o    قدمت هذه الورقة فى  ندوة " دول جوار السودان واستفتاء  تقرير مصير الجنوب" ، الخرطوم، معهد ابحاث السلام بجامعة الخرطوم بالاشتراك مع مركز دراسات المجتمع، 2-3 إكتوبر 2010 .

أطلقت عملية التسوية السياسية للحرب الاهلية فى جنوب السودان والتى توجت بتوقيع إتفاقية نيفاشا فى يناير عام 2005، موجة هائلة من التفاعلات داخل السودان، كما أثارت الإحساس بالقلق والتوجس من مآلات وتطورات الأوضاع السودانية فى المحيطين الإقليمى والدولى (خاصة مصر)  وبات واضحاً للجميع أن السودان منذ تلك اللحظة لم يعد هو ذلك السودان الذى عُرف طوال الخمسين عاماً الماضية، بل سيكون هناك سودان مختلف، لم تستقر ملامحه وقسماته النهائية بعد، إذ كان المضمون الاساسى فى الاتفاقية قائما على إعادة صياغة هياكل السلطة والثروة وطبيعة النظام السياسى فى السودان، كما إمتدت عملية إعادة الصياغة هذه إلى حدود التراب الوطنى للدولة السودانية، عبر النص على إعطاء إقليم جنوب السودان حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية قدرها ست سنوات، الأمر الذى خلق نوعا من السيولة العامة فى الأوضاع السودانية، فهناك نظام قديم يختفى لكى يحل محله نظام جديد لم تتكون مؤسساته وهياكله بعد، ولم تستطع أن تكرس نفسها أو تمارس أى قدر من التأثير على مجريات الأحداث، بل جرى إستخدامها غالبا فى عملية التضاغط المستمرة بين شريكى الحكم، أو كأدوات للصراع السياسى وتنفيذ بعض الأجندات المحدودة، مما أدى  فى نهاية المطاف إلى ظهور بؤر توتر جديدة لم يتم احتوائها بل تحولت هى الآخرى إلى مهدد آخر خطير للاستقرار.
 
تطبيق الإتفاقية التى قامت على فكرة أساسية هى " دولة واحدة بنظامين " كان يحتاج إلى قدر كبير من التناسق والانسجام وحسن النية بين الشريكين الأساسيين فى حكومة الوحدة الوطنية وهما حزب المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية، غير أن فقدان الثقة بين الطرفين أدى إلى إهدار الكثير من الوقت والفرص التى كانت متاحه للحفاظ على تماسك الدولة وجعل الوحدة جاذبة.
ونتيجة لكثير من العوامل الداخلية والخارجية التى لايتسع لها هذا المقام، أوشكت الفترة الانتقالية على الانتهاء بعد أسابيع قليلة، وأصبح السودان مواجها باحتمال غالب هو إختيار الجنوبيين للانفصال رغم عدم التوصل إلى حلول توافقية فى القضايا العشر التى أشار اليها قانون الاستفتاء على حق تقرير المصير، أو على الاقل فى القضايا الاربعة ذات الاهمية الخاصة والحرجة، وهى ( إبيى، ترسيم الحدود،  قضايا النفط، وأوضاع الجنوبيين فى الشمال) .

وفى حالة إجراء الاستفتاء فى موعدة المقرر فى 9 يناير 2010 ، ومن ثم حدوث الانفصال المتوقع طبقا للمؤشرات العديدة القائمة حاليا، فسوف ينقسم السودان إلى دولتين شمالية وجنوبية. وقد لايكون انفصال الجنوب هو نهاية المطاف بالنسبة للأزمة السودانية، بل ربما يمثل بداية لصراع جديد بين الشمال والجنوب، فى حالة بقاء النقاط والقضايا العالقة دون تسوية أو إتفاق،  الأمر الذى قد ينذر بعودة الحرب مرة إخرى بشكل مباشر أو بالوكالة. ورغم أن الطرفين الشمالى والجنوبى غير راغبين فى ذلك، إلا أن العودة المحتملة للحرب قد لا تترك الشمال والجنوب بمنأى عن إعادة التقسيم مرة إخرى، أو مواجهة خيار آخر هو الانزلاق إلى الفوضى .

