عود على بدء.. يقترب السودان الآن بعد 55 عاما من استقلاله من حدث مفصلى فى تاريخه، سوف تكون له آثاره وتداعياته الهائله على مختلف الصعد، بممارسة إقليم جنوب السودان لحقة فى تقرير المصير لكى يختار بين البقاء فى السودان الموحد طبقا للنظام الذى اقرته اتفاقية السلام الشامل ( نيفاشا ) وبين الانفصال فى كيان جديد . حيث كان السودان قد حصل على الحكم الذاتى وحق تقرير المصير من خلال اتفاقية الحكم الذاتى التى اقرتها بعد تعثر طويل دولتا الحكم الثنائى( مصر وبريطانيا) فى العام 1953.. هذه الاتفاقية جاءت بعد تغير النظام فى مصر اثر حركة الجيش فى 23 يوليو 1952، ثم  بنيت عليها الخطوات التى تلت ذلك وانتهت باستقلال السودان فى الاول من يناير 1956. . والان يكمل التاريخ دورته من جديد ليواجه السودان للمرة الثانية معضلة تقرير المصير لاقليمه الجنوبى ، بما يعنى اختفاء السودان المعروف تاريخيا، لكى يحل محله (سودانان) وربما (سودانات متعددة ) .

مصر والمسالة السودانية 
مثلت المسألة السودانية مع قضية جلاء الاحتلال البريطانى عن مصر محور الاهتمام الاساسى للحركة الوطنية المصرية منذ انتهاء الحرب العالمية الاولى حتى وقوع ثورة 23 يوليو 1952، وجرت حول هاتين القضيتين مفاوضات متعددة وصلت الى طريق مسدود، وكانت مسألة أوضاع السودان وعلاقتة بمصر بمثابة الصخرة التى كانت تتحطم عليها مفاوضات إجلاء القوات البريطانية من مصر، حيث وُقعت معاهدة 1936 ، ثم عاد النحاس باشا وألغاها فى اكتوبر1951، وصاح صيحته المشهورة "تقطع يدى ولا يفصل السودان" ، معلنا فى الوقت نفسه ان جلاء الاحتلال سوف يتم بالمقاومة الشعبية ما دامت بريطانيا تصر على فصل علاقة مصر بالسودان .

وبعد يوليو 1952 أصبح الهاجس الاساسى لقادة الثورة هو حمايتها وتأمين استقرارها، عبر إجلاء البريطانيين من منطقة قناة السويس، خشية حدوث تدخل عسكرى بريطانى لاسقاط النظام الجديد او لمساندة اى تحركات داخلية مضادة من القئات التى إضيرت مصالحها من ( الحركة المباركة للجيش ) كما كان يطلق عليها آنذاك .. ولذا وضعت الثورة فى رأس أولوياتها السعى باسرع ما يمكن لانهاء هذا الوضع فدخلت بعد قيامها بعدة اشهر مفاوضات مع بريطانيا تتعلق بالوضع في السودان والجلاء عن مصر، حيث بدأت المفاوضات حول السودان في نهاية عام 1952، وتحديدا بعد قيام ثورة يوليو بخمسة اشهر.

كان الهدف المصرى هو توقيع اتفاقية تضمن جلاء القوات البريطانية عن منطقة قناة السويس، وقد اشترطت بريطانيا لذلك ان توافق مصر اولا على ان يمنح السودان حكما ذاتيا يمارس السودان فى نهايته حق تقرير المصير، باختيار الاستقلال او البقاء فى علاقة اتحاد مع مصر، على ان يعقب الموافقة المصرية على هذا المبدأ الدخول فى مفاوضات الجلاء عن منطقة القناة، فى الوقت الذى كانت فيه بريطانيا تهدف الى الوصول الى وضع يسمح بفصل السودان عن مصر، مع ضم مصر الى التحالف الغربي المناهض للاتحاد السوفييتي تحت ذريعة الدفاع عن الشرق الاوسط، في محاولة منها للحصول على غطاء شرعي ييتيح لها ايقاء جزء من القوات البريطانية وامكانية عودتها عند الحاجة الى ذلك، وهو الامر الذى كان يتوافق مع اهداف اسرائيل اتى كانت تعتبر آنذاك أن الوجود العسكري البريطاني في منطقة القناة بمنزلة المنطقة العازلة بينها وبين الجيش المصري، الامر الذى أوضحته الوثائق البريطانية التى تم الكشف عنها فيما بعد، والتى أشارت إلى وجود اتصالات اسرائيلية بريطانية من اجل تنسيق المواقف فيما يتعلق بمفاوضات بريطانيا مع مصر بخصوص الجلاء.

