فى الإسبوع الماضى انعقد فى العاصمة الاثيوبية أديس ابابا اجتماع وزراء الرى لدول حوض النيل، للقيام بمراجعة شاملة لمشروعات المبادرة المشتركة التى درست طوال السنوات العشر الماضية، وذلك بحضور البنك الدولى ومجموعة المانحين الدوليين، وأيضا لنقل رئاسة المجلس الوزارى من مصر إلى اثيوبيا طبقا للنظام المتبع بجعل الرئاسة دورية لمدة عام واحد.

ورغم أن هذه الاجتماعات التى استمرت لمدة يومين تخص مبادرة حوض النيل المقرر لها أن تنتهى فى ديسمبر 2102 ، ولم تكن مخصصة لمناقشة اتفاقية عنتيبى وتطوراتها، إلا انه لم يكن من الممكن أن تنتهى دون المرورعلى هذا الحدث الأبرز الذى سوف تتشكل على أساسه طبيعة العلاقات بين بلدان الحوض وهل سوف تعود للاطار التعاونى من أجل الاستخدام الأمثل للموارد، أم تبقى عند محطة الانقسام والاستقطاب الحالى الذى قد يفضى الى شكل من اشكال النفور والصراع.

 

فيما يتعلق بالموضوع الاصلى للاجتماع فقد سارت المناقشات بوتيرة هادئة كما تمت الموافقة على إسناد منصب الامين العام للمبادرة الى أحد الخبراء المصريين، أما فيما يتعلق بإتفاقية عنتيبى فقد تمسكت الدول الموقعة على الإتفاقية بمواقفها المعلنه وأنها غير قابلة للتراجع، غير أن هناك تقدما طفيفا تمثل فى موافقة المجلس الوزارى على دعوة السودان لاجتماع استثنائى لمناقشة الآثار والتداعيات القانونية والاقتصادية التى ترتبت على التوقيع المنفرد لهذة الاتفاقية ومخاطرها التى قد تؤدى إلى انهيار التعاون الذى تم تكريسه لعدة عقود. وقد كان من اللافت ايضا ان السودان اعلن فى نهاية الاجتماعات عن تجميد مشاركته فى انشطة المبادرة المشتركة الى ان يتم الاجتماع الاستثنائى المتفق عليه ، وذلك كنوع من الاحتجاج على تعنت مجموعة دول عنتيبى، واصرارها على المضى قدما فى محاولة فرض أمر واقع جديد من طرف واحد.

 

 هذا الموقف السودانى المحسوب بدقة والذى أتى فى الاتجاه الصحيح بعث برسالة قوية الى مجموعة عنتيبى وبالاساس الى اثيوبيا التى تتزعم المجموعة وتمارس ضغوطا عنيفة (بالاشتراك مع اوغندا) على بوروندى لدفعها الى التوقيع لكى يصل عدد الدول الموقعة الى 6 دول ومن ثم تدخل الاتفاقية الى حيز التنفيذ بعد التصديق عليها فى برلمانات هذه الدول .  وأهمية الموقف السودانى بالنسبة الى اثيوبيا تعود الى الاهمية الخاصة وذات الطابع الاستراتيجى للسودان بالنسبة الى اثيوبيا فيما يتعلق بتوازنات القوى فى القرن الافريقى، فالسودان هو الذى يوفر منفذا لاثيوبيا على البحر الاحمر بعد ان اصبحت دولة حبيسة اثر استقلال اريتريا، بالاضافة الى العلاقات التجارية والكثير من المشروعات المشتركة والروابط الكثيفة بين اثيوبيا والسودان، كما ان السودان يمنح النفط لاثيوبيا بسعر تفضيلى ومعاملة خاصة، فضلا عن أن موقف الخرطوم مؤثر فيما يتعلق بالصراع الإثيوبى الإريترى على الحدود.. وهكذا فان مفاد الرسالة السودانية أن فشل الاجتماع الاستثنائى القادم سوف يكون له ما يليه، وان حالة التهدئة التى تنطلق منها الاستراتيجية المصرية السودانية المشتركة قد لا تستمر طويلا، وانه لايجب التعويل على ان الامور سوف تمضى بالسهولة التى تتوقعها اثيوبيا والدول التى تسير فى ركابها .

