عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لا توجد جامعة سودانية واحدة ، ضمن آخر تصنيف وضعه معهد كارنغي في واشنطن ينطبق عليها المعني العلمي الدقيق لكلمة "جامعة". أمر محزن أليس كذلك بل لعله مفجع. وفي تصنيف آخر لا توجد اية جامعة سودانية ضمن افضل مائة جامعة افريقية، وكانت " جامعة الخرطوم" حتى وقت قريب تحتل المرتبة 42 في هذا الترتيب بيد انها لم تعد الآن في القائمة. أول جامعة في القائمة هي جامعة " كيب تاون" في جنوب افريقيا، ومعظم الجامعات التي احتلت المراتب الاولى هي في جنوب افريقيا ، حتى الجامعة الاميركية في القاهرة احتلت المرتبة العاشرة ، تليها من الجامعات العربية الافريقية جامعة القاضي عياض في مراكش التي احتلت المرتبة العشرين.
التعريف الذي يضعه التقرير حول الجامعة يقول " توجد حول العالم مقاييس متباينة للتعريف القانوني لمعنى" جامعة" وتعبير معتمد للفظة " معهد" ولا يوجد تعريف وطني لتعبير "جامعة أو معهد" في الولايات المتحدة، لكن أقرب تعريف هو أن تكون "الجامعة " عبارة عن مركز ابحاث ويمكن أن تمنح درجة الدكتوراه. "الجامعة" طبقاً للتقرير هي  مؤسسة تعليمية تمنح درجة الليسانس والماجستير والدكتوراه ، لكن بشرط ان تضم مركزاً لانجاز أبحاث علمية تتعلق بتخصصاتها، او أبحاثاً لصالح جهات حكومية او غير حكومية".
إزاء هذا التعريف هل يمكن أن نطلب من جامعة سودانية حالياً إنجاز دراسة علمية حول " النظام السياسي الافضل للسودان، رئاسياً او برلمانياً" او نطلب من مركز أبحاث تابع لاحدى الجامعات إنجاز دراسة اجتماعية حول " التركيبة السكانية في دارفور والسياسات الحكومية وتأثيرها على تفاقم المشكلة الراهنة"؟
والأمر لا يتعلق فقط بالابحاث النظرية فقط، بل بطبيعة الحال بالابحاث العلمية. لذلك سنلاحظ على سبيل المثال ان معهد أبحاث مرض السرطان في واشنطن وهي مؤسسة جامعية، يعد حالياً من افضل المستشفيات لعلاج هذا المرض في العالم.
لكن يا ترى ما الذي جعل حال جامعاتنا يتدهور الى هذا الحد وتصبح خارج اي تصنيف؟
الجواب واضح ، وهو السياسة التعليمية الفاشلة التي اتبعت خلال العشرين سنة الماضية، وذلك القرار الأخرق بتعريب الجامعات خاصة جامعة الخرطوم، وقبل ذلك وضع سلم التعليمي بئيس يجعل أطفالاً يافعين في مدرسة واحدة مع مراهقين. ثم وضع مناهج تأتي بطلاب الى الجامعات وقد أمتلات عقولهم بالتبن.
في سياق سياسة التعسف التي اتبعت،طلب من الاساتذة ضربة لازب ان يلقوا دروسهم بالعربية بدلاً من الانجليزية، ثم حين يذهب الطالب للمكتبة يجد ان جميع المراجع بالانجليزية، وهو اصلاً لا يتقن هذه اللغة لان النظام التعليمي الأخرق لم يعد يهتم باللغات الاجنبية في مراحل ما قبل الجامعة. وعندما ارادوا توفير مراجع عربية للطلاب جمعوها لهم من أرصفة الاسواق الشعبية في دمشق وعمان.
كل ذلك في سياق الهوس بموضوع الهوية. وليتهم عرفوا ان الثقافة العربية والاسلامية ثقافة راسخة ومتجذرة في بلادنا منذ مملكة سنار، وهي جزء أصيل من هوية قطاعات واسعة من شعبنا، ولم يكن الأمر يحتاج الى الغاء اللغات اوالثقافات الأجنبية حتى نحافظ عليها. لكنها السياسة " السياسوية" حين تفسد كل شيء. ومن أجل تخفيف الضرر الم يكن ممكناً السماح بجامعات حكومية تدرس بالانجليزية واخرى بالعربية كما كان سائداً من قبل؟ وليس كما هو الوضع السائد الآن حيث سمح فقط للقطاع الخاص إنشاء جامعات تدرس باللغة الانجليزية. والذي يبعث في النفس غيظاً، أن الذين قاموا بكل هذا، أرسلوا ابناءهم الى جامعات الغرب، وتركوا لابناء الشعب هجير الامية اللغوية والمعرفية.