السياسة البريطانية تجاه السودان
كان الحاكم العام للسودان، وهو بريطانى الجنسية ويصدر قرار تعيينه من مصر، قد قام فى 8 مايو 1952 اى قبل  قيام ثورة يوليو ، بتسليم كلا من بريطانيا ومصر مشروع للحكم الذاتى فى السودان، والغ الحاكم العام كلا الطرفين، ان هذا الدستور سيصبح نافذا بعد  سته شهور من هذا التاريخ اى فى 8 نوفمبر 1952، اذا لم ترد الدولتان بموافقتهما او ملاحظاتها على مشروع الدستورالذى يدعو الى اقامة برلمان سودانى يقرر مصير السودان.

كانت بريطانيا قد وضعت لنفسها سياسة محددة تجاه السودان تسعى لفصلة عن مصر بشكل تام على أن يبدو ذلك باعتبارة قرارا سودانيا لابناء الشعب السودانى، عبر  تشجيع ودعم التيار الاستقلالى فى السودان الذى كان يقوده حزب الامة برعاية السيد عبدالرحمن المهدى، الذى كان يحمل موقفا معاديا لمصر ويحملها مسئولية اسقاط الدولة المهدية فى عام 1899، وهناك الكثير من الكتابات التى تشير الى طموح عبدالرحمن المهدى للحصول على استقلال السودان وان يكون هو ملكا عليه بعد ذلك، وأنشأ لهذا الغرض حزب الامة السودانى وسعى الى جعله قطبا للمطالبين بالاستقلال، وعدم الارتباط بمصر بأى علاقة.. بأى صورة من الصور .

وفى المقابل كان هناك التيار الاتحادى المناصر للاحتفاظ بصيغة اتحادية مع مصر، ويتكون من حزب الاشقاء والحزب الاتحادى وبعض قيادت الطائفة الختمية التى كانت المنافس الرئيسى لطائفة الانصار التى يقودها عبداهرحمن المهدى .

فى هذا السياق جاء مشروع الحاكم العام البريطانى، الذى كان يعتقد بان الانتخابات المقترحة سوف تأتى بأغلبية من حزب الإمه المتعاون مع السياسات البريطانية، وقد تمحور مشروع الحكم الذاتى البريطانى فى النقاط التالية:
1- مجلس وزراء سودانى يكون مسئولا امام البرلمان ويضم وزيرين جنوبيين ويختار البرلمان رئيس الوزراء الذى يعين الوزراء.
2- يشكل البرلمان السودانى من مجلس نواب من 97 عضو منهم 40 بالانتخاب المباشر و54 بالانتخاب غير المباشر وثلاثة من الخريجين، وكذلك مجلس شيوخ من 50 عضو ينتخب منهم 30 من المحليات ويعين الحاكم العام العشرين الاخرين .
3- الحاكم العام هو السلطة الدستورية العليا وله حق الاعتراض بالنسبة للجنوب بحيث لا يخضع لاى جهة سواه ومن حقه إعلان حالة الطوارئ ووقف عمل البرلمان ومجلس الوزراء.
4- لم يحدد المشروع مدة الحكم الذاتى المدة  التى من المفترض ان يقرر السودان بعدها مصيره. 