فى هذا الإطار ومنذ أن أنطلقت عملية المفاوضات فى كينيا، وتوقيع بروتوكول ماشاكوس ( 20 يوليو 2002) الذى إشتمل على منح الجنوب حق تقرير المصير بدا أن مصر التى انشغلت طوال نصف القرن الماضى بحدودها الشمالية وبقضية الصراع العربى الإسرائيلى ويممت وجهها شطر المشرق العربى، قد بوغتت ( مع التوقيع السريع لهذا الاتفاق) بأن هناك تغيرات هيكلية بدأت تفصح عن نفسها على حدودها الجنوبية مع السودان، وسوف تؤثر هيكليا على أمنها القومى – بالمعنى الواسع للكلمة – فأهمية السودان بالنسبة لمصر لا يمكن اختزالها فى قضية المياه، بل هو جزء من القلب والجسد، وإذا حدث وتحول السودان إلى منطقة إضطرابات وعدم استقرار فإن هذا سيعنى بلاشك تقوقع مصر وحصارها داخل حدودها الجغرافية  وتأثر دورها الإقليمى وفقدانها ربما للفرصة الأساسية التى مازالت متاحة أمامها لإعادة صياغة نظرتها إلى نفسها وإلى دورها فى هذه المنطقة عبر التوجه والتواصل مع إنتمائها العريق فى حوض النيل الذى يقع السودان فى القلب منه  .

فالانفصال المتوقع فى جنوب السودان قد لايتوقف – كما أشرنا - عند حدود الجنوب، إذا لم تتم السيطرة على التفاعلات الصراعية بين الدولتين الشمالية والجنوبية، كما أن الإنفصال سوف يؤدى إلى إعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية فى المنطقة الممتدة من الحدود الشمالية للسودان مع مصر وليبيا وصولا إلى منطقتى البحيرات العظمى من ناحية ومنطقة القرن الافريقى من الناحية الاخرى، ولايخفى أهمية هذه المناطق بالنسبة لمصر وارتباطها الوثيق بقضايا مياه النيل وأمن البحر الأحمر وتأمين قناة السويس. كما سيؤثر أيضا بشكل سلبى على الأمن المباشر لمصر على حدودها الجنوبية ودورها ومكانتها فى الاقليم، وسوف ينقل قضية حاجة مصر إلى المياه إلى مرحلة جديدة تحتاج إلى استراتيجيات مختلفة للتكيف مع الأوضاع المستجدة. وفى ظل الاوضاع الحالية فان عملية اعادة الصياغة المتوقعة لتوازنات هذه المنطقة  قد تتم خصما على مصالح مصر وعلى قدرتها على التأثير والتدخل لحماية مصالحها الحيوية، لصالح قوى واطراف اقليمية ودولية اخرى ذات تواجد فعلى فى هذه المناطق وتسعى بقوة لتوسيع نفوذها.
 
تحفظ مصر على  حق تقرير المصير
كانت مصر قد سعت إلى المساهمة فى حل الأزمة السودانية من خلال المبادرة المشتركة التى قدمتها بالاشتراك مع ليبيا، وكانت هذه المبادرة أكثر شمولاً للقضايا الخلافية واحتواءً  للأطراف السياسية السودانية كافة، وكانت تدعو إلى حل الأزمة السودانية من خلال إعمال مبدأ المواطنة والمساواة التامة دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو اللون، إلا أنها لم تكن تشتمل على مبدأ حق تقرير المصير الذى اشتملت عليه "مبادرة الإيجاد"، وكان هذا السبب بالتحديد هو الذى وقف عائقاً أمام تقدم المبادرة المشتركة، إذ أن الحركة الشعبية لتحرير السودان قبلت بها شكلاً وظلت تعرقلها مضموناً من خلال المراوغات الإجرائية.   
وحين قررت الولايات المتحدة إتباع إستراتيجية جديدة تجاه السودان فى مطلع الفترة الرئاسية الاولى لجورج بوش الإبن، وتم تعيين السيناتور جون دانفورث مبعوثا رئاسيا فى5 سبتمبر 2001، أعلن انه سيعى الى توحيد المنابر عبر الجمع بين المبادرة المشتركة التى تعبر عن رؤية الشمال العربى وبين مبادرة الايجاد التى تعبر عن الجوار الافريقى. غير أنه بعد رفض مصر للابقاء على حق تقرير المصير كأحد البنود المطروحة للتفاوض، جرى تجاهل المبادرة المشتركة وإعُلنت الدعوة الى بدء مفاوضات التسوية فى كينيا على أساس مبادئ مبادرة الايجاد وحدها. وقد رفضت مصر المشاركة فى هذ المفاوضات بسبب احتواءها على مبدأ حق تقرير المصير الذى كانت مصر تتحفظ عليه طوال الوقت لإدراكها لخطورة التداعيات التى سوف تترتب عليه .