 

وفى الوقت نفسه فقد افصح اعلان التجميد السودانى عن موقف حازم تجاه التصرف المنفرد من مجموعة دول اتفاقية عنتيبى، واوضح الاساس الراسخ للاستراتيجية المشتركة مع مصر، والتى تقوم بالاساس على المصالح المشتركة للبلدين معا، حيث كان وزير الرى السودانى المهندس كمال على محمد قد نشر مقالا مطولا فى جريدة الصحافة السودانية ردا على ما دعوة السيد الصادق المهدى لمبادرة جديدة نحول بلدان المنابع.. ما يعنينا فى سياق هذا المقال ما ذكرة وزير الرى السودانى "  ان وزارة الرى السودانية أوضحت وجهة نظرها فيما يدور بجلاء ووضوح تام هو انه ما دامت اتفاقية دول المنبع لا تعترف بالحقوق والاستخدامات والمشروعات القائمة فعلا، فان السودان لن يوقع مثل هذه الاتفاقية الاطارية التي تستبعد البند  " 14 ب" .  اذ كيف يشارك السودان في اتفاقية لا تعترف بأن هناك شيئاً اسمه مشروع الجزيرة ومشروع الرهد ومشاريع الطلمبات القائمة وخزان الرصيرص وخزان سنار وخزان جبل اولياء وخزان مروي وخزان خشم القربة؟ .. هذا هو منشأ الخلاف وعليه فان السودان لن يوقع على مثل هذا الاتفاق الاطاري الا اذا تم الاتفاق والتوافق بين دول حوض النيل على نقاط الخلاف وهذا الخلاف ينسف مبادرة حوض النيل الا اذا تم تحويل المبادرة الى مفوضية لاستقطاب التمويل والاشراف على تنفيذ المشروعات التي ترغب دول حوض النيل كل دول حوض النيل في اقامتها دون تسبيب ضرر" .

 

وجهة النظر هذه هى نفسها التى تعتمدها مصر خطا احمر لا يقبل التراجع، ولذلك فقد رحب وزير الرى المصرى بالموقف السودانى.. ومن المعروف ان نتائج اجتماعات اديس ابابا سوف تعرض على مجلس الوزراء المصرى الذى لم يكن قد انعقد وقت كتابة هذه السطور للنظر فى الخطوات المستقبلية، الا اننا نستطيع القول ان الفترة الماضية قد شهدت تحركات مصرية كثيفة عبر حزمة منسقة ومتكاملة من الاجراءات  للتعامل مع الازمة بزواياها المختلفة فى محاولة جادة لاجتياز عنق الزجاجة الحالى دون الانزلاق الى الخوض فى صراع مفتوح مع الدول التى سارعت بالتوقيع ،  وذلك كجزء من رؤية واضحة.  ولعلنا نستطيع القول من خلال متابعة للتحركات المصرية، أن هذه الرؤية تستند إلى محورين أساسيين:

المحور الأول:  هو أن مصر لم ولن توقع على اتفاقية عنتيبى بنصوصها الحالية ما لم يتم التوصل إلى حل للنقاط الخلافية العالقة، ولعله أصبح من المعروف الآن على نطاق واسع أن هذه النقاط تتلخص فى ثلاث على النحو التالى :

1- ضرورة الإشارة بشكل صريح وواضح فى متن الاتفاقية إلى الاعتراف بالاستخدامات الحالية لمصر والسودان من مياه النيل، حيث أن ترك هذه المسالة غامضة لايعنى سوى ترحيل الصدام المتوقع الى المستقبل وترك الاجيال المستقبلية عرضة للخطر، فاستخدامات المياه الحالية فى مصر والسودان لا يمكن التراجع عنها لان ذلك سيلحق ضررا هائلا بالتنمية والحياة فيهما، بل ان البلدين يسعيان الى زيادة مواردهما المائية وليس انقاصها وهذا طموح مشروع، لأنه مطروح من خلال التعاون مع بلدان حوض النيل بشكل جماعى عبر المبادرة المشتركة لحوض نهر النيل وبطريقة وفاقية تسعى للحفاظ على مصالح الاخرين عبر مبدأ win- win "   "  اى " المكسب للجميع " فلا يجب ان تكون المنافع التى تتحقق لطرف على حساب الاطراف الاخرى، وهذا التوجه يتوافق تماما مع القاعدة المستقرة  والاكثر أهمية في مدونات القانون الدولى لتنظيم استخدامات مياه الانهار فى الاغراض غير الملاحية، فلا يمكن قبول او السماح باستخدامات جديدة لدولة ما او مجموعة من الدول تلحق ضررا بدول اخرى. ولعل هذا ما عبر عنه وزير الرى المصرى فى ختام اجتماعات أديس أبابا لوزراء الرى فى حوض النيل حينما قال " يجب ان تقول للمصريين ان يتخلوا عن حضارتهم على ضفتى النهر وان يذهبوا الى الصحراء لان مياههم سوف تضاف الى دولة اخرى .. هذا لن يحدث" .

