عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


تلقيت دعوة لحضور لقاء مع بونا ملوال المستشار في رئاسة الجمهورية في مكاتب السفارة السودانية في واشنطن.ابلغت ان اللقاء سيكون في السادسة والنصف مساء. لم يحضر الضيف الا بعد ما يزيد على ساعة زمن. هذه عادة سودانية. نحن لانحفل كثيراً بالوقت حين يكون أطراف اللقاء سودانيين. حضرت اللقاء مجموعة صغيرة منتقاة اضافة الى ديبلوماسيين من السفارة.
 تطرق بونا ملوال الى موضوع المحكمة الجنائية الدولية، والاسلوب الاميركي السياسي الذي يتسم من وجهة نظرها بالجهل والغطرسة. وقال إن واشنطن تضيق الخناق على الخرطوم لانها تهدف في نهاية الامر الى تغيير النظام في السودان. ثم عرج الرجل على الأوضاع في الجنوب واتفاقية نيفاشا ومسألة التنمية، وموضوع حق تقرير المصير، واحتمالات الوحدة والانفصال.
تحدث بونا ملوال من عل وبلغة لا تخلو من التهكم والاستاذية، تعامل معنا مثل "تلاميذ" . ليست هذه هي القضية، لكن الاشكال إن الرجل سار بالنقاش الى اقصى ما يمكن ان تصل اليه التناقضات حين تتلون وتتقلب المواقف السياسية لاسباب ذاتية، على الرغم من انه طرح أفكاراً حاول جاهداً ان يطفي عليها شيئاً من المصداقية. حين حاصرته أسئلة حول فهمه الشخصي لموضوع " حق تقرير المصير،" قال ان المهم هو ممارسة الحق، لكنه تحاشى ان يحدد موقفه حول ما إذا كان هو شخصياً مع " الانفصال" او "الوحدة الجاذبة". ومن أغرب ما سمعت في ذلك اللقاء إن من مخاطر الانفصال ان يتشظى الجنوب الى عدة دول ، لذلك من وجهة نظر بونا ملوال يجب عدم ترك الجنوب ليمضي الى حال سبيله بل على الشمال ان يتحمل عبء الحفاظ على الوحدة بغض النظرعن نتيجة ممارسة حق تقرير المصير. وفي كل مرة كان يكيل الانتقادات والتوبيخ الشديد لحكومة الجنوب، وقال من بين ما قال إن هذه الحكومة تسلمت مبلغ سبع مليار ونصف المليار دولار من عائدات النفط لكنها لم تنجز مشروعا تنموياً واحداً في الجنوب، مع تلميحات ان الملايير بددت في اللاشيء. 
اراد بونا ملوال ان يجد مخرجاً تلفيقيا بين مواقفه السابقة باعتباره من أكثر المتحمسين لفكرة " حق تقرير المصير" وبين موقعه الحالي مستشاراً في القصر، يتعذر عليه ان يقول بوضوح إن تقرير المصير يمكن أن يقود إما للانفصال او الوحدة ، وأغفل ان اتفاقية نيفاشا التي تحمس لها في وقت سابق لا تنص الا على خيارين ،إذ اراد ان يقول لنا ونحن نستمع الى هذا العجب العجاب ، إنه يجب ممارسة حق تقرير المصير، لكن هذا الأمر يفترض ان لايؤدي الى الانفصال.
شخصياً وبعد أن تدحرج النقاش الى حدود المغالطة آثرت الصمت لاستمع الى رجل يقول ما لا يتطابق مع مواقفه المعلنة منذ منتصف الستينات. بدا لي انه غير قادر على إقناع نفسه ، دع عنك إقناع " تلاميذ" جالسين امامه وهم من رموز العمل السياسي والحزبي في منطقة واشنطن، ثم بدا لي ان الرجل يسعى جاهداً، مسعى يدعو للرثاء حقاً، أن يقول كلاماً لا يحرج موقعه الرسمي الحالي، وفي الوقت نفسه يحافظ على شعارات سار خلفها خلال سنوات كان خلالها طليقاً من قيود المنصب الحكومي.
لنتذكر مواقف بونا ملوال  السابقة ونقارن بين موقفه اللولوبي الذي يقول به الآن ومؤداه ان " حق تقرير المصير" لا يعني بالضرورة ان الناس يمكن ان تقرر شيئاً. هنا أعترف بانني لم أعد أفهم.
بعد ثورة اكتوبر عندما تقررعقد "مؤتمر المائدة المستديرة" شارك بونا ملوال باعتباره اميناً عاماً لحزب "جبهة لجنوب" وفي ذلك المؤتمر كان ملوال من أكثر المتحمسين لفكرة " تقرير المصير" لجنوب السودان، وكان القول ايامئذٍ بحق تقرير المصير يعني الانفصال لذلك رفض الساسة الشماليون ذلك المبدأ، و في اعتقادهم ان الجنوبيين يمكن ان ينالوا كل شيء الا "حق تقرير المصير".