غير أن الحكومة السودانية ومنذ المرحلة الاولى للمفاوضات فى كينييا بادرت بالتوقيع على بروتوكول ماشاكوس، معلنه بذلك موافقتها عبر إتفاق ملزم على ممارسة إقليم جنوب السودان لحق تقرير المصير. وقد أدى التوقيع المفاجئ على بروتوكول ماشاكوس إلى إثارة  الكثير من التحفظ فى مصر على المستوى الرسمى، كما أحدث ما يشبه الصدمة لدى الرأى العام المصرى الواسع، وكذلك لدى العديد من الكتاب والمثقفين ووسائل الإعلام، حيث بدا أن مصر قد فوجئت بهذا التطورات المتسارعة وتناولت وسائل الإعلام المصرية حقق تقرير المصير باعتباره المعادل الموضوعى للانفصال وألقت باللائمة على الحكومة السودانية، لاسيما وأن حق تقرير المصير بالصورة التى ورد بها فى إطار ماشاكوس والتى تقول بالتصويت على أحد خيارين إثنين هما الوحدة أو الانفصال ليس له سند قانونى طبقاً للقانون الدولى الذى يحدد منح الأقليات حق تقرير المصير فى حالات معينة، والسودان ليس واحداً منها، كما أن هناك صيغ عديدة لمنح هذه الحق أو المضامين الأساسية له مثل الوضع الفيدرالى أو الكونفيدرالى، وليس القفز مباشرة إلى المغامرة بالانفصال. وبدا واضحا أيضاً عدم إلمام مصر بمجريات التفاوض أو إحاطتها علماً بها، لا من الحكومة السودانية ولا من الوسطاء، وظهر ذلك من خلال تصريح وزير الخارجية المصرى آنذاك "أحمد ماهر" الذى قال "أن مصر علمت بالاتفاق من وكالات الأنباء".

فى هذا السياق رأى الكثير من المراقبين فى مصر منذ وقت مبكر، أن حق تقرير المصير سيؤدى إلى الانفصال مهما تكن إغراءات الوحدة وحقيقة دوافعها، وأنه لم يحدث تاريخياً أن وجدت أية مجموعة سكانية فرصة لإنشاء دولة مستقلة ثم اختارت العكس، وأن حل الأزمة السودانية لم يكن يستدعى الموافقة على حق تقرير المصير الذى لم يظهر على الأجندة السياسية السودانية إلا فى عام 1992 بعد مجئ نظام الإنقاذ حيث جرت الاشارة إلى الموافقة على هذا الأمر فى إجتماع فرانكفورت بين "على الحاج" المسئول الإنقاذى المتنفذ آنذاك ولام أكول الذى كان يقود فى ذلك الوقت تمردا ضد جون قرنق داخل الحركة الشعبية .

على الناحية الاخرى فى داخل السودان، ُقوبل التحفظ المصرى الرسمى والشعبى على اتفاق ماشاكوس بقدر من الفتور والجمود، فظهرت بعض المقولات فى الإعلام السودانى بأن أبناء السودان هم الذين كانوا يقاتلون فى الجنوب ومن ثم فلهم وحدهم الحق فى إيقاف الحرب بالطريقة التى يرونها مناسبة، وأن مصر لم تبذل الجهد الكافي لدعم السودان، وأنها كانت تستقبل المعارضة السودانية بأطرافها الشمالية والجنوبية الممثلة فى التجمع الوطنى الديمقراطى المعارض، وأنها تحتفظ كذلك بعلاقات جيدة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان وزعيمها "جون قرنق" ... وغير ذلك من الانتقادات، التى لم تقف عند هذا الحدث بل تعدته إلى التلويح بتحريك ملف الخلاف الحدودى حول حلايب، وهو ما ورد فى لقاء للرئيس البشير مع صحيفة "الشرق" القطرية آنذاك ، ثم جرى نفيه بعد ذلك.

