•    نشرت هذه الدراسة تحت عنوان ( عملية سلام جنوب السودان .. مخاض صعب لتوازن حرج)  فى سلسلة كراسات استراتيجية، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العدد 149، مارس 2005.

•    توشك اتفاقية نيفاشا على الوصول الى منتهاها مع إقتراب موعد الاستفتاء على حق تقرير المصير فى يناير 2011 فى أجواء لا يمكن وصفها بالتعاونية ، بل هى مشحونة بالترقب والتوتر، وحبلى بالخلافات والأزمات الخطرة.. فشتان ما بين أجواء التفاوض وأهداف أو ( أحلام المتفاوضين ) آنذاك، وبين تفاعلات الواقع التى أفضت إلى تطبيقات ملتبسة ونهايات لاتحمل إجابات بقدر ما تحمل فى طياتها أسئلة جديدة عاصفة، وهى فى هذه المرة لاتتعلق بطبيعة التسوية أو نقطة التوازن فى المساومات الصعبة بين المتفاوضين.. بل تنصرف إلى أسئلة الوجود والكينونة !!
-------------------------
•    مقدمة
مثل توقيع بروتوكول ماشاكوس في 20 يوليو 2002، البداية الحقيقية لمفاوضات تسوية مشكلة جنوب السودان التي جرى توقيع الاتفاق النهائي بشأنها في 9 يناير 2005، حيث تواصلت هذه الجهود لما يزيد عن ثلاثين شهراً متصلة، لم تتخللها سوى فترات محدودة للراحة من الجولات المختلفة للتفاوض.
وقد استمرت المفاوضات حتى بعد أن جرى رفع مستوى التفاوض إلى مستوى القمة بعد أزمة "وثيقة ناكورو"، بترؤس كل من على عثمان طه النائب الأول لرئيس الجمهورية وجون قرنق زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان في 30 نوفمبر 2004 لوفدي التفاوض، حيث لم يثمر ذلك عن الأثر المطلوب في الإنجاز السريع للقضايا المعلقة، بعد أن فترت قوة الدفع الناتجة عن المفاوضات المباشرة بين القائدين عقب توقيع اتفاق الترتيبات الأمنية مباشرة. كما تداخلت أزمة دارفور مع مفاوضات مشكلة الجنوب وأثرت عليها سلبا بعد انفجار الأزمة في دارفور على نطاق واسع في منتصف عام 2004، فرغم توقيع الاتفاقات الإطارية الست جميعها التي تمثل جوهر اتفاق سلام جنوب السودان في يونيو 2004. إلا أن ذلك لم يؤد إلى توقيع الاتفاق النهائي إلا بعد التدخل الدولي المباشر عبر اجتماع مجلس الأمن في نيروبي في 9 سبتمبر 2004، والذي تعهد طرفا التفاوض خلاله بإنهاء عملية التفاوض في موعد غايته 31 ديسمبر 2004، وذلك بعد إدراك المجتمع الدولي أن إطالة زمن التفاوض أكثر من ذلك قد يؤدى إلى انفراط العقد وخروج الأوضاع في السودان عن السيطرة بعد اتساع رقعة القتال في دارفور، وما ترتب عليه من آثار سلبية على استقرار النظام السياسي نفسه بعد الكشف عن محاولات تخريبية في الخرطوم اتهمت فيها عناصر من المنتمين إلى إقليم دارفور.
وبشكل عام، يمكن القول إن التعثر الذي شاب هذه المفاوضات الشاقة والأزمات العديدة التي مرت بها وهددت بانهيارها أكثر من مرة، يعود في جوهره إلى الطبيعة المعقدة والمتشابكة لمشكلة الجنوب، وتداخلها مع كل الأوضاع السودانية الأخرى في الشمال والجنوب على السواء، وأيضاً لإدراك الطرفين أن هذه المفاوضات ستكون ذات تأثير حاسم على مستقبل السودان ككل، بدءاً من طبيعة هياكله السياسية وتوزيع السلطة والثروة فيه، مروراً بالعلاقة بين المركز والأطراف، وانتهاء بحدود ترابه الوطني التي أصبحت محل تساؤل بعد التوقيع الملزم على منح إقليم الجنوب حق تقرير المصير في بروتوكول ماشاكوس.
1- السياسة الأمريكية تجاه السودان وبدء عملية التسوية
منذ وصول نظام الإنقاذ إلى الحكم عام 1989، كانت واشنطن تنتهج تجاهه "سياسة مواجهة"، واستمرت هذه السياسة خلال فترتي إدارة كلينتون، وارتكزت على خلق إطار إقليمي معاد للحكومة السودانية، ووصلت هذه السياسة إلى ذروتها مع القصف الصاروخي الذي تعرض له مصنع للأدوية في الخرطوم عام 1998. وبعد مجيء الإدارة الجمهورية إلى الحكم أصبح من الواضح أن هذه السياسة بحاجة إلى المراجعة خصوصا مع الضعف الواضح للقوى السياسية السودانية المعارضة لنظام الإنقاذ واتضاح عدم قدرتها على تشكيل أو تقديم البديل للنظام القائم. وترافق مع ذلك حدوث تغير في الظروف الإقليمية المحيطة بالسودان، بانفجار الحرب الإثيوبية- الاريترية، والحرب الأوغندية- الكونغولية، بما أثر على قدرة هذه الدول على تقديم الدعم المناسب للقوى المعارضة لنظام الخرطوم.
وعلى مستوى آخر، كان نظام الإنقاذ نفسه يشهد بعض التحولات المهمة بعد انفجار الخلافات الداخلية وخروج الدكتور حسن الترابي وجناحه من الحكم، ومحاولة حكومة البشير التقارب مع الغرب والولايات المتحدة من خلال حزمة من السياسات والتوجهات الجديدة، والتي كان من أهمها: إيقاف مساندتها للتنظيمات الإسلامية المتهمة بالإرهاب، ومحاولة إحداث قدر من الانفتاح الداخلي والحوار مع قوى المعارضة، وإبداء قدر من المرونة فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان والحريات بشكل عام.  
في هذا السياق، أعلن الرئيس بوش في 6 سبتمبر 2001 (أي قبل أحداث 11 سبتمبر ببضعة أيام) عن تعيين مبعوث رئاسي له في السودان لمحاولة إنهاء الحرب الأهلية الجارية هناك منذ عام 1983، وجاء هذا التعيين بمثابة الإعلان عن انتقال الإدارة الأمريكية من سياسة المواجهة ومحاولة إسقاط النظام السوداني، إلى سياسة "خطوة – خطوة" جديدة، تعتمد على الحوار والتفاوض، مع عدم التخلي عن التلويح "بالعصا الغليظة" إذا لزم الأمر.