بل ودون أن يرف لهم جفناً كانت "الحكومة" التي اعتبرت اللغات الأجنبية شراً ، هي التي تطلب "إجادة اللغة الانجليزية كتابة وحديثاً"عند الاعلان عن وظائف في شركات البترول أو الاتصالات. بل كال هؤلاء الحكوميون الانتقادات لحكومة الجنوب لانها استعانت بكتب ومدرسين من كينيا واوغندا لتعليم أبناء الجنوب. يا له من منطق ؟
إنني على يقين ان مستوى التعليم في الجنوب سيتقدم خلال السنوات القليلة المقبلة، على الرغم من سنوات الحرمان الطويلة ، وقريباً ستصبح "جامعة جوبا" من بين الجامعات المصنفة افريقياً، أما نحن في الشمال سنبقى نجتر الذكريات عن " كلية غردون ، وكلية الخرطوم الجامعية، وجامعة الخرطوم ومقهى النشاط والميدان الغربي أو الميدان الشرقي" وستزداد الفجوة المعرفية اتساعاً بين الشمال والجنوب ، وبعد سنوات قليلة سنضطر الى إيفاد طلابنا الى جامعات الجنوب. هذا سيحدث وجميع المؤشرات تعزز هذا الاستنتاج. كما اننا سنهاجر الى" دولة الجنوب" وهي ماثلة في الأفق القريب، بحثاً عن العمل والرزق.
كل ذلك سيحدث وربما أكثر منه سيحدث.
مع ذلك هل نكتفي بتشخيص علة التعليم، أم نبحث لها عن علاج؟
الجواب واضح. لابد من التفكير في سبل إصلاح جامعاتنا، وقبل ذلك نظامنا التعليمي والتربوي. وليس فقط انتقاد واقع الحال. بلادنا تزخر بكفاءات تربوية وتعليمية مقتدرة في الداخل والخارج ، والمطلوب فقط هو ان تتوفر إرادة التغيير.
البداية تكون قطعاً بترميم الشروخ التي حاقت بجامعة الخرطوم جراء السياسات البليدة والمنغلقة التي اتبعت تجاه هذه المؤسسة التعليمية، وذلك حتى تعود جامعة حقيقية وتتحول الى مركز بحث علمي نزيه ومحايد. وحتى تكون هي قاطرة الاصلاح الجامعي، والقطيعة حتى مع هويتها السابقة قبل فترة سياسة التخريب والخراب التعليمي. على أن يسبق ذلك إصلاح تعليمي حقيقي لمراحل ما قبل الدراسة الجامعية. وان نعود الى سياسة المقتدرين علمياً هم الذين يتقدمون وليس القادرين مادياً هم الذين يدرسون.
هذا الاصلاح يتطلب إرادة سياسية قبل كل شيء.
وبموازاة مع ذلك لابد من مجلس أعلى للتعليم يخول له صلاحيات البت في شروط قيام أي جامعة سواء كانت خاصة او حكومية تمول من اموال الشعب. ولا نتترك الامور للتنفيذيين ، اي وزراء التعليم ، الذين يقررون ما شاء لهم ويحددون مصير الآلاف بجرة قلم.
ووضع خطة للاصلاح التعليمي تتطلب برنامجاً واضحاً، ربما يمتد 12 سنة مقبلة حتى نضمن عائداً تربوياً حقيقياً وليس فاقداً تربوياً سواء من هؤلاء الذين يجلسون على مقاعد الدراسة الآن ويتجهون " نحو الأمية" بغير ارادتهم وهم عقول نيرة كان يمكن ان ترفد بلادنا بكوادر شابة متحمسة وقادرة على العطاء، وقد لمست ذلك في حوارات مع كثيرين منهم خلال زيارة خاطفة الى السودان، أو الذين لن تتاح لهم فرصة دخول المدرسة اصلاً بسبب ضيق ذات اليد في شتى بقاع السودان أو لاعتبارات الاستقرار الأمني كما هو الحال في دارفور .
تبقى مسألة يمكن صياغتها في إقتراح عملي قابل للتنفيذ، وهو كيفية الاستفادة من الخبرات السودانية التعليمية في الخارج. هناك فكرة بادرت بها السلطة الحاكمة في الخرطوم تتيح التعاقد مع " خبراء" للاستفادة من خبراتهم في مختلف المجال، هذه الفكرة تحولت في الواقع الى وسيلة تبدو قانونية لمكأفاة مريدين وموالين بمنحهم مرتبات مغرية لقاء هذا العمل الاستشاري. هذه الفكرة نفسها يمكن تحويل جهة البت فيها الى المجلس الاعلي للتعليم، بحيث يكون هو الجهة المختصة للتعاقد مع اساتذة جامعات سودانيين وغير سودانيين للانخراط في مشروع الاصلاح التعليمي الجامعي، وفي هذه الحالة يكون المحك هو القدرات والكفاءة العلمية.
إن إغراق الجامعات بالكفاءات العلمية هو الحل على المدى القصير، بديلاً عن إغراق هذه الجامعات بالشعارات والكلام الذي لا يحرك فعلاً .
عن "الاحداث"
مقالات سابقة
جميع المقالات السابقة منشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى ، ويمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1