التحفظات السودانية على موقف مصر تجاه بروتوكول ماشاكوس ومبدأ حق تقرير المصير، فُهمت فى سياق الحساسيات المعروفة فى العلاقات المصرية السودانية، فمصر لم تكن تحارب فى الجنوب، وما كان ينبغى لها أن تفعل ذلك، إذ أن دخولها طرفا فى المعادلات السياسية الداخلية حتى لو  لقى الترحيب من البعض ، فانه سيجد معارضة حادة من قبل آخرين، كما أن الاستراتيجية المصرية كانت تقوم دائما على الحفاظ على إستقرار السودان وليس تأجيج  الصراعات وصب الزيت على النار. وهناك نقطة إخرى يجب أخذها فى الإعتبار وهو ان تدخل مصر بجانب فريق ما، يعنى أيضا أنها يمكن أن تتدخل فى مرحلة إخرى ضد هذا الفريق نفسه او ضد آخرين، وهذا بطبيعة الحال لن يكون مرضيا ولا مقبولا ويعد عملا من أعمال التدخل فى الشئون الداخلية للسودان. كما أن التشاور مع مصر فى قضية بالغة الاهمية مثل حق تقرير المصير لا يعنى اعطاء مصر أو غيرها حق الفيتو على قرارات السودان السيادية، وانما على الأقل الإخطار وتبادل وجهات النظر، فمصر فى نهاية المطاف هى الظهير الحقيى للدولة السودانية، فهناك روابط ومصالح مشتركة وأمن قومى متداخل.

 التحولات فى الموقف المصرى
بعد أن هدأت الانفعالات الأولى التى صاحبته التحفظ المصرى على حق تقرير المصير والناتجة بالأساس عن الشعور بالقلق على وحدة السودان، فضلا عن الإحساس بالاقصاء والمفاجأة، بدأ يظهر بالتدرج نوع من التحول الهادئ فى السياسة المصرية التى إتجهت إلى التعامل مع الأمر الواقع، باعتبار أن حق تقرير المصير للجنوب قد أصبح أمرا واقعا عبر اتفاق قانونى ملزم، لاسيما وأن كل القوى السياسية السودانية كانت قد أعلنت تأييدها للاتفاق، إذ أن هذه القوى كانت قد وافقت على حق تقرير المصير من قبل، منذ التوقيع على مقررات أسمرا فى مؤتمر القضايا المصيرية عام 1995، وأكدت هذه القوى أنها تؤيد الوحدة الطوعية القائمة على الإقناع والتفهم المشترك. ومن ثم فلم يعد فى إمكان الموقف المصرى أن يكون "ملكياً أكثر من الملك". غير أن ذلك لم يؤثر فى القناعات المصرية الراسخة بأن الانفصال لن يكون فى مصلحة جنوب السودان ولا شماله ولن يقتصر هذا على تقسيم  السودان الى دولتين، بل قد تمتد عدواه إلى الدول الأفريقية المحيطة عبر عدوى النموذج، وأنه من الأهمية بمكان العمل على مساندة الوحدة والمساعدة على جعلها جاذبه.

التحول الذى طرأ على الموقف المصرى لم ينفذ إلى جوهر الموقف المصرى بالحفاظ على الوحدة، حيث إقتصر على طريقة التعامل مع هذا الملف الذى أخذ منذ ذلك الوقت يتسم بالهدوء ويعمل على مد الجسور فى محاولة تقديم المساعدة والمساندة ما أمكن ذلك، حيث وجدت مصر أن الاكتفاء بمجرد إعلان التحفظ والامتناع عن المشاركة سوف لن يغير الأوضاع بل سيؤدى إلى الانفراد  بالسودان الذى قد يشعر بالضعف نتيجة لفقدانه الظهير الإقليمى والسند الدولى معاً. فحرصت مصر على ان تكون قريبة من أجواء مفاوضات التسوية فى كينيا التى تعثرت أكثر من مرة وطالت لمدة ثلاثين شهرا حتى تم التوقيع على الاتفاق النهائى فى 9 يناير 2005 ، وتدخلت القاهرة أكثر من مرة لدعم موقف الحكومة السودانية، لاسيما فى أزمة وثيقة ناكورو التى رفضتها الخرطوم، وجرى سحبها فى نهاية المطاف بعد تدخل مصر، كما أعلنت مصر أنها سوف تساند الجهود السودانية من أجل جعل الوحدة جاذبة ومن أجل تذليل الصعاب أمامها.