في هذا السياق كان تحسين العلاقات مع واشنطن قد أصبح واحداً من أهم أهداف السياسة الخارجية السودانية، وهو الهدف الذي تم إحراز قدر من النجاح الجزئي فيه من خلال التعاون الأمني والاستخباراتى الكامل مع واشنطن بعد أحداث سبتمبر 2001. وقد لقي هذا التعاون ترحيباً من الولايات المتحدة وإن لم يمتد إلى إحداث تحسن حقيقي في العلاقات كما كانت تأمل الخرطوم، ومن ثم لم تجد الأخيرة أمامها سوى الاستمرار في سياستها الرامية إلى الوصول إلى توافق مع واشنطن. لذلك لم يكن أمام الحكومة السودانية سوى التجاوب مع مهمة دانفورث، فتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في منطقة جبال النوبا في يناير 2002.
ومع مضى الوقت بدا أن واشنطن تسعى للضغط على الحكومة السودانية لدفعها بشكل متدرج إلى القبول بالتصور الأمريكي لإنهاء الحرب الأهلية في السودان وبدء مرحلة سياسية جديدة تتوافق مع المصالح الأمريكية ولا تتعارض معها. ويمكن القول إن الملامح الأساسية لهذا التصور في ذلك الوقت كانت تتركز في توحيد المبادرات المطروحة لحل أزمة السودان في مبادرة واحد، وإيجاد منبر واحد يحظى بالدعم الإقليمي (الأفريقي والعربي) والأوروبي، وإحداث تغيير جوهري في بنية نظام الإنقاذ السودانى القائم على شعارات "المشروع الحضاري والشريعة الإسلامية"، مع الإعلان عن ميل الإدارة الأمريكية إلى فكرة (دولة واحدة ونظامان)، أي شكل من أشكال الكونفدرالية.
وقد رفع السيناتور دانفورث إلى الرئيس الأمريكي تقريراً تفصيليا عن مهمته في السودان في إبريل 2002، أعلن فيه رؤيته وتوصياته لحل الأزمة السودانية، وأكد فيه أن أيا من طرفي الصراع غير قادر على حسم الحرب لصالحه، كما أنهما غير قادرين على التوصل بمفردهما إلى حلول سلمية بسبب الطبيعة الممتدة والمعقدة للصراع، وأن هذا يشكل مبرراً ومسوغاً لمشاركة أمريكية نشطة في عملية سلام طويلة الأمد، وأن ما يشجع على الدخول في هذه العملية أن الطرفين قد احترما الاتفاق الذي تم التوصل إليه في منطقة جبال النوبا قبل ثلاثة شهور. وقد أشار دانفورث إلى ثلاث قضايا أساسية في تقريره تركزت حول النفط، وحق تقرير المصير، ونظام الحكم، فذهب إلى أن التخصيص العادل للموارد النفطية يعد مفتاحاً أساسيا لمعالجة المسائل السياسية في إطار صيغة لتقاسم هذه الموارد بين الحكومة المركزية وأبناء جنوب السودان. وفيما يتعلق بحق تقرير المصير، فقد أوضحت الفقرات الخاصة به في تقرير دانفورث أنه لا يدعم هذا الحق بشكل مطلق وأنه ليس إلا وسيلة لحماية الجنوب من الاضطهاد، وأنه في ظل مقاومة الحكومة المركزية للانفصال فإن وجهة النظر الممكنة التحقيق، والتي يعتقد أنها الأفضل لتحقيق حق تقرير المصير هي التي تضمن حق الشعب في جنوب البلاد بالعيش تحت حكم يحترم دينه وثقافته، وذلك في إطار إعطاء ضمانات جدية داخلية وخارجية بحيث لا يمكن للحكومة أن تتجاهل في الممارسة أي وعود تقدمها أثناء مفاوضات السلام.
أما فيما يتعلق بمسألة الدين فقد أكد على ضرورة إيجاد ضمانات للحرية الدينية قد تكون داخلية أو خارجية، وأن ذلك يستلزم وجود وسيلة قضائية للتطبيق القسرى والملزم للحقوق الدينية، وقد يشمل ذلك ضمانات خارجية من خلال المراقبة الدولية لاحترام الحرية الدينية.
ويمكن القول إن تقرير دانفورث جاء متوازناً إلى حد كبير وحظي برضاء الحكومة السودانية والقوى السياسية الشمالية، وإن كانت هناك بعض التحفظات الجنوبية على التقرير خاصة فيما يتعلق بحق تقرير المصير، الذي لم يحبذه السيناتور دانفورث بشكل واضح، إذ أوضح ميله إلى الحفاظ على وحدة السودان، مع إعطاء الضمانات الكافية للجنوبيين لممارسة حقوقهم القانونية والدينية والحصول على حصتهم العادلة في السلطة والثروة.
استمرت جهود دانفورث، حيث قام بجولة زار فيها مصر وكينيا وبلدانا أخرى كما قام بزيارة أخرى للسودان التقى فيها بمعظم ممثلي القوى السياسية الداخلية، وزار كثيراً من المناطق سواء تلك التابعة للحكومة السودانية أو الواقعة تحت سيطرة قوات قرنق. انتهت هذه الجهود إلى العودة إلى تفعيل مبادرة الإيجاد بعد حدوث بعض الخلافات في وجهات النظر مع مصر بشأن مسألة توحيد المنابر والمبادرات، حيث تحفظت وجهة النظر المصرية منذ البداية على مبدأ حق تقرير المصير، ومن ثم بدأت المفاوضات في كينيا بين وفدى الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في ضاحية ماشاكوس، والتي انتهت بتوقيع بروتوكول ماشاكوس الشهير.
2 ـ بروتوكول ماشاكوس وحق تقرير المصير
تم التوقيع في 20 يوليو 2002 على الاتفاق الإطاري في ماشاكوس تحت مظلة مبادرة الإيجاد، وبحضور فاعل ومهيمن من كل من الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة أصدقاء الإيجاد، وعلى رأسها كل من بريطانيا والنرويج وإيطاليا، وقد أطلق هذا الاتفاق موجة هائلة من الأفعال وردود الأفعال داخل السودان وفى المحيطين الإقليمي والدولي.
وقد تضمن الإطار الاتفاق على قضيتين رئيسيتين ظلتا تشكلان جوهر النزاع فيما سبق: القضية الأولى: هي الاتفاق على منح الجنوب حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية قدرها ست سنوات، على أن تكون الخيارات المطروحة للاستفتاء هي الاستمرار في النظام الذي سيتم إقراره طبقاً لنظام التسوية، أو الانفصال في كيان مستقل.