لم تصمد اكتوبر بكل الزخم الذي واكبها. وفي رأي بعض المحللين إن اكتوبر وفي ظل مد يساري جارف، استبدلت نظاماً عسكريا بنظام مدني ، لكنها لم تحقق شعارات اليسار اي انها لم تغير الجوهر بل غيرت الشكل، وهذا تحليل يقول إن الذين اندفعوا في مظاهرات المدن وواجهوا الرصاص وخاضوا تجربة العصيان المدني الفريدة، لم يجدوا انفسهم في موقع اتخاذ القرار بعد انتصار الثورة ، لذلك جاءت مايو لتحقق ما عجزت عنه أكتوبر. هذا التحليل سيتسبب في كوارث سياسية لاحقة لانه لم يدرك ان جوهر الديمقراطية هو حكم المؤسسات ، سواء اختار الناخبون اليمين او اليسار، وكان ان دخلنا في ليل مايو البهيم.
عندما اصبحت مايو هي حفنة "مثقفين" ينظرون لفكر "القائد الملهم" سيطل علينا بونا ملوال من جديد بعد منتصف السبعينات، وزيراً للثقافة والاعلام، وزير دولة في البداية ثم وزيراً أصيلاً ، تحول ملوال الى نجم في حكومات مايو. يومها أصبحت السياسة ان يرضى عنك " القائد الملهم" سواء حين كان في اقصي اليسار أو نزح الى أقصى اليمين، وما على الناس الا ان تسايره في تقلباته طائعة بدون اختيار.
ويروي الذين عملوا الى جانب بونا ملوال بعض الحكايات التي تدل على تفرده وتميزه، بين جيوش الوزراء من "المتعلمين" الذين ما ان كان يعرض عليهم المنصب نميري حتى يهرعوا منشرحين مزهوين الى أداء القسم، واصبح خبر تعين هذا الوزير وإقالة ذاك في نشرات بعد الظهر يكاد يكون عنواناً ثابتاً، وذلك الرجل الأخرق، لا يكف عن توقيع القرارات التي تبدأ " قرر الرئيس القائد " وتنتهي بعبارة " وصدر تحت توقيعي في قصر الشعب".
من حكايات تميز بونا ملوال التي تروى انه لم يكن يترك أمراً لا يبت فيه خلال مدة اقصاها 48 ساعة، كما انه بعد عودته من أي سفر يغلق مكتبه  ولايستقبل احداً حتى يرد على جميع الاوراق والمذكرات التي تراكمت خلال غيابه. ويروي بعض الذين عملوا بالقرب منه واقعة استقالته بسبب مكالمة هاتفية ، ذلك ان ابوالقاسم محمد ابراهيم ، وكان وقتها نائباً للرئيس أغلق الهاتف في وجهه، فارسل بونا ملوال فوراً استقالته من منصبه. وراح ابوالقاسم ، وهو رجل اتصف بالرعونة في جميع تصرفاته، يبحث عن بونا ملوال لترضيته قبل ان يعود نميري من الخارج .
 ويذكر لبونا ملوال ايضاً انه رفع دعوى قضائية ضد الراحل جون قرنق في العاصمة الكينية نيروبي بعد ان وجه قرنق اليه اتهامات تحط من قدره ، ولم يسحب بونا تلك الدعوى الا بعد ان توسط بعض شيوخ الدينكا بينهما واعتذر قرنق عن تلك الاتهامات.
بيد انه هذا الصفات والمواقف  لم يكن لها اي أثر في لقاء السفارة السودانية  في واشنطن، إذ أغفل بونا ملوال الاشارة الى عمله وزيراً مع نميري ، وهو ما القى بالمزيد من الشكوك حول مدى انسجام الرجل مع مواقفه ومبادئه. وراح يقول كلاماً ، من نوع الكلام الذي لا يقول شيئاً، وفي ظنه ان ذلك سيرضي السلطة الحاكمة في الخرطوم ، لكن  كلام أمسية السفارة لا علاقة له البتة مع ما كان يقول به بونا ملوال نفسه ، سواء  خلال فترة ما بعد ثورة اكتوبر، او عندما اختار ان يعيش في لندن قبل أن يقرر العودة الى الخرطوم مؤيداً لاتفاقية نيفاشا. ربما يكون الامر يدخل في سياق لعبة السياسة التي تقود نحو المناصب العليا، وهي لعبة يمكن ان تكون لها قوة الإدمان . وفي مثل هذه الاحوال يكون هاجس السياسي رغبته في تمديد مهمته لذلك فهو على استعداد للالتفاف حول الحقائق بظن قدرته على البقاء في موقعه. وفي اعتقادي ليس أسوأ من رجل يهتم بالشأن العام يرضى أن يكون رجلاً لكل العصور.
كان حديث  أمسية سفارة السودان في واشنطن مليئاً بالمغالطات، واستخف بونا ملوال كثيراً بالذين حضروا اللقاء.
شخصياً تولد لدي شعور بان هناك تعدياً على حرمة الوعي وكرامة العقل.
عن "الاحداث"
مقالات سابقة
جميع المقالات السابقة منشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى ، ويمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1