موقف ثورة يوليو
فى 15 اغسطس 1952 اجتمع مجلس قيادة ثورة يوليو واتخذ مجموعة من القرارات، التى اعتبرت فى مجملها تعبيرا عن توجه جديد تجاه التعامل مع مسألة السودان :
أولا: دعوة احزاب السودان جميعا ألى مصر للتفاهم معهم قبل تقديم اى مقترحات مصرية فيما يتعلق بمشروع  دستور الحكم الذاتى المقدم من قبل البريطانيين، وبذلك يمكن قطع خط الرجعة على الجانب البريطانى وإبطال حجته فى القول بان الجانب المصرى يهمل آراء السودانيين ولا يستشيرهم .
ثانيا : لا يقوم الحكم الذاتى للسودان بقرار من الحكم العام ، بل يكون خاضعا لمفواضات بين مصر وبريطانيا مؤيدا براى الشعب السودانى.
ثالثا: اعتراف مصر بحق السودان فى تقرير مصيره
رابعا: العمل على تعديل مشروع دستور الحكم الذاتى المقدم من الحاكم العام فى مايو 1952 لضمان أكبر قدر من السلطات للسودانيين خلال فترة الانتقال التى تمهد لتقرير المصير.

وكانت قناعة اعضاء مجلس قيادة الثورة أن الضرورة تحتم ان يتم تمكين الشعب السودانى من تقرير مصيره، إما بالاتحاد مع مصر باى صورة يختارها السودانيون، أو بالاستقلال الكامل.، والذى اعتبرته ثورة يوليو أفضل من أن يكون السودان مستقلا صوريا، ويتحكم فيه البريطانيون ويحتلون اراضيه، ولذا إعترفت الثورة صراحة بحق السودان فى تقرير مصيره .

اتفاق الحكم الذاتى
إستمرت المفاوضات بين الحكومتين المصرية والبريطانية إلى ان تم الوصول بعد خلافات طويلة وجهود مضنية، إلى اتفاق فى 21 فبراير 1953 بِاقامة الحكم الذاتى وممارسة السودانيين حق تقرير المصير، وقد قضت المادة 12 من الاتفاقية ان تقوم الجمعية التاسيسية التى سيتم انتخابها، بأداء واجبين هما:
أولا: تقرير مصير السودان كوحدة لاتتجزأ ( حيث كانت بريطانيا تسعى للاحتفاظ بقدرتها على التلاعب بالورقة الجنوبية ) .
ثانيا: تعد الجمعية التاسيسية دستورا للسودان، وتضع قانونا لانتخاب برلمان سودانى دائم وتقرير مصير السودان على صورة من اثنين:
أ- إما ارتباط السودان بمصر على اية صوره.
ب – أو اختيار الاستقلال التام .

وكان مجمل الاتفاق ينص على فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات تمهيدا لانهاء الادارة الثنائية وتصفيتها على ان يحتفظ فى فترة الانتقال بسيادة السودان للسودانيين حتى يتم لهم تقرير المصير، ونصت الاتفاقية على الاجراءات المفضية لذلك، عبر تشكيل لجنة الحكم العام للسودان فى الفترة الانتقالية من عضوين سودانيين وعضو مصرى وعضوبريطانى وعضو خامس باكستانى الجنسية، كما نصت الاتفاقية على ان تكون اللجنة المشرفة على الانتخابات من سبعة اعضاء .

توحيد الاحزاب الاتحادية
فى هذه الاجواء كانت مصر قد قامت بخطوة إستباقية ، رأت انها ضرورية وذات تاثير كبير فى تقرير مستقبل السودان، فقامت بالسعى الى توحيد الفصائل السياسية السودانية الداعية الى الاتحاد مع مصر، والتى كانت تعانى من التشتت ، فقدمت القاهرة الدعوة للاحزاب الاتحادية التى شملت الجبهة الوطنية التى كان يرعاها السيد على الميرغنى زعيم الطائفة الختمية، وحزب الاشقاء بزعامة اسماعيل الازهرى والجناح الاخر من حزب الاشقاء برئاسة محمد نور الدين الذى كان من اكثر المتحمسين للوحدة مع مصر، بالاضافة الى حزب الاحرار الاتحاديين.