القضية الثانية: الاتفاق على إطار دستوري متعدد الطبقات، بحيث يكون هناك دستور للشمال، ودستور للجنوب، ثم دستور قومي يجمع بين الكيانين الشمالي والجنوبي. ومؤدى هذا ومضمونه الأساسي هو الحفاظ على الشريعة الإسلامية في الشمال في الوقت الذي يكون فيه للجنوب دستوره وقوانينه الخاصة.
ورغم أجواء التفاؤل التي أطلقها الاتفاق، إلا أنه أثار في الوقت نفسه الكثير من القلق والهواجس، خاصة فيما يتعلق بالبند المتعلق بحق تقرير المصير، إذ رأى الكثيرون أن هذا البند قد يقود إلى الانفصال، الأمر الذي سيؤدى إلى خلق أوضاع جديدة في المنطقة وإعادة تشكيلها من الناحية الجيو- استراتيجية، وستنتج عنه بلا شك معادلات جديدة تنعكس على مصالح الشعوب والدول المحيطة بالسودان، فضلاً عن الاستقرار الداخلي في السودان نفسه.
وقد كشف الاتفاق بالطريقة أو الكيفية التي وقع بها عن وجود نوع من التهميش أو الإقصاء  للدور المصري، حيث لم تعلم القاهرة بتفاصيل الاتفاق إلا عبر وكالات الأنباء. ومن ثم أعلنت مصر عن تحفظات حادة على منح الجنوب حق تقرير المصير، باعتبار أن هذا تفريط لا مبرر له في وحدة السودان، وأنه كان من الممكن الحفاظ على حقوق الجنوبيين السياسية والدينية والثقافية، وكذلك توفير تنمية عادلة لهم، دون اللجوء أو الاضطرار إلى تهديد وحدة السودان، ووضع هذه الوحدة تحت رحمة التدخلات والمخططات الدولية الأمر الذي سيهدد الأمن القومي المصري، بالإضافة إلى انعكاساته السلبية على منطقة القرن الإفريقي وشرق أفريقيا وأمن البحر الأحمر.
وفى كل الأحوال، يمكن القول إن توقيع بروتوكول ماشاكوس قد أخرج الأزمة السودانية إلى أطر جديدة للتفاعل، حيث لم تعد شأنا داخليا أو إقليميا فحسب، بل أصبحت جزءاً من السياسات الدولية للولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. كما أصبحت، بشكل أو بآخر، خاضعة لتفاعلات قوى الضغط وجماعات المصالح داخل الولايات المتحدة الأمريكية، كما لو كانت شأنا داخليا أمريكيا، بالنظر إلى أنها تحولت إلى قضية تشغل الرأي العام لدى قطاعات واسعة من اليمين المسيحي وجماعات الملونين التي تدافع عن حقوق السود.
 
3 ـ الجولة الثانية من المفاوضات وأزمة احتلال " توريت"
بدأت الجولة الثانية من المفاوضات في 14 أغسطس 2002، تحفها الكثير من الآمال بإنهاء الحرب التي أرهقت جميع الأطراف، وكان من المفترض أن تناقش هذه الجولة التفاصيل المتعلقة بتطبيق المبادئ العامة التي تم الاتفاق عليها في الجولة الأولى، والتي تشمل الاتفاق على نظام الحكم والإطار الدستوري الذي سيضبط تقاسم السلطة والثروة بين الشمال والجنوب، وتشكيل المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الفترة الانتقالية التي تسبق الاستفتاء على حق تقرير المصير، بالإضافة إلى القضية الشائكة المتعلقة بمستقبل قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان وإعادة تشكيل الجيش السوداني وجهاز الخدمة المدنية. ثم قضية المراقبة الدولية لتطبيق الاتفاقيات التي سيتم توقيعها.
لم تستمر مفاوضات الجولة الثانية سوى بضعة أيام، ثم أعلنت الحكومة السودانية سحب وفدها المفاوض وأرجعت ذلك إلى سببين أساسيين: السبب المباشر هو قيام قوات قرنق باحتلال مدينة "توريت" الاستراتيجية في الجنوب في هجوم مفاجئ تم الإعداد له جيداً. وتعود خطورة هذا الأمر بالنسبة للخرطوم إلى أن احتلال "توريت" يؤدى إلى تهديد مدينة "جوبا" عاصمة الإقليم الجنوبي، وهو ما يمثل خللاً واضحاً في التوازن العسكري والاستراتيجي الذي سوف يعكس نفسه بلا شك على مائدة التفاوض.
السبب الثاني الذي أعلنته الخرطوم في تبريرها للانسحاب ما اعتبرته انحيازا من الوسطاء وسكرتارية مبادرة الإيجاد، بالنظر إلى طرح قضية حدود الجنوب ومحاولة مناقشة قضايا المناطق المهمشة في بداية الجولة الثانية، رغم أن حدود الجنوب معروفة تاريخيا ومتفق عليها من الجولة الأولى، الأمر الذي اعتبرته الخرطوم نوعاً من المراوغة والضغوط غير المقبولة من خلال العودة إلى مناقشة ما تم الاتفاق عليه مسبقاً.
وقد عادت الحكومة السودانية للمفاوضات بعد أن تمكنت من استعادة مدينة "توريت" مباشرة، وكانت قد أصرت على ضرورة توقيع وقف مؤقت لإطلاق النار حتى لا يؤدى استمرار العمليات العسكرية في الميدان إلى التشويش على المفاوضات، وجعلها عرضة لما يحدث من تطورات قتالية. كما احتجت الخرطوم بأن استمرار العمليات يتنافى من حيث المبدأ مع الأجواء العامة للمفاوضات التي تتطلب التأكيد على روح التسوية والمصالحة. وقد كان من أهم نتائج هذه الأزمة هو عودة الخرطوم إلى محيطها العربي بعد التباعد في المواقف والفجوة الواضحة التي حدثت بين القاهرة والخرطوم نتيجة للاتفاق الإطاري في ماشاكوس. وكان لافتاً أن يجيء الإعلان السوداني عن إيقاف المفاوضات حتى يتم تحرير توريت على لسان مصطفى عثمان إسماعيل وزير الخارجية السوداني أثناء زيارته في ذلك الوقت للقاهرة، وطلبه للدعم العربي والمصري للحفاظ على وحدة السودان.
انتهت الجولة الثانية في 18 سبتمبر 2002 إلى الإعلان عن التوصل إلى اتفاق حول بعض القضايا غير الجوهرية، والتي لم تكن تمثل من قبل عقبة ذات شأن، حيث إنها لا تمس عصب هياكل السلطة أو تقسيم الثروة، ولذا فقد أطلق الطرفان على ما تم التوصل إليه مسمى "مذكرة تفاهم" والتي كان من أهم بنودها إجراء انتخابات خلال النصف الأول من الفترة الانتقالية، وإجراء إحصاء سكاني لحسم الخلاف حول النسب السكانية، ثم الاتفاق على الهيئة القضائية وقضايا حقوق الإنسان، والاتفاق على قيام حكومة وطنية خلال الفترة الانتقالية. والأهم من ذلك أنه تم الاتفاق على تمديد اتفاق الهدنة لثلاثة شهور أخرى تنتهي في مارس عام 2003.
