الحكومي الذي يمانع في الوقت نفسه، في تلقي الحركة معونات من الخارج في الخصوص، شريطة أن يمر أي دعم خارجي عبر الحكومة المركزية في الخرطوم. وهكذا، أصبح الاتفاق جاهزاً للتوقيع في صورته النهائية، وهو ما جرى في احتفال كبير في نيروبي في 9 يناير 2005.