عندما اندلعت ثورة اكتوبر العظيمة، كنا آنذاك أطفالاً صغاراً، لذلك لا أزعم وعياً كاملاً بتلك اللحظة التاريخية المفصلية، لكن المؤكد أن الزخم الذي خلقته الثورة إنتقل الينا عبر الجيل الذي خرج متدفقاً في شوارع المدن السودانية مطالباً بالحرية والديمقراطية ودولة المؤسسات.

لم يكن نظام الفريق ابراهيم عبود سيئاً مقارنة مع سيعرفه الوطن بعد ذلك خلال 16 سنة من حكم جعفر نميري او 23 سنة من حكم عمر البشير.

لكن نظام الفريق ابراهيم عبود أغلق المنافذ على القوى الحديثة بكافة تلاوينها السياسية، وخنق الحريات، وخاض حرباً خاسرة في "الجنوب"، لذلك كان منطقياً أن يحدث صدام بين قوى محافظة جعلت من الجيش أداة للحكم والتحكم، وبين شرائح المثقفين والمهنيين والمتعلمين والنقابيين، الذين لم تمنح لهم فرصة الوصول الى مواقع القرار.

في ظني أن السبب الرئيسي للصدام الذي فجر ثورة اكتوبر العظيمة، هو التناقض بين "مؤسسة عسكرية" استدعيت على عجل للحكم بدون وجه حق، وفئات القوى الحديثة التي عزلت وتعرضت للتهميش دون مبرر.

هناك جانب آخر كان أساسياً في تفجير الثورة، ويتمثل في الدور الذي لعبه"الشيوعيون السودانيون" وكذلك "الإسلاميون" على الرغم من أن الفئة الأخيرة لم يكن لها أيامئذ ثقل جماهيري يعتد به.

المؤكد انه كانت هناك عوامل سياسية أخرى، ومنها موقف الاتحاديين وحزب الامة من نظام عبود خاصة في السنتين الأخيرتين من عمره، ثم موقف صغار الضباط الذين ضغطوا مع إندلاع الثورة لحل "المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، وبالتأكيد دور أساتذة وطلاب جامعة الخرطوم.

الآن وبيننا وتلك الثورة العظيمة قرابة نصف قرن، تحتم نزاهة التحليل، القول إن الفريق إبراهيم عبود تصرف برزانة مع أحداث ثورة أكتوبر، ولم يكابر ولم يقل بانه "قائد الشعب الملهم" كما فعل نميري، كما لم يشتم الجماهير الثائرة ويصفهم بانهم "شذاذ آفاق" على حد تعبير البشير.

ينسب بعض الرواة الى الفريق ابراهيم عبود، قوله، عندما سمع الجماهير الثائرة تهتف ضده وتردد أسم زوجته، مخاطباً أعضاء "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" " لم يبق لنا الآن سوى التنحي".

المؤكد أن هناك تأريخاً لوقائع تلك الثورة العظيمة لم يكتب بالكامل، كما لا يوجد تحليل عميق لأحداثها ونتائجها.

على سبيل المثال، لاحظت من خلال قراءات بلا حصر، وشهادات سمعتها من كثيرين، أن نظام عبود، وهو نظام شمولي وديكتاتوري، لم يكن يمارس التعذيب ضد المعتقلين السياسيين، باستثناء واقعة واحدة وردت في كتاب " ثورة شعب" الذي أصدره  الحزب الشيوعي السوداني، وهي واقعة تعذيب عضو الحزب "حسنين حسن" في مدينة الابيض.

لكن لابد أن نخرج من هذا السياق الحرب التي خاضها نظام عبود ضد "الجنوبيين" الذين كانوا يطالبون بحقهم المشروع في تقرير المصير، إذ ارتكبت فظاعات وظلامات في الجنوب بلا حد أثناء تلك الحرب المجنونة.

في عهد نميري أصبحت عملية تعذيب وإساءة معاملة المعتقلين جاري بها العمل، وفي عهد البشير باتت منهجاً، إذ القاعدة هي تعذيب المعتقلين حتى لو أدى ذلك الى أن يلقوا حتفهم.

ربما التغيرات التي طرأت على مجموعة القيم المجتمعية، هي التي جعلت التعذيب في آواخر الخمسينيات وبداية الستينيات، أمراً شائناً لا يقبل أن يمارسه أحد ضد معتقل سياسي، في حين أصبح في السبعينيات وحتى بداية الثمانينات أمراً عادياً، ومنذ التسعينيات وحتى الآن صار مرغوباً من طرف الحاكمين ومطلوباً من أجهزة الأمن.

مسألة أخرى ملفتة، وهي أن نظام الفريق ابراهيم عبود أطلق بالفعل الرصاص على المتظاهرين، خاصة في "ساحة القصر" وسقط ثلاثة شهداء وعدد من الجرحى، بيد أن ذلك النظام لم يتماد قط في الاستعمال المفرط للقوة لكبح جماح الثوار. لكن كم هو عدد قتلى نظام البشير على سبيل المثال. إن عدد قتلى وجرحى "معسكر العيلفون" لوحده في ابريل عام 1998 هم أكثر من عدد شهداء وجرحى ثورة اكتوبر العظيمة.

ثمة مفارقة يمكن رصدها بشأن ما أفرزته ثورة اكتوبر العظيمة، هذه المفارقة تتمثل في أن جميع القوى التي تضامنت، ولا أقول تحالفت، خلال ايام ثورة اكتوبر ستبادر بعد ذلك الى ركوب موجة الإنقلابات. وأعتبروا جميعاً ان محاولاتهم الإنقلابية هي "ثورات".

أختم لأقول إن ثورة اكتوبر العظيمة، حدث استثنائي في تاريخ السودانيين. استثنائي لأن الثوار لم يكن لديهم سوى أغصان أشجار "النيم"  يلوحون بها في مواجهة الدبابات والرشاشات. واستثنائي، لأن الناس لم يتدفقوا في شوارع المدن بسبب غلاء المعيشة والضنك، بل خرجوا من أجل الحرية والديمقراطية.

واستثنائي، لأن الثورة بعد انتصارها لم تتحول الى "إنتقام وفوضى" بل عاد الناس الى أعمالهم، وتشكلت "حكومة توافق" بين القوى التي قادت الثورة او شاركت فيها.

شعب له مثل هذا التاريخ لن ينهزم قط، حتى لو طال الليل البهيم.

Talha Gibriel [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]