ويمكن الإشارة إلى أهم القضايا الأساسية التي تم تأجيلها إلى الجولة الثالثة من المفاوضات، فيما يلي :
أ) في الجانب المتعلق باقتسام السلطة، أصرت الحركة على مطلبها بأن يكون جون قرنق نائباً أول للرئيس بصلاحيات واسعة، فيكون له حق الفيتو على أي قرار للرئيس فيما يتعلق بالجنوب، مع مشاركته في القرارات القومية. وهذا يعنى أن يتولى قرنق حكم الجنوب منفرداً، ويشارك أيضاً في حكم الشمال. والنقطة الثانية، هي أن يكون له الحق في التصعيد إلى منصب الرئيس في حالة الغياب المؤقت أو الدائم للرئيس لأي سبب من الأسباب.
وقد رفضت الخرطوم هذا المطلب بإصرار، وبررت هذا الرفض بأن هذه الصيغة غير متوازنة فضلاً عن أنها تمهد للانفصال، حيث إن حلول النائب الجنوبي محل الرئيس في حالة غيابه سيؤدى إلى الإخلال بمعادلة تقاسم السلطة ذاتها، باعتبار أن الاتفاق يعطى هذا المنصب للشمال، كما أن موقع وصلاحيات الرئيس والتي تشمل وزارات الدولة والجيش وقوى الأمن، سوف تمنح شاغل هذا المنصب الإمكانية لإحداث انقلاب في هياكل الحكم والسلطة، مما يجعل الأوضاع المتفق عليها كلها عرضة للانهيار.
وفى المقابل طرحت الخرطوم اقتراحاً يقضى بأن يكون هناك نائبان للرئيس، يكون أحدهما بصلاحيات واسعة للجنوب، على أن يختص الثاني بالإشراف على مجلس الوزراء. ويميل بعض المراقبين إلى القول بأن الموقف الحكومي تقف من خلفه دوافع شخصية تتعلق بموقع وصلاحيات على عثمان محمد طه النائب الأول للفريق البشير، إلا أن هذه النقطة أكثر أهمية وخطورة من أن يتم تناولها بهذا المنظور الضيق الذي يدخل في باب الخصومات والمكايدات السياسية أكثر من اهتمامه بمستقبل السودان، الدولة والوطن.
ب) النقطة الثانية التي ظلت محل خلاف رئيسي بين الطرفين هي نسبه تمثيل الحركة الشعبية في مجلس الوزراء والبرلمان والخدمة العامة، حيث طالبت الحركة بحصة تبلغ 40% من المناصب الحكومية، وهو ما لا يتناسب مع حجم الجنوب ولا عدد سكانه بالنسبة لإجمالي المساحة أو عدد السكان، فمساحة الجنوب بحدوده المعروفة هي ربع مساحة السودان فقط، إضافة إلى أن آخر إحصاء للسكان أجرى عام 1983 قدر عدد الجنوبيين بـ 5.2 مليون نسمة مقارنة بعدد سكان السودان آنذاك البالغ 22.5 مليون نسمة (التعداد الحالي حوالي 38 مليون نسمة)، ولذلك جاءت الإشارة إلى هذه النقطة غامضة في مذكرة التفاهم.
ج) هناك نقطة أخرى للخلاف في نفس هذا الإطار وهى لا تقل أهمية عن سابقتيها، فالمقترح الذي تقدم به الوسطاء حول مستويات الحكم تضمن ثلاثة مستويات هي المستوى القومي والإقليمي والولايات، بينما تصر الحركة الشعبية على إلغاء الولايات الحالية بالجنوب (10 ولايات) وتحويل صلاحياتها لصالح السلطة الإقليمية من أجل تمكين الحركة من بسط نفوذها السياسي. إذ أن التقسيم الحالي يطابق إلى حد ما بين الحدود الإدارية لكل ولاية وبين القبيلة التي هي الوحدة الاجتماعية الأساسية في الجنوب، وبالنظر إلى سيطرة قبيلة الدينكا على مصادر القوة الأساسية في الحركة الشعبية فإن مطلب الحركة هو إلغاء الولايات حتى يمكنها السيطرة على القبائل الأخرى.
د) رغم الإشارة إلى الاتفاق على المبادئ العامة لاقتسام الثروة والموارد الطبيعية، إلا أن ذلك لم يشمل الاتفاق على تعريف الموارد القومية ولا على كيفية اقتسام أهم هذه الموارد في الفترة الحالية، وهو البترول، إذ طالبت الحركة الشعبية بتخصيص 60% من هذه العائدات للجنوب مقابل 40% المتبقية لكل مناطق السودان، في حين أن العرض الحكومي كان يقوم على تخصيص 10% فقط للجنوب، الأمر الذي يوضح الهوة الشاسعة بين مواقف الطرفين.
هـ) أما بالنسبة للخلاف حول وضع العاصمة القومية، فقد أصرت الحركة الشعبية على أن تكون العاصمة علمانية وخالية من الشريعة. وفى المقابل كان هناك إصرار هائل من الحكومة على تطبيق الشريعة في العاصمة، وهى قضية ذات حساسية خاصة بالنسبة لنظام الإنقاذ، لاحتلالها لمساحة واسعة من الجدل الإعلامي والتراشق السياسي، فإخلاء العاصمة من الشريعة يعنى إباحة تداول الخمور فيها ـ على سبيل المثال ـ وهو الأمر الذي سيعرض نظام الإنقاذ لكثير من الحرج السياسي أمام أنصاره. ورغم تداول الكثير من المقترحات والتي دعا أحدها إلى اعتبار أحد الأجزاء الثلاثة  "للعاصمة المثلثة" هو العاصمة القومية وإلغاء الشريعة فيه, مع الإبقاء على الشريعة في أم درمان والخرطوم بحري، إلا أن هذا الاقتراح قوبل أيضاً بالرفض من الجانب الحكومي. ورأت الحركة أنه في هذه الحالة يجب اختيار مدينة أخرى كعاصمة قومية وهو ما لا يلقى حماساً من الوسطاء.