وقد توصلت المباحثات الى اعلان توحيد كافة الاحزاب الاتحادية فى حزب واحد فى نوفمبر 1952 تحت مسمى ( الحزب الوطنى الاتحادى ) ، وقد تم اختيار الازهرى رئيسا للحزب، ومحمد نور اليدن نائبا له، وقد نص ميثاق الحزب على جلاء الانجليز من السودان وقيام اتحاد مع مصر عند تقرير المصير، وكان اللواء محمد نجيب الذى كان قد نشأ وتعلم فى السودان هو الذى يقود الجانب المصرى فى هذه المفاوضات والاتصالات .. وقد كانت هذه الخطوة بالغة الاهمية على صعيد تكتيل الجهود السياسية للداعين للحفاظ على العلاقة مع مصر فى مواجهة التكتل الاخر الذى كان يتزعمة السيد عبدالرحمن المهدى.

تمت الانتخابات بنجاح واشتركت فيها كافة الاحزاب السياسية المعلنه فى ذلك الوقت، وكان عدد المرشحين 304 مرشح، تنافسوا على 97 دائرة، وقد حصل الحزب الوطنى الاتحادى  على اغلبية المقاعد، إذ حاز على 56 مقعدا ، بينما حصل حزب الامة الذى يقود التيار الاستقلالى على 23 مقعدا، الامر الذى زاد من الامال المصرية فى الحفاظ على الوحدة مع السودان .

وقد قام حزب الاغلبية ( الوطنى الاتحادى ) بتشكيل الوزارة الاولى برئاسة اسماعيل الازهرى من 12 وزيرا بينهم ثلاثة جنوبيين، وقامت الوزارة باداء اليمين الدستورية امام الحاكم العام فى 9 يناير 1954 وإُعتبر يوم تادية اليمن الدستورية بمثابة بدء الفترة الانتقالية ومدتها ثلاث سنوات طبقا لاتفاقية الحكم الذاتى .

وقد شهدت الفترة التالية صراعا مباشرا بين مصر وبريطانيا فى السودان، فى اطار سعى كل منهما لاستقطاب اكثر العناصر التى من الممكن ان تحقق تاثيرا فى اوساط الراى العام، بعد ان استنفدت عملية التفاوض اغراضها بتوقيع اتفاقية الحكم الذاتى، التى عبرت عن تضامن ثورة يوليو مع الشعب السودانى وتحرير وادى النيل من النفوذ والتواجد البريطانى الاستعمارى بكافة اشكاله .

أحداث مارس 1954
أختير يوم الاول من مارس 1954 موعدا لافتتاح البرلمان السودانى، وقد حرصت الحكومة السودانية على إقامة احتفال ضخم بهذه المناسبة دعت له ممثلين للعديد من الدول العربية والافريقية بالاضافة الى ممثلى دولتى الحكم الثنائى مصر والسودان.

كان اللواء محمد نجيب على راس الوفد المصرى المشارك فى هذه الاحتفالات ( قبل اقصاء نجيب وعزلة بعد ذلك)،  وكان حزب الامة وجماهيرة من طائفة الانصار، قد أعدوا حشودا كبيرة لمقابلة الوفد المصرى فى المطار بهتافات معادية لمصر.. ولأى صورة للإتحاد معها، وكان رأى حزب الامة أن الانتخابات لم تكن نزيهة بسبب الدعم المصرى لها بالمال والتحركات والاتصالات النشطة لمناصرة مرشحى الحزب الوطنى الاتحادى.