دعم مصر للتنمية فى جنوب السودان    
سعت مصر منذ عقود عدة إلى تقديم يد العون لجنوب السودان. حيث كان هناك عدد كبير من المنح التعليمية تقدم كل عام لأبناء جنوب السودان منذ سبعينيات القرن الماضى فى عهد الرئيس السادت ، ورغم أن العلاقات المصرية السودانيه كانت تمر باحد أطوار إزدهارها فى ذلك الوقت وكان عدد كبير من الطلاب السودانيين يتلقون تعليمهم الجامعى فى مصر، وفى جامعة القاهرة فرع الخرطوم، إلا أن تخصيص مقاعد خاصة للجنوبيين كان يحمل نوعا من التمييز الإيجابى لصالح الجنوب لظروفه الخاصة، لإتاحة الفرصة للجنوب لبناء الكوادر التى تستطيع ان تحمل عبء عمليه التنمية.

وبعد أن وضعت الحرب الاهلية فى الجنوب أوزارها، إثر توقيع إتفاقية السلام الشامل فى نيفاشا، قامت مصر بتطوير السياسة التعاونية مع اقليم جنوب السودان والدفع بها إلى الامام.

ويمكن الاشارة الى أهم الجهود المصرية فى تنمية جنوب السودان، على النحو التالى :
1- كانت مصر من أوائل الدول التى قامت بانشاء قنصلية لها بجنوب السودان فى نهاية عام 2005 ، كما قام الرئيس مبارك بزيارة إلى جوبا فى 10 نوفمبر 2008، منطلقا من الخرطوم، فى إيماءه خاصه  للتعاون والود، وهى الزيارة الأولي لزعيم عربي بعد الزيارة  التى قام بها الرئيس جمال عبدالناصر الى جوبا فى عام 1962م .
2- التعليم : إستوعبت مصر بجامعاتها ومعاهدها العليا 300 طالب وطالبة في العام الأول (بعد توقيع اتفاقية السلام)  وقررت منح الجنوب 100 منحة كل عام، بالاضافة إلى 25 منحة دراسات عليا لنيل درجتي الماجستير والدكتوراة في المجالات التي تحتاجها حكومة جنوب السودان . وهذه المنح شاملة‏ ‏الإقامة‏ ‏ومصروفات‏ ‏الدراسة‏.‏
3- أصدر الرئيس مبارك قراراً جمهورياً  فى نهاية اكتوبر 2009 بإنشاء فرع لجامعة الإسكندرية بجنوب السودان، وكان الرئيس مبارك قد وافق على إنشاء هذا الفرع لجامعة الاسكندرية منذ عام 2004 ، أى قبل توقيع الاتفاقية السلام الشامل بنحو عام كامل، وقد جرت هذه الموافقة أثناء زيارة قام بها  السيد "رياك قاى" الذى كان يشغل موقع رئيس مجلس الولايات الجنوبية فى السودان آنذاك، وذلك لدعم التنمية والمساعدة على إزالة آثار الحرب. وقد إستقرت حكومة جنوب السودان مؤخرا على تخصيص مساحة 3500 فدان بمدينة "التونج"  بولاية واراب، بعد أن كان من  المفترض ان يتم إنشاء هذا الفرع فى جوبا.
وقد باشر فرع الجامعة عمله بالفعل في مباني الجامعة الأم بالإسكندرية إلي حين اكتمال الإنشاءات بالجنوب، حيث تم قبول 60 طالبا جنوبيا بكليات الطب البيطري والزراعة و بكلية التربية و التمريض، على ان يبدأ التدريس فى جنوب السودان فى العام الدراسى 2011 مع إنتهاء الانشاءات التى تبدأ فور  استلام الارض المخصصة للجامعة، والتى تقدر الميزانية التقديرية لها أكثر من 700 مليون جنية مصرى .
وعلى مستوى التعليم قبل الجامعى قامت مصر بالبدء فى ‏إنشاء‏3 ‏مدارس‏ ‏بجوبا‏ ‏وجونجلي‏ ‏وبور،‏ ‏كما ‏تم‏ ‏الانتهاء‏ ‏من‏ ‏إنشاء‏ ‏مدرسة‏ ‏ثانوية‏ ‏فنية‏ ‏بجوبا‏ ‏وتم‏ ‏تسليمها‏ ‏بالفعل‏ ‏للحكومة‏ ‏الجنوب‏ ‏لافتتاحها‏،‏ ‏وجار‏ ‏البدء‏ ‏في‏ ‏إنشاء‏ ‏مدرسة‏ ‏جونجلي‏ ‏خلال‏ ‏النصف‏ ‏الثاني‏ ‏من‏ ‏عام 2010 ‏ ‏بتكلفة‏ 7 ‏ملايين‏ ‏جنيه مصرى .