و) القضية الأخرى التي مثلت عقبه كبيرة في المفاوضات هى المتعلقة بحدود الجنوب، حيث إن حدود الجنوب المعروفة هى تلك التي تركها البريطانيون عند استقلال السودان في يناير 1956، وهى تشمل المديريات الجنوبية الثلاث: الاستوائية وبحر الغزال وأعالي النيل، إلا أن الحركة الشعبية جادلت بأن حق تقرير المصير الذي تم الاتفاق عليه في الجولة الأولى في 20 يوليو 2002، ينطبق أيضاً على المناطق المهمشة وهى منطقتا إبيى وجبال النوبا وتقعان ضمن الحدود الإدارية لكردفان، ومنطقة جبال الانقسنا والتي تقع في ولاية النيل الأزرق، وذلك باعتبار أن سكان هذه المناطق يعانون من نفس المشاكل التي يعانى منها الجنوب، وأن أصولهم أفريقية، إلا أن السبب الأكثر أهمية لدى الحركة الشعبية هو أن جزءاً من قوات قرنق التي ظلت تقاتل طوال السنوات الماضية ينتمى إلى هذه المناطق.
4 ـ الموقف الأمريكي وقانون سلام السودان
كان التدخل الأمريكي في مسار العملية السياسية في السودان، والذي اعتمد على أسلوبى الترغيب والترهيب، قد لقي ترحيباً واضحاً (فيما يشبه الإجماع ) من كافة القوى السياسية السودانية على اختلاف مواقعها وانتماءاتها وأهدافها، وشمل ذلك طرفي التفاوض، وهما حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية، بالإضافة إلى التجمع الوطني المعارض وحزب الأمة.
إلا أن ما لفت الانتباه في السياسة الأمريكية تجاه السودان، هو ما أقدم عليه الرئيس بوش في 21 أكتوبر 2002، بتوقيع "قانون سلام السودان". الذي نص في مضمونه الأساسي على فرض عقوبات على الخرطوم، بعد ستة أشهر من بدء سريان القانون، ما لم تقم بالتفاوض "بحسن نية" مع الحركة الشعبية لتحرير السودان. ومن ثم فإن تمرير هذا القانون في الكونجرس ثم توقيعه في هذا التوقيت، بدا وكأنه يصب في الاتجاه المعاكس لجهود الإدارة الأمريكية التي ما فتئت تعلن عن مواصلة سعيها للوصول إلى تسوية، وبدا وكأنه بمثابة تشجيع للحركة الشعبية على التصلب في مواقفها التفاوضية، في الوقت الذي يتم التلويح فيه بالعصا الغليظة للحكومة السودانية.
وفى هذه الأثناء أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية قراراً بتجميد أرصدة 12 هيئة سودانية في الولايات المتحدة، ومن ضمنها الهيئة القومية للإذاعة والتليفزيون ومؤسسات الكهرباء والبريد والبرق والسكر والتقطير والأسواق الحرة، والمثير للدهشة في هذا القرار أنه جاء متزامنا في التوقيت مع قانون سلام السودان، إلا أنه يتعارض معه جزئيا حيث نص الأخير على النظر في فرض عقوبات بعد ستة شهور من بدء سريانه وليس الشروع فيها فورا، إلا أن الأكثر إثارة هو أن معظم الشركات والمؤسسات التي ضمتها القائمة، ليست لها أصول في الولايات المتحدة مثل الإذاعة والتليفزيون والبريد وغيرها، وأن الجزء المتبقى ليس له أرصدة مهمة أو تعاملات تذكر بالدولار الأمريكي، الأمر الذي يعني أن هذا القرار لم تكن له سوى قيمة رمزية، ذلك أن الحكومة السودانية كان قد سبق لها التحسب لمثل هذه الإجراءات، فطلبت من كافة الشركات والمؤسسات تقليل تعاملاتها مع المصارف الأمريكية.
وفى السياق التصعيدى ذاته، جددت الولايات المتحدة في 3 نوفمبر 2002، العمل بالقانون الذي يقضى بفرض عقوبات على السودان لمدة عام آخر، وكان قد سبق إصدار هذا القانون في 3 نوفمبر 1997، في عهد إدارة كلينتون بسبب اتهامها لحكومة الخرطوم آنذاك بالسماح لمجموعات إرهابية بممارسة نشاطها من الأراضي السودانية، ومنها حركة حماس ومنظمة الجهاد الإسلامي الفلسطينيتين. واعتبر البيان الذي أصدره البيت الأبيض أن الخرطوم مازالت مستمرة في خرق وانتهاك حقوق الإنسان بما في ذلك تجارة الرقيق وتقييد الحريات السياسية والدينية، وأن الرئيس بوش أمر بتجديد العمل بالقانون لمواجهة الخطر الذي تشكله هذه السياسات على الأمن القومي الأمريكي والسياسة الخارجية الأمريكية.
وفي الحقيقة، فإن كل هذه الإجراءات لم يكن لها تأثيرات عملية على مسار العملية التفاوضية، استناداً إلى العديد من العوامل، من أهمها:
أ ـ أن قانون سلام السودان قد عبر في الحقيقة عن صيغة مخففة من الصياغات السابقة للقانون، والتي أجاز مجلس النواب الأمريكي إحداها من قبل، ثم عطلتها الإدارة الأمريكية في مجلس الشيوخ بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر، وذلك لرغبة واشنطن آنذاك في الاستفادة إلى أقصى حد ممكن من المعلومات التي قامت الخرطوم بتوفيرها للإدارة الأمريكية عن أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة. وكانت الصياغة الأولى للمشروع تفرض عقوبات أكثر تشدداً تجاه السودان، وكان من أهمها حرمان الشركات التي تستثمر في السودان من التعامل في البورصات الأمريكية، الأمر الذي كان سيحدث تأثيراً سلبيا على عملية استخراج وتصدير النفط السوداني، الأمر الذي يعني أن إدارة بوش بذلت جهوداً إيجابية في التخفيف من وطأة القانون.
ب ـ أن التوقيع على القانون في هذا التوقيت كان يعود في جزء كبير منه إلى أسباب داخلية، حيث إن استجابة إدارة بوش لقوى الضغط التي تدعم القانون والتي تنتمي إلى اليمين المسيحي ومنظمات الدفاع عن حقوق الملونين، كانت مرتبطة بانتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي كان مقرراً إجراؤها آنذاك، ورغبة الإدارة في تحسين مواقعها في هذه الانتخابات.
ج ـ أن الرئيس بوش صرح في حفل التوقيع على القانون، بأن إدارته سوف تفسر الفقرات الخاصة بالعقوبات، باعتبارها نوعا من النصح، لأن مثل هذه الفقرات إذا أخذت على أنها ملزمة فإنها سوف تتعارض مع ممارسة الرئيس لسلطاته الدستورية، لإدارة الشئون الخارجية والمشاركة في المفاوضات الدولية والإشراف الكلى على السلطة التنفيذية، وهذا يعنى أن الإجراءات الواردة في القانون ليست ملزمة، ومن ثم فإن هذا يفسح المجال أمام المزيد من المناورة وحرية الحركة لإدارة بوش تجاه الحكومة السودانية.