كانت جماهير طائفة الانصار فى حالة غاضبة ويريدون استعراض عضلاتهم لاثبات قوة حزبهم، ولما تم تحويل الطريق الذى كان محددا لموكب الرئيس محمد نجيب لتفادى التعرض له، وقعت صدامات دامية سقط فيها عدد من القتلى من افراد الشرطة ومن الانصار، وانقلب الاحتفال الى ماساة دامية، تقرر على اثرها الغاء الاحتفال وتاجيل افتتاح البرلمان. وقد تعددت التفسيرات والتحليلات لهذه الاحداث الدامية، الا انها كانت فى النهاية تعبيرا عن حالة التعبئة الهائلة والاحتقان والغضب الذى أصاب التيار الاستقلالى من نتائج الانتخابات.

وقد أثرت هذه الاحداث بجانب عوامل اخرى فى تراجع موقف الحزب الوطنى الاتحادى من قضية الاتحاد مع مصر، حيث مثلت رسالة قوية تفيد بانه من الممكن قيام حرب اهلية فى السودان اذا تمت الوحدة التى يرفضها التيار الاستقلالى، اوالتحول الى الفوضى التى قد تجعل الحاكم العام للسودان يعلن حالة الطوارئ واعلان وجود فراغ دستورى يستوجب عودة دولتى الحكم الثنائى للسودان .

صلاح سالم ودوره فى السودان

تم تكليف الصاغ صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة بالاشراف على تنفيذ قرارات المجلس تجاه السودان، وقد تم اختياره لهذه المهمة لانه وُلد وأمضى طفولته في مدينة "سنكات" بشرق السودان، حيث كان والده موظفا هناك وتعلم في مراحله الاولى فى كتاتيب السودان، وكان معروفا عن صلاح سالم الاندفاع والطموح، كما كان وطنيا غيورا.

قام صلاح سالم برحلته المشهورة الى السودان وزار الجنوب فى ديسمبر 1952 وتنقل بين المديريات المختلفة واستقبل  استقبالا شعبيا وديا، كما لقى الترحيب من ابناء القبائل الجنوبية.. وفى هذه الرحلة قام صلاح سالم بمشاركة الجنوبيين فى الرقص عارى الصدر حيث انتشرت هذه الصورة على نطاق واسع، وسمى صلاح سالم فى وسائل الاعلام الغربية بالصاغ الراقص، حيث ان نشاطة الهائل أزعج السلطات البريطانية، حيث تمكن من اختراق الجدار الذى صنعه الاحتلال البريطانى حول الجنوب لسنوات طويلة، كانت الفجوة قد اتسعت خلالها بين الشمال والجنوب وتم تكريس صورة معينه للعرب الشماليين ذات طابع سلبى .

وقد استطاع صلاح سالم الحصول على توقيعات من غالبية زعماء القبائل الجنوبية الكبيرة ورؤساء واعضاء المجالس البلدية فى كاف المدن الرئيسية بتاييد مشروع الحكم الذاتى ووحدة الشمال والجنوب، كما تمكن صلاح سالم من الاتصال بكافة الاحزاب السياسية السودانية ذات التوجه الاتحادى مع مصر، ووقف بقوة وراء دعم االحزب الوطنى الاتحادى فى الانتخابات حتى فاز بالاغلبية فى الجمعية التاسيسية ، غيرانه اتهم بالاسراف فى انفاق الاموال لدعم التيار الاتحادى.. وان هذه الطريقة فى التقرب الى السياسيين السودانيين ، أدت الى شيوع صورة سلبية عن العديد من المتحمسين لقضية الاتحاد مع مصر.

ونتيجة لكثير من التطورات والاحداث، وبعد ان تبين ان اتجاه السودانيين بات واضحا نحو اتخاذ قرار بالاستقلال التام، الامر الذى إُعتبر  فشلا لصلاح سالم فى مهمته مما ادى الى تقديمه لاستقالته فى اغسطس 1955 من موقع وزير شئون السودان الذى كان يشغله.. وأيضا من عضويته فى مجلس قيادة الثورة، بعد أن أعتبر من جانبة أن العديد من زملائة فى مجلس قيادة الثورة كان يتآمر عليه ويتعمد إفشال مهمته فى السودان .