4-الصحة : قامت الحكومة المصرية  بإنشاء مركز صحي في جوبا لتقديم الخدمات الطبية، ‏بتكلفة‏ ‏مبدئية‏ 5 ‏ملايين‏ ‏دولار، ويذكر ان هذا المركز‏ ‏ستقدم‏ ‏خدمات‏ ‏وأدوية‏ ‏مجانية‏ ‏للمرضي،‏ على أن يتم تعميم هذه الخدمات لتشمل المدن الرئيسية في جنوب السودان، كما رصدت الحكومة المصرية ميزانية لإنشاء مستوصف في كل من بور وقوقريال وتم تخصيص أدوية لدعم المركز الصحي  المصري.
5- الكهرباء : قامت مصر بتنفيذ مشروع بناء أربعة محطات إنتاج طاقة كهربائية في كل من واو، رومبيك، بور ويامبيو، بتكلفة‏ ‏إجمالية‏  قدرها 157 ‏مليون‏ ‏جنيه مصرى ‏.‏ كما الإتفاق على إنشاء شركة النيل الأبيض للطاقة الكهربائية كشركة مشتركة بين مصر وجنوب السودان . وكذلك تدريب عدد من المهندسين والفنيين من جنوب السودان في مجال الكهرباء في مصر.
6- الرى والمشروعات المائية: وقعت مصر فى عام 2009 مذكرة‏ ‏تفاهم‏ ‏بين‏ ‏مصر‏ ‏وحكومة‏ ‏الجنوب‏ ‏في‏ ‏مجال‏ ‏الري‏ ‏والموارد‏ ‏المائية، تقوم مصر من خلالها بتنفيذ مجموعة من مشروعات التعاون الفني مع جنوب السودان، عبر منحة قدرها 6ر26 مليون دولار، لخدمة العديد من المشروعات، من اهمها ما يلى  :
- مشروع تطوير المجارى المائية وإنشاء ممرات نهرية بتمويل يقدر بنحو 12 مليون دولار، بهدف تحسين المستوى البيئي والصحي والملاحي والحركة التجارية بين مدن جنوب السودان
- مشروع لإنشاء مجمعات لمياه الشرب من خلال حفر 30 بئرا جوفيا بتمويل قدره خمسة ملايين دولار وذلك لتوفير مياه الشرب الصالحة لأهالي جنوب السودان.
- إنشاء معمل مركزي لتحليل نوعية المياه بالجنوب السوداني بميزانية قدرها 300 ألف دولار، بالاضافة الى مشروع آخر لقياس مناسيب وتصرفات المياه بميزانية قدرها 7ر5 مليون دولار .
- إنشاء سد متعدد الأغراض بميزانية قدرها مليون دولار ويعمل هذا السد على توفير الطاقة الكهربائية اللازمة لأهالي المنطقة.
7- الإعلام : قدمت مصر مساعدات لجنوب السودان في مجال الإعلام شملت إستضافة فضائية جنوب السودان على القمر الصناعي المصري (نايل سات) مجاناً وتدريب كوادر إعلامية والمساعدة في تأسيس وكالة أنباء جنوب السودان.
8-  التدريب والتأهيل : تم تدريب (50) موظف من بنك جنوب السودان بالبنك المركزي المصري .. تدريب وتأهيل كوادر محلية من جنوب السودان في مجالات تنظيف مجرى النيل وقياس منسوب المياه. كما يوجد‏ ‏تعاون‏ ‏مشترك‏ ‏لتدريب‏ ‏ضباط‏ ‏الشرطة‏ ‏الجنوبيين‏ ‏في‏ ‏مصر‏ ‏وسيتم‏ ‏هذا‏ ‏العام‏ (2010 ) ‏تدريب‏ 170 ‏ضابطا‏ ‏بكافة‏ ‏التخصصات‏.‏
9- إنشاء  وحدة خاصة لتقديم الخدمات والدعم الفنى لجنوب السودان تتبع الصندوق المصرى للتعاون الفنى مع أفريقيا، جرى الاعلان عنها فى يوليو 2010 .
10- دشنت شركة مصر للطيران  فى  أغسطس 2010 إولى رحلاتها في خطها الجديد القاهرة جوبا عبر الخرطوم، وسط حضور من قيادات من مصر ومن جنوب السودان.