2- النقطة الخلافية الثانية هى ضرورة الاعتراف بمبدأ الاخطار المسبق وهى ايضا قاعدة قانونية معمول بها ومستقرة، الا ان اتفاقية عنتيبى تصوغها بطريقة تصل الى حد الاهدار الكامل ، اذ انها تضعها فى سياق التشاور، والجميع يعرف ان التشاور غير ملزم، ثم تربطها بعد ذلك باقتناع الدول صاحبة المشروعات المستجدة بان هناك اخطارا جدية على الدولة صاحبة الاحتجاج، وهذا يعنى الاحتكام الى معايير ذات طابع تقديرى ، وغير موضوعى ، ومن ثم يمكن لاى دوله أن تتمسك بانها غير مقتنعة بمبررات احتجاج هذه الدولة او تلك، او انها ترى ان الأخطار التى قد تحدث ليست جدية، وهذا ايضا معيار غير موضوعى. بما يعنى فى نهاية المطاف فقدان هذا التشاور لاى قيمة عملية، لاسيما وان الاتفاقية تترك الباب مفتوحا بشكل شبه كامل لاى مشروعات بغض النظر عن الحاق الضرر بالاخرين حين تشير الى انه يمكن معالجة ذلك بالتعويض ( من بين وسائل اخرى ) .

3- النقطة الخلافية الثالثة،  هى طريقة اتخاذ القرارات ، حيث كان هناك اتفاق جماعى ان يتم اتخاذ القرارات بالتوافق ، الذى يعنى صورة من صور الاجماع ، وقد استمر العمل بذلك طيلة السنوات العشر الماضية وهى عمر المبادرة المشتركة، الا ان دول المنابع قررت الخروج عن هذا المبدا وان تضرب به عرض الحائط، من خلال التصرف بشكل منفرد، والاعتماد على صيغة الاغلبية التى رفضتها مصر والسودان، ففما لا شك فيه ان هذه الصيغة ليست سوى مدخل لتهديد مستقبلى بالغ الخطورة للمصالح المائية لمصر والسودان ن فدول المنابع سبعة دول من اجمالى تسعة دول يحق لها التصويت فى حوض النيل ( ارتريا تحتل صفة المراقب ) ومن ثم فان هذه الدول يمكنها فى المستقبل ان تتخذ اى قرارات لتعديل الاتفاق الاطارى نفسه او لتمرير اى قرارات او لحسم اى خلافات فى المفوضية العليا لحوض النيل دون الاخذ فى الاعتبار برأى او مصالح دولتى المصب مصر والسودان. ومما يزيد الطين بله ان هاتين الدولتين لن يكون بمقدورهما الاعتراض، بالنظر الى ان هذه القرارات ستكون صحيحة وملزمة وذات صبغة قانونية، باعتبار انها تاتى طبقا للاتفاق الذى وقعته دولتا المصب وليس خروجا عنه.  والترجمة العملية لذلك فى الواقع تقول انك " تعطى للآخرين رقبتك " يفعلون ما يشاؤن، وعليك بعد ذلك ان تعتمد على حسن النوايا أو التاكيدات الاعلامية الشفهية عديمة القيمة والنفع، حين تقع الواقعة .

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الموقف المشترك لمصر والسودان قد أبدى نوعا من المرونة، إذ وافق على ان تكون طريقة اتخاذ القرارات بالاغلبية المشروطة، التى تعنى ضرورة وجود دولتى المصب داخل هذه الاغلبية، ولكن هذه الصيغة لم ُتقبل ايضا، الأمر الذى يثير التساؤل حول ما اذا كانت هناك  توجهات مستقبلية لتكريس اوضاع معينة لا تتوافق مع المصالح المائية لدولتى المصب.