نهاية الامل فى وحدة وادى النيل :
تداخلت عوامل عديدة فى إحداث نوع من التحول فى توجهات الاشقاء فى السودان من قضية  العلاقة الاتحادية مع مصر، التى كان الازهرى يرى أنها يجب أن تتمثل فى أن يكون السودان جمهورية لها رئيس سودانى، وان يكون الاتحاد مع مصر على شكل مجلس أعلى يضم مجلس الوزراء المصرى ومجلس الوزراء السودانى يجتمعان مرة او عدة مرات فى العام لبحث المشاكل المشتركة كالدفاع والسياسة الخارجية ومياه النيل، وان تعرض قرارات المجلس الاعلى على برلمان كل من الطرفين المصرى والسودانى لاقرارها او نقدها او تعديلها.

وكان من اهم عوامل تراجع الوحدة الجهود المستمرة والمكثفة التى بذلها البريطانيون للحيلولة دون قيام هذه العلاقة بين مصر والسودان من خلال اللعب على التناقضات والحساسيات واثارة النعرات واستغلال الثغرات. وهذا لاينفى وجود عوامل اخرى قد يختلف الكثيرون على اهميتها او وزنها النسبى، ولكنها اجمالا تتمثل فيما يلى :
1-  إبعاد اللواء محمد نجيب من مجلس قيادة الثورة ورئاسة الجمهورية ، حيث كان نجيب يتمتع بنفوذ وحب شعبى كبير فى السودان، لانه ولد فى السودان وتربى وتعلم فيه ولم يعد الى مصر الا لدخول الكلية الحربية، كما أن والدة وخاله توفيا فى السودان ودفنا فيه، ولذلك كان يتفهم مشاعر السودانيين، وبدورهم كانوا يعتبرونه سودانيا، وقد تمثلت مشاعرهم تجاه نجيب فى خروج المظاهرات فى السودان تضامنا معه فى أزمته مع مجلس قيادة الثورة، واستنكار الاعلام السودانى لقراراعفائه واتهام مجلس الثورة المصرى بالديكتاتورية. وقد ساعد على ذلك استغلال الشيوعيين والاخوان المسلمين لهذا الموقف والعمل على تصعيده .
2- انقسام الراى العام فى السودان بين مؤيدى الوحدة ومعارضيها خاصة بعد احداث مارس 1954، التى اشارات الى اتجاه حزب الامة وطائفة الانصار الى الصدام وعدم ممانعتهم فى استخدام العنف.
3- انحياز الطائفة الختمية لاستقلال السودان بشكل كامل، وتخليها عن قرارات تنسيق الجهود بين الفصائل الوحدوية، الامر الذى ادى الى اندلاع المنافسات والحساسيات بين قادة الفصائل الاتحادية ومكايدتهم لبعضهم البعض.
4- وجود انطباع بين شرائح متزايدة من السودانيين، بالخشية من ان تعاملهم قيادة ثورة يوليو كما تتعامل مع معارضيها فى مصر، مثل الصدام مع الاخوان وتنحية نجيب .

اعلان استقلال السودان
فى 16 اغسطس 1955 أصدر البرلمان السودانى قرارا باخلاء القوات البريطانية والمصرية عن السودان، وقد تم تنفيذ انسحاب هذه القوات فى نوفمبر 1955، وفى 19 ديسمبر من العام نفسهاصدر البرلمان السودانى قرارا يعلن فيه استقلال السودان وطلب من دولتى الحكم الثنائى الاعتراف بهذا الاستقلال، فاستجابت مصر على الفور، وتم نقل السلطات الدستورية التى كان يتمتع بها الحاكم العام الى لجنة صدق عليها البرلمان السودانى مكونة من خمسة اشخاص احدهم من الجنوب.
وفى الاول من يناير عام 1956 تم إنزال علم مصر وعلم بريطانيا وارتفع علم السودان، إيذانا باعلان ميلاد جمهورية السودان المستقلة.

نقلا عن مجلة المصور المصرية