د ـ أن قانون سلام السودان وجه الإدانة أيضاً للحركة الشعبية فيما يتعلق بانتهاكها لحقوق الإنسان، وأيضاً لفشلها في إنشاء سلطات أو مؤسسات مدنية ذات مصداقية، وأن ذلك يمثل عائقاً لإحراز تقدم في اعتماد السكان على أنفسهم، وبالتالي تحقيق تقدم نحو سلام ناجع لإعادة تأهيل تلك المناطق بعد الحرب. وإن كانت هذه الإدانة قد وردت بطريق غير مباشر وبصيغة تتصف بالتعميم، ولم يذكر فيها اسم الحركة الشعبية بالنص.
5 ـ الجولة الثالثة وأزمة مفاوضات "كارن"
مرت عملية الإعداد للجولة الثالثة من مفاوضات ماشاكوس التي كان مقرراً لها الانعقاد في السادس من يناير 2003 بالعديد من الصعاب والخلافات الحادة حول موعد الانعقاد والقضايا المقترحة للتفاوض، الأمر الذي هدد المفاوضات وخلق أجواء من التأزم والتعقيد في المواقف. وربما يعود السبب الأساسي في ذلك إلى الانحياز الواضح الذي أبدته سكرتارية الإيجاد، التي يقودها الجنرال الكيني لازارس سيمبويا، إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان، خاصة فيما تعلق بمناقشة قضايا المناطق المهمشة وموقعها من المفاوضات، حيث اقتصرت مبادرة الإيجاد تجاه عملية التسوية في السودان على قضية الجنوب فقط، وذلك بالاستناد إلى النص الوارد في مبادرة الإيجاد نفسها والذي يشير إلى حدود الجنوب باعتبارها الحدود المعروفة في 1/1/1956، ولكن وفد الحكومة السودانية كان قد فوجئ في بداية الجولة الثانية من مفاوضات ماشاكوس بأن سكرتارية الإيجاد قدمت أوراقا تحمل مطالب الحركة الشعبية لتحرير السودان ببحث مستقبل المناطق الثلاث (جبال النوبا، وإبيي وجنوب النيل الأزرق). وفى مواجهة ذلك الأمر رفضت الحكومة السودانية مناقشة هذه القضايا تحت مظلة الإيجاد، وإن كانت أعلنت في الوقت نفسه عن قبولها لمناقشة قضايا المناطق المهمشة في مسار مستقل خارج مظلة مبادرة الإيجاد. وبدا أن هذا الموقف من الخرطوم يعود إلى سببين أساسيين: الأول أن الخرطوم لا تريد إخضاع التفاوض حول هذه المناطق لمبادرة الإيجاد، حيث إن هذه المبادرة تنص على منح حق تقرير المصير للجنوب، ومن ثم فإن تطبيق هذه المبادرة على هذه المناطق الثلاث يمثل خطورة هائلة قد تؤدى إلى تفتيت السودان إلى عدة كانتونات، والسبب الثاني يعود إلى رغبة الحكومة السودانية في إبداء قدر من المرونة، حتى لا تظهر بمظهر المتعنت، ومن ثم يتم تحميلها مسئولية فشل المفاوضات الأمر الذي يعرضها للضغوط الدولية والأمريكية في ظل مناخ إقليمي ودولي غير موات لها، بالإضافة إلى وضعها الداخلي الذي أصبح معلقاً بالوصول إلى تسوية سلمية لمشكلة الجنوب بعد أن فقدت معظم مصادر قوتها التي استندت إليها في مراحل سابقة.
بناء على هذه الموافقة انصرفت الجولة الثالثة من المفاوضات إلى التفاوض حول قضيتي قسمة الثروة والسلطة طبقاً لما جاء في الاتفاق الإطاري، والتي انتهت كما سبق القول في 18 نوفمبر2002 بتوقيع مذكرة التفاهم، والتي نصت في أحد بنودها على أن تبدأ مفاوضات الجولة الثالثة التي كان مقررا لها الانعقاد في السادس من يناير 2003، من النقطة التي توقفت عندها المفاوضات في الجولة الثانية، أي قسمة الثروة والسلطة، إلا أن سكرتارية الإيجاد اتخذت موقفاً مختلفاً، فاستجابت لطلب من الحركة الشعبية لعقد مباحثات مع وفد الحكومة لمناقشة أوضاع جبال النوبا، وإبيي والنيل الأزرق، وحددت موعداً آخر هو 15 يناير2003، ومكانا آخر هو مدينة "كارن" بكينيا، وذلك دون تشاور مع حكومة الخرطوم أو إطلاعها على مبررات تأجيل المفاوضات.
وفى ظل هذا السلوك رفضت الحكومة السودانية الحضور في هذه الجولة، ورغم ذلك أصرت سكرتارية الإيجاد على عقدها وحضر وزير الخارجية الكيني جلسة الافتتاح، ومن ثم كان المفترض والحال كذلك أن يتم افتتاح الجلسة ويتحدث وفد الحركة الشعبية وممثل الإيجاد، ثم تتم المناداة على الوفد الحكومي لإلقاء كلمته، ويتبع ذلك الإعلان عن انفضاض الاجتماع وتوقف المفاوضات بسبب غياب الوفد الحكومي، إلا أن الخرطوم كانت حريصة على تفادى هذا الموقف حيث حضر سفيرها في نيروبي بمفرده، وألقى كلمة سجل فيها موقف حكومته الرافض لمثل هذه المناورات، وأكد بشكل قاطع مخالفة ما يحدث لمبادرة الإيجاد، ولكل ما تم الاتفاق عليه أن هذا الاجتماع لا يعد جزءاً من عملية مفاوضات الإيجاد طبقاً لمبادئها ولمسارها المتفق عليه. وشدد الموقف الحكومي على أن الخرطوم ستشارك في المفاوضات فقط في حالة استئنافها من النقطة التي توقفت عندها في 18 نوفمبر 2002. كما أعلن سيد الخطيب الناطق الرسمي باسم الوفد الحكومي أن الحكومة لن تقبل سياسة "لي الذراع"، أو فرض أمر واقع عليها، وأنه قد تم استخدام ما قدمته الحكومة السودانية من قبل كبادرة لحسن النية وكنوع من إبداء المرونة، كوسيلة ضغط عليها.