 

المحور الثانى    للتحركات المصرية يستند إلى الادراك الكامل بان التعاون هو السبيل الوحيد لاستغلال الموارد المائية للحوض لصالح الجميع بدون استثناء، ولذا فان الخلاف الحالى يجب التعامل معة بالصبر وسياسة النفس الطويل ، التى تتمسك بالحقوق بحزم، مع التاكيد على سياسة الحلول الوسط التى تلبى مصالح الجميع، ولكن ذلك يتم بدعوة هذ الدول بالحسنى الى العودة للتفاوض من اجل تحاشى نسف واهدار كل الجهود التى بذلت  طوال عدة عقود، ومن ثم فان الرفض الحازم لاتفاقية عنتيبى لايجب ان يحمل معه طابعا صراعيا او يفتح الباب لتدهور العلاقات مع دول المنابع، وانما يترك الباب مفتوحا للعودة الى التفاوض بهدوء وبشكل سلس، وفى الوقت نفسه فان الدولتين الرافضتين للاتفاقية ليستا فى موقف الضعف فهذه الاتفاقية لا تلزمهما فى شئ ولن يعترفا بها كما ان دول المنابع فى حالة مضيها فى مواقفها الحالية لن تستفيد شيئا ، إذ ان ذلك سيؤدى بلا شك الى توقف مشروعات المبادرة المشتركة، وسوف تدافع كل من مصر والسودان عن حقوقهما المائية بكل الوسائل الدبلوماسية والقانونية.

 

فى هذا الاطار أوفدت مصر الوزير عمر سليمان مدير المخابرات العامة الى اوغندا ووزير المالية الدكتور يوسف بطرس غالى الى بوروندى، من أجل تخفيف الضغوط التى تمارسها اوغندا واثيوبيا على بوروندى للتوقيع فى محاولة من القاهرة لاستباق انضمام طرف سادس الى الاتفاقية . وفى الوقت نفسه كان وزير الرى الدكتور علام فى الخرطوم للتنسيق مع السودان بخصوص اجتماعات اديس ابابا، وعلى مسار مواز كانت مصر تواصل  جهودها واتصالاتها مع الدول المانحة  للحصول على تاكيدات وتعهدات بعدم الموافقة عل تمويل اى مشروعات مائية فى حوض النيل من شانها التاثير سلبا على حصتى مصر والسودان، وهناك تقد معقول على هذه الجبهة حيث كانت مجموعة المانحين الدوليين المرتبطين بالبنك الدولى قد اعلنت منذ وقت سابق انها لن تقوم بتمويل اى مشروعات  فى مناطق توجد بها نزاعات، وبالتالى اكدت بشكل صريح انها لن تمول مشروعات فى حوض النيل ما لم يكن هناك اتفاق يشمل جميع الدول الاعضاء. وفى الاطار ذاته حصلت مصر على تاكيدات من الصين بانها لن تمول اى مشروعات تهدد المصالح المائية لمصر.

 

فى سياق هذه الرؤية جاءت توجيهات الرئيس مبارك بالمشاركة فى اجتماعات اديس ابابا رغم تحفظ بعض المؤسسات المصرية المعنية بامر حوض النيل وتوصيتها بعدم المشاركة ، اذ ان مصر تعطى الفرصة كاملة لسياسة التهدئة والعودة الى التفاوض والتعاون واستراتيجية الكسب والمنفعة للجميع وليس لطرف على حساب اخر، فاذا لم تفلح هذه السياسة فان مصر غير معنية بهذه الاتفاقية ولن تعترف بها ببنودها الحالية. كما انه سيكون واضحا فى هذه الحالة ان تصرفات دول المنابع هى تصرفات ذات طابع سياسى تغلب عليه روح الخصومة والعداء وتهديد الاخرين، وهذا بطبيعة الحال لن يكون مقبولا، وسوف يقتضى التوقف واعادة تقييم الاوضاع بشكل شامل لاعتماد السياسات والاجراءات الضرورية للدفاع عن المصالح المائية التى تقع فى القلب من استراتيجية الامن القومى المصرى .

الاهرام الاقتصادى