وتجدر الاشارة هنا إلى ملاحظتين اساسيتين، الإولى أن مصر لم تفم بدعم إقليم الجنوب عبر أى تحويلات نقدية، بل قامت بإنشاء هذه المشروعات وغيرها، مع تجهيزها للعمل بشكل متكامل لخدمة السكان المحليين فى مجال الخدمات الأساسية لتحسين ظروف حياتهم ومعيشتهم اليومية مع إفق تنموى فيما يتعلق بالتعليم والرى والكهرباء، وقد بلغت التكلفة الاجمالية لهذه المشروعات ما يزيد عن مليار جنية مصرى ( بخلاف ميزانية فرع جامعة الاسكندرية ). الملحوظة الثانية ، ان التحرك المصرى تجاه الجنوب أخذ فى الحسبان توزيع هذه المشروعات فى مختلف المناطق والولايات ولم يقصرها على منطفة معينة فى محاولة لنشر هذه الخدمات لاستفادة عدد اكبر من السكان بتنوعاتهم المختلفة .

السياسة المصريةوالعلاقات التعاونية مع الجنوب
وقد بدا أن هذه السياسة التنموية تجاه الجنوب ربما تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف:
1- المساعدة فى جعل الوحدة جاذبة، فالجنوب الذى بقى مسرحا للحرب والقتال لفترات طويلة، كان بحاجة إلى الإحساس بحدوث نوع من التغير والمردود الايجابى لعملية السلام.
2- أن يأتى هذا الدعم من دولة مصر (وهى دولة عربية)، فان هذا سوف يساعد على كسر نمطية الصورة التى تكرست لفترة طويلة بأن الحرب كانت تعبيرا عن صراع بين الشماليين ذوى الثقافة العربيةالاسلامية وبين الجنوبيين الأفارقة (المسيحيين). ومن ثم فان هذا قد يساعد فى كسر حدة الاستقطاب القائم بين الطرفين .
3- أنه فى حالة إختيار جنوب السودان للانفصال، فان هذا التعاون لن يكون ضائعا، بل سوف يكون رصيدا يصب فى مصلحة العلاقة التعاونية مع الدولة الجنوبية، ويبدو أن هذا ينصرف بدورة إلى ثلاثة اهداف على النحو التالى :
أ- منطقة جنوب السودان ذات أهمية خاصة بالنسبة لقضايا المياه التى تمثل جزءا جوهريا وحيويا من مصالح الامن القومى المصرى، وقد إزدادت هذه الأهمية عقب الازمة الاخيرة فى حوض النيل والمتعلقة بالتوقيع المنفرد على إتفاق إطارى من طرف مجموعة عنتيبى.
ب- ان مصر يجب ان تحافظ على تواجدها فى جنوب السودان، بل يجب أن تسعى لتوسيع هذا التواجد عبر التعاون الفنى والتنموى، حيث أن دولة جنوب السودان فى حالة قيامها، وبالنظر إلى افتقادها لمقومات الدولة سوف تسعى إلى طلب العون والدعم من الخارج، ومن المعروف أن اسرائيل إحدى الدول التى  تسعى إلى أدوار كبيرة فى الجنوب، تحقيقا لأجنداتها الخاصة التى تستهدف فى نهاية المطاف شمال السودان ومصر معا، ومن ثم لا ينبغى ترك الساحة الجنوبية خالية أمام إسرائيل تصول وتجول فيها منفردة .
ج- إن الانفصال فى حالة حدوثه، يجب أن يكون سلسا وتعاونيا، إذ أنه لو تم بشكل صراعى، فإن هذا سوف يمثل تهديدا للشمال والجنوب معا، وقد يؤدى إلى أشكال عديدة من الاضطراب وعدم الاستقرار، ولذا فان العلاقة التعاونية لمصر مع جنوب السودان، قد تمكنها من لعب دور توفيقى يحث الطرفين معا ويشجعهما على التعاون والحفاظ على الروابط والمصالح المشتركة .

الاستفتاء على حق تقرير المصير  
 في التاسع من يناير2011 سوف يواجه السودان استحقاق الاستفتاء علي حق تقرير المصير لإقليم جنوب السودان‏,‏ وهو المنعطف الأكثر أهمية وخطورة في تاريخ الدولة السودانية منذ الاستقلال‏، وقد كان من المفترض طبقا لاتفاقية نيفاشا أن يعمل الطرفان معا خلال الفترة الانتقالية من أجل أن تكون الوحدة جاذبة‏,‏ إلا أن كل المؤشرات الحالية توضح أن جنوب السودان مقبل علي الانفصال طبقا لتصريحات قادة الحركة الشعبية وللاستعدادات العملية الجارية علي قدم وساق‏.