أفضى هذا الموقف من جانب الحكومة السودانية إلى التوصل إلى حل وسط، تمثل في عدول سكرتارية الإيجاد عن موقفها وتحديد موعد 22 يناير 2003 لاستئناف الجولة الثالثة من المفاوضات في إطار مبادرة الإيجاد من حيث توقفت في 18 نوفمبر2002، على أن يتم تحويل مفاوضات "كارن" إلى ندوة للتباحث حول قضايا المناطق المهمشة، وأن يشارك في هذه الندوة بعض الممثلين للحكومة السودانية بصفة غير رسمية وغير ملزمة، وأن يكون هذا في إطار الاستماع لمواقف الطرف الآخر وتبادل وجهات النظر. وقد انعقدت هذه الندوة بالفعل في شكل ورشة عمل في الفترة من (18-21) يناير 2003، ألقيت فيها ثلاث محاضرات وجلسة ختامية، وذلك بحضور خبراء من النرويج وسويسرا وبريطانيا.
وقد انتهت الجولة الثالثة من التفاوض في الأسبوع الأول من فبراير 2003 دون الإعلان عن نتائج محددة، وإن كانت هناك بعض المسودات التي نشرت عقب انتهائها، وأشارت إلى وجود اتفاق واسع على معظم النقاط المتعلقة بقسمة السلطة والثروة. ورغم نفى سكرتارية الإيجاد للتسريبات التي نشرت، إلا أن هذه المسودات أوضحت عدم وجود عقبات كبيرة فيما يتعلق بهذين الملفين، وأن الصعوبة الحقيقية المتبقية هي في موضوع الترتيبات الأمنية وأوضاع قوات قرنق في الفترة الانتقالية.
6 ـ المفاوضات حول المناطق الثلاث .. مسار موازى لمبادرة الإيجاد
تتمتع المناطق الثلاث (ابيى، وجبال النوبا، والانقسنا في جنوب النيل الأزرق) بأهمية خاصة، إذ أنها تمثل خطا فاصلاً بين الشمال والجنوب يمتد من الغرب إلى الشرق، وهى لا تمثل فاصلاً جغرافيا، بل هي فاصل عرقي وبشرى. وتموج هذه المناطق بتركيبة اثنية واجتماعية وثقافية تختلف عما في الشمال وعما في الجنوب على حد سواء، لكن هذه المنطقة إجمالا ظلت على استعداد كامل للتعاطي الايجابي مع كل من الشمال والجنوب. وعلى ذلك أصبحت مرشحة إلى حد بعيد لأن تكون منطقة تلاق وتمازج تربط الشمال بالجنوب، بما يجعلها منطقة ربط ونموذج اندماج يمثل جسرا للوحدة الوطنية في السودان، إلا أن قلة الموارد وعدم توافر البنية الأساسية وتدهور الخدمات أو انعدامها، في ظل الكثير من التراكمات السلبية الناتجة عن الأخطاء السياسية أدى إلى تحول هذه المناطق بمرور الوقت إلى منطقة معزولة، أصبحت تدريجيا منطقة عازلة، وانتهت لكى تصبح منطقة مواجهة سيكون لها ولاشك تأثيرها البالغ على مجمل مستقبل السودان.
وقد حاولت الحركة الشعبية باستمرار توظيف واقع المنطقة في الصراع الدائر بينها وبين الحكومة المركزية في الخرطوم حيث يقسم قرنق المناطق المهمشة إلى قسمين رئيسين: الأول يضم ابيى وجبال النوبا والنيل الأزرق، وهذه المناطق لديها أبناء يقاتلون في صفوف الحركة الشعبية، وتبعاً لذلك يعلن قرنق أن الحركة الشعبية لن تترك هذه المناطق دون حل قضاياها، لأن في ذلك عدم وفاء لرفقة النضال. والقسم الثاني من هذه المناطق هو مناطق  "الفور" في غرب السودان، "والبجا" في شرق السودان، وهذه المناطق غير ممثلة في الحركة الشعبية، ولذا فإنها لا تطلب حل قضاياهم أو التحدث باسمهم، اللهم إلا في إطار الحديث عن "السودان الجديد" القائم على العدالة والمساواة لكل الأعراق والثقافات.
وقد أعلن جون قرنق أن هذه المناطق المهمشة ليست تابعة للجنوب جغرافيا، وأن ارتباط الحركة الشعبية بها هو ارتباط سياسي، إلا أنه وبالرغم من ذلك يصر على مناقشتها في المفاوضات، على أن يكون لها الحق في تقرير مصيرها مثل الجنوب بعد فترة انتقالية مقدارها 6 سنوات، تختار هذه المناطق بعدها الطريقة التي تحدد بها مستقبلها في إطار السودان. وأصر كذلك على أن تكون العلاقة بين الدين والدولة إحدى القضايا الرئيسية للتفاوض بشأن مستقبل هذه المناطق، الأمر الذي أوضح وقتها أنه يريد تطبيق مبادئ اتفاق ماشاكوس الإطارى عليها، وهو الأمر الذي رفضته الحكومة السودانية بشكل صارم.
وبدا أن الحركة الشعبية تهدف إلى جعل هذه المناطق مستقلة عن الشمال أو متمايزة عنه على الأقل، وقد تريدها جسراً سياسيا تعبر به نحو الشمال، وإن كان الكثير من المحللين يرون أن الحركة تعاملت في هذا الأمر وفق استراتيجيتين:
الأولى هى استراتيجية "السودان الجديد" الذي يظل فيه السودان في إطار وحدوى تكون الغلبة فيه للأقليات العرقية غير العربية وغير الإسلامية، انطلاقاً من مقولة قرنق أن العرب المسلمين في السودان أقلية، وإن هذه الغلبة يجب أن تنعكس وفق هذا التصور على اقتسام السلطة والثروة بحيث يظفر مجموع الأقليات غير العربية وغير الإسلامية بالنصيب الأكبر على هذا الصعيد.
أما الاستراتيجية الثانية فيتم اللجوء إليها في حال الفشل في تحقيق الأولى، وتتمثل في فصل الجنوب لإقامة دولة جديدة يتم ضم المناطق الثلاث إليها، وتنفرد بحكمها الحركة الشعبية. والمناطق الثلاث تلعب في هذه الحالة دوراً مهما في "الدولة الجديدة"، بالنظر إلى الصراعات القبلية في الجنوب خاصة بين "الدينكا" التي ينتمي إليها جون قرنق وتمثل العصب الرئيسي للحركة الشعبية، وقبيلة "النوير" ثاني أهم قبائل الجنوب والتي تقع في أراضيها معظم حقول البترول في الجنوب، بالإضافة إلى الخلافات والعداوات القبلية الأخرى المنتشرة في الجنوب، إذ أن انضمام المناطق الثلاث إلى الجنوب من الممكن أن يخفف من حدة هذه الحساسيات وأن يزيد أيضاً من الثقل النسبي "للدنيكا"، حيث ستكون هذه المناطق حليفاً طبيعيا للحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، باعتبار أن قيادات هذه المناطق هي جزء من الحركة الشعبية بالفعل وتخضع لسلطة قرنق وزعامته، وأن البعض الآخر من القيادات التاريخية للمنطقة (مثل الأب فيليب عباس غبوش) أصبح متحالفاً مع قرنق أثناء عملية التفاوض، وتم تكريس هذا التحالف بشكل رسمى – فيما بعد - في مؤتمر "كاودا"، هذا فضلاً عن أن منطقة "إبيي" تسيطر عليها قبيلة "الدينكا نقوك" وهى أحد فروع "الدينكا".
انعقدت الجلسة الأولى للمفاوضات حول المناطق الثلاث، بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية في 4 مارس 2003، وذلك في مسار منفصل عن مبادرة الإيجاد التي تدور تحت مظلتها المفاوضات الخاصة بالجنوب. وقد شاركت الحكومة بوفدين في المباحثات، الوفد الأول تفاوضي، والوفد الثاني تشاوري ويضم أهل المناطق الثلاث، وقد لفت الحجم الكبير للوفد الحكومي الأنظار، حيث بلغ عدد أعضائه 81 عضوا معظمهم من أبناء المناطق الثلاث. وأعلن متحدث حكومى أن الوفد التشاوري يضم استشاريين ووزراء دولة وقيادات سياسية من أبناء المناطق الثلاث وقيادات قبلية وأكاديمية وقيادات من القوات المسلحة والأجهزة المختلفة، وذلك فيما بدا أنه محاولة من الحكومة السودانية لإضفاء قدر من المصداقية على موقفها في مواجهة تحركات الحركة الشعبية.
بدأت المفاوضات دون الاتفاق حول برنامج محدد، الأمر الذي استغرق أكثر من عشرة أيام من الجدل والخلافات بين وفدى الحركة والحكومة، حيث أعلن الوسيط الكيني أن مسار هذه المفاوضات هو مسار مستقل ولا علاقة له بمبادرة الإيجاد، وأن على طرفي التفاوض تحديد جدول التفاوض ومرجعيته بالتوافق بينهما. ويمكن القول إن الخلافات بين الجانبين قد انحصرت فيما يلي:
1) أصرت الحركة الشعبية على إدراج قضايا تقرير المصير وعلاقة الدين بالدولة في المحادثات، بينما رأت الحكومة أن البندين المتقدمين جزء من مبادرة الإيجاد التي لا ينبغي تعميمها على مفاوضات المناطق الثلاث.
2) رأت الحكومة السودانية أن يتم التفاوض عبر ثلاث لجان مختلفة، بحيث تكون كل منطقة لها لجنة منفصلة، وأصرت الحركة على دمج المفاوضات في لجنة واحدة يرأسها نيال دينق، الذي يقود وفد الحركة الشعبية في إطار مفاوضات الإيجاد، وهو ما أصرت الحكومة على رفضه.
3) رفضت الحكومة حضور مراقبين من أوغندا واريتريا، باعتبار أن حضورهم في المسار الرئيسي الخاص باتفاق ماشاكوس الإطاري ناتج في الأساس عن عضويتهم في منظمة الإيجاد الراعي الرسمي للمفاوضات، أما مفاوضات المناطق الثلاث فلا يحق لهم الحضور فيها باعتبار أن هذه مفاوضات مختلفة وتتم تبعا لمرجعية منفصلة تحت الرعاية الكينية.
وقد انطلقت المفاوضات في النهاية بعد موافقة الطرفين على اقتراح جديد تقدم به الوسيط الكيني لازاراس سيمبويا، ألزم الطرفين من خلاله بقصر التفاوض على أبناء المناطق الثلاث في الحكومة والحركة، عبر ثلاث لجان على أن تختتم بإعلان بروتوكول أو بيان من سيمبويا، وأن يتكون جدول كل لجنة من ثلاث نقاط رئيسية هي: بحث جذور المشكلة في كل منطقة، وتحديد طبيعة المشكلة، ومناقشة الحلول المقترحة من كل طرف.
ويمكن القول أن  هذا الترتيب قد مثل نجاحا نسبيا للموقف الحكومي في ذلك الوقت، إذ أنه استطاع بذلك الفصل بين المسارين التفاوضيين بشكل واضح لا يحتمل اللبس، وأزال، من ثم ، المخاطر المترتبة على مناقشة حق تقرير المصير كمبدأ مطروح للتفاوض منذ البداية للمناطق الثلاث، كما نجح في استبعاد المراقبين الأوغنديين والأريتريين تأكيدا لمبدأ الفصل بين المسارين. وأصبحت المفاوضات بذلك دون جدول محدد، الأمر الذي يعنى أن الوفد التابع للحكومة بإمكانه أن يرفض أى بند من البنود الخاصة بتقرير المصير أو علاقة الدين بالدولة دون أن يتم تحميل مسئولية ذلك الرفض أو أى فشل مترتب عليه على الخرطوم، باعتبار أن المتفاوضين هم من أبناء المنطقة على الناحيتين، خاصة وأن وجهة النظر السائدة لدى قطاع كبير في جبال النوبا ترفض من الأصل أن تتم مناقشة قضايا مناطقهم ضمن قضية الجنوب موضوع التفاوض في كينيا، باعتبار أن قضية الجبال ستكون في هذه الحالة في ترتيب متأخر، حيث إن الأولوية ستكون للقضايا الخاصة بالجنوبيين، وإن مناقشة قضايا كل منطقة في إطار خاص بها سيعطيها الأولوية، وإن الأفضلية من الناحية السياسية والاقتصادية والإدارية هي الوصول لترتيبات لهذه المناطق في إطار السودان الموحد، لأن أي انقسام أو انشطار للسودان سيخلق رواندا جديدة وسيجعل المناطق الثلاث في وضع مماثل لوضع منطقة "كشمير" بين الهند وباكستان.
انتهت هذه الجولة من المسار التفاوضى المتعلق بالمناطق الثلاث في 19 مارس2003 بعد أن أحرزت تقدما وصفه المتفاوضون بأنه تقدم كبير، وذلك فيما يتعلق بلجنتى جبال النوبا والنيل الأزرق. أما لجنة "ابيى"، فلم يتم الشروع في المفاوضات بشأنها بسبب اختلاف الطرفين حول حدود المنطقة، حيث ترى الحركة أن الحدود تقتصر على مدينة إبيى وما حولها، وبالتالى فإن قبيلة "الدينكا نقوك" حسب رأى الحركة هم أبناء المنطقة الوحيدون، بينما ترى الحكومة السودانية أن المنطقة تاريخيا أوسع بكثير من هذا التوصيف وتشمل قبائل أخرى.