 وقد أعلنت مصر من جانبها انها سوف تلتزم بالخيار الذى سوف يقرره ابناء جنوب السودان فى الاستفتاء المقبل، غير أن مصر فى إطار إستراتيجيتها الثابته، وموقفها الواضح فى كل المراحل باعطاء الأولوية دائما للحفاظ على وحدة السودان واستقراره، قامت بدعوة طرفى إتفاقية نيفاشا وهما حزب المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية لتحرير السودان، الى جولتى حوار فى القاهرة تحت الرعاية المصرية، وقد عقدت الجولة الاولى فى فبراير 2010 قبيل اجراء الانتخابات السودانية، بينما عقدت الجولة الثانية فى اغسطس ا2010. فى هذا السياق تجدر الاشارة إلى أن رعاية القاهرة لهذه اللقاءات تندرج فى ، فمصر كانت طوال الوقت ترى أن إيجاد الحلول لانهاء ازمة جنوب السودان يجب ان يقوم على اساس قاعدة المواطنة والمساواة التامة فى الحقوق والواجبات بدون اى تمييز بسبب العرق او اللون او الدين.. وليس على أساس حق تقرير المصير.

فى الجولة الإولي من الحوار كان هناك بعض الأمل في استكشاف أي صيغة تكفل الحفاظ علي العلاقة الوحدوية بين الطرفين‏,‏ إلا انه بات من الواضح أن قيادة الحركة الشعبية قد عقدت النية والعزم علي التوجه للانفصال‏,‏ مع العزوف عن مناقشة أي سيناريوهات بديلة‏,‏ عبر الحديث عن شروط ومطالب من المعروف انها سوف تكون عسيرة التطبيق حتي لو قبلها حزب المؤتمر الشريك الرئيسي للحركة الشعبية في الحكم‏.‏

على الناحية الاخرى ورغم الحملة الاعلامية واسعة النطاق الداعيه للحفاظ علي الوحدة والتنبيه إلي تبعات الانفصال ومخاطره‏,‏ ورغم الجهود الكثيفة التي يقودها الرئيس البشير ونائبه علي عثمان طه لاقناع الجنوب بالبقاء في الوحدة‏,‏ إلا انه يمكن القول أن هناك نوعا من عدم الممانعة الشمالية الواضحة في انفصال الجنوب إذا كان ذلك تعبيرا عن رغبة حقيقية لأغلبية الجنوبيين عبر استفتاء حر ونزيه وغير مزور. ولذا اصبج من الضرورى حث الطرفين على إستكشاف  الصيغ المناسبة للوصول إلي إتفاقات واضحة حول العديد من الملفات والقضايا العالقة بين الطرفين‏,‏ حتي لا يكون الانفصال بداية لصراعات أو حروب جديدة بين الدولة الجنوبية المنتظرة ودولة شمال السودان‏.‏

وقد نجحت جولة الحوار الثانية فى القاهرة (والتى قد تعقبها جولات اخرى)، فى التأكيد على الإسس الضرورية لتحاشى أى إضطرابات أو نتائج سلبية، اذ أكد الطرفان فى بيان مشترك من تسع نقاط الاتفاق على عقد الاستفتاء في موعده على ان يكون بمراقبة اقليمية ودولية، وعلى قبول خيار شعب جنوب السودان سواء كان وحدة او انفصالا وتنفيذه. كما توافق الطرفان على ان التواصل بين القبائل والمواطنين في مناطق التمازج بين الشمال والجنوب هو القاسم المشترك الاكبر في العلاقات بين الشمال والجنوب وبما يستدعى الحفاظ على علاقات وروابط اقتصادية وجغرافية وثقافية واجتماعية بين المواطنين في هذه المناطق وحل كافة نقاط الخلاف حول الحدود واستكمال ترسيمها وتطبيق هذا الترسيم على الارض. مع الدعوة إلى اخلاص الجهود لتجاوز المصاعب التي تواجه تنفيذ بروتوكول إبيي.
أوضحت جولات الحوار هذه بقراءتها  مع مجمل التحركات المصرية الاخيرة تجاه الجنوب، أن القناعة المصرية تقوم على أساس أن الحل الأفضل لكل مشاكل السودان هو الحفاظ علي الوحدة,‏ أما اذا تعذر ذلك وأصبح الانفصال حتميا‏,‏ فانه ينبغي الحفاظ علي علاقات تعاونية ومستقرة بين دولتي الشمال والجنوب‏.