عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


دأب مركز الصحافة الاجنبي الذي يتعامل مع المراسلين الاجانب في واشنطن، تنظيم جولات وزيارات الى مختلف الولايات وفي مناسبات متباينة. كنت أحرص على المشاركة في هذه الجولات اعتقاداً مني أنها لابد أن تكون مفيدة، وفي غالب الأحيان كان ذلك صحيحاً. زرت عدة ولايات عبر جولات هذا المركز، كما شاركت في معظم الزيارات التي نظمت لبعض المرافق في واشنطن.
كانت جولة في ولاية فلوريدا واحدة من أكثر الجولات متعة.لكن قبل ان اتحدث لكم عن تلك الجولة ساتوقف عند زيارتين لمدرستين في واشنطن. الاولى كانت لمدرسة تعلم اللغة الصينية لتلاميذها والثانية لمدارس يطلق عليها برنامج التعاقد المشترك.
يهتم الامريكيون بالصين لسببين. سبب داخلي وهو ان الصين تعتبر الآن أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة إذ استطاعت في غضون سنوات قليلة ان تكتسح الاسواق الامريكية، وتغرق هذه الاسواق بالسلع الصينية. وذكاء الصينيين جعلهم ينتجون منتجات رخيصة الثمن يغرقون بها أسواق الدول النامية، وهو التعبير المهذب الذي توصف به دولنا المتخلفة، أو منتجات راقية جداً وهي التي تصدرها الى امريكا واوربا، بالطبع هناك سلع صينية رخيصة تصدر ايضاَ الى الأسواق الامريكية وهي أكبر أسواق استهلاكية في العالم لكنها مقارنة بالسلع التي تصدر الى دولنا تعد منتجات فاخرة ، ومن ذلك الملابس والأحذية والأجهزة الاليكترونية.
أما السبب الثاني الذي جعل الامريكيين يهتمون بالصين هو انها ستصبح القوى العظمى الثانية في العالم في عام 2035 . وهي الآن قوة عسكرية وتقنية لا يستهان بها. وبالتالي ستكون منافس امريكا الاول عندئذٍ
توجد مدرسة «كولج غاردنز الابتدائية» التي زرناها في صيف عام 2006 في ولاية ميرلاند المجاورة للعاصمة واشنطن، في ذلك اليوم بدأ الدكتور آلبرت دوبونت مدير المدرسة سعيداً للغاية وهو يقف الى جوارنا ونحن نستمع الى الأطفال يلقون علينا التحية بلغة صينية. كانت مدرسة التلاميذ وتدعى اكسانغ دو، وهي أميركية من أصول تايوانية، تطلب من الأطفال أن يرددوا عبارات ترحيب ثم يختمون ذلك بالانحناءة الصينية التقليدية. وقال الدكتور دوبونت "كان الأمر مجرد حلم لكن سرعان ما تحول الى حقيقة". 
في تلك السنة بدأت المدرسة في تطبيق "برنامج الانغماس" بهدف تعليم بعض تلاميذ المدارس الابتدائية اللغات الاجنبية. وتعد الصينية من اللغات الصعبة والمعقدة إذ ان بها ازيد من خمسين حرفاً كما ان كل حرف هو عبارة عن رسم وتكتب مثل عدد من اللغات الآسيوية عمودياً. لكن الآباء، كما قال الدكتور دوبونت "تحمسوا كثيراً لتعليم اطفالهم هذه اللغة" موضحاً أن 80 تلميذاً كانوا يرغبون في دراسة اللغة الصينية لكن لم يكن ممكناً استيعاب أكثر من 25 تلميذاً، مما اضطر إدارة المدرسة إعتماد القرعة. ومن الواضح أن القرعة تعتبر من الوسائل الاساسية للاختيار في امريكا، من بطاقةالاقامة (green card ) الى تعلم اللغات. 
عندما دخلنا الى غرفة تدريس اللغة الصينية وكنا مجموعة تتكون من تسعة صحافيين وصحافيات ، غمرت الشعور بالسعادة زملاء صينيين كانوا معنا وهم يستمعون الى اميركيين صغار يتحدثون لغتهم. وكان راقهم كثيراً أن الدكتور دوبونت استقبلنا عند باب المدرسة بعبارات ترحيب باللغة الصينية. 
حين زار الرئيس الامريكي الأسبق ريتشارد نيكسون بكين لاول مرة بعد تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة والصين سمع الزعيم الصيني شو إن لاي يقول والمترجم ينقل عنه "سيأتي يوم يا سيادة الرئيس يتحدث فيه الاميركيون اللغة الصينية... ذلك الجيل من الصينيين والامريكيين لن يحتاجوا الى مترجمين" هاهي تتحقق نبوءة شو إن لاي. 
تتناوب مدرستان على تعليم اللغة الصينية للتلاميذ في تلك المدرسة ، التلاميذ جميعهم امريكيون ولكن من أصول مختلفة، فيهم البيض والسود واللاتينيون وبالطبع آخرون من أصول آسيوية. ولا يدرس التلاميذ الصينية كلغة، لكن يدرسون ايضاً الرياضيات والعلوم والفن باللغة الصينية. تقول المدرسة اكسانغ دو إن التلاميذ يتقنون جيداً الحديث بالصينية لكن ثمة مشكلة بالنسبة الى الحروف التي تبدو للاطفال الصغار كرسوم معقدة، وهي بالفعل كذلك. 
المفارقة أن اللغة التي «تنافس» اللغة الصينية حالياً قياساً لرغبة الاميركيين لتعلم اللغات الاجنبية.. هي العربية. بيد أن الاميركيين يفضلون دراسة العربية في المرحلة الجامعية او بعدها، في حين يفضل الآباء ان يدرس ابناؤهم الصينية بدءا من المراحل الاولى من التعليم الابتدائي. وطبقاً لاحصاءات رسمية فإن حوالي 656 الف طالب اميركي في الجامعات يدرسون الاسبانية و199 الفا يدرسون الفرنسية والف طالب يدرسون الالمانية و 43 الف طالب يدرسون اليابانية و28 الفا يدرسون الصينية و 26 الفا يدرسون اللاتينية و23 الفا يدرسون الروسية و16 الفا يدرسون اليونانية وفي آخر القائمة هناك اكثر من خمسة آلاف طالب يدرسون العربية. 
وتزايد الاقبال على دراسة اللغة العربية بعد هجمات سبتمبر وغزو العراق، ونتيجة لذلك ارتفعت رواتب المترجمين الذين يتحدثون اللغة العربية ارتفاعاً كبيراً جعلت بعضهم يتقاضون حوالي 15 الف دولار شهرياً. واستفاد سودانيون كثيرون من هذا الاهتمام ، وعمل بعضهم مع الجيش الامريكي في العراق كمترجمين، في حين عمل آخرون في معهد لتدريس اللغة العربية للديبلوماسيين في فرجينيا ، وبعضهم يعملون مدرسين في معهد آخر في ولاية كاليفورنيا. وعندما يأتي وقت الحديث عن السودانيين في امريكا سأعود الى هذا الامر بالتفصيل.
أما الزيارة الثانية التي علقت بذهني فقد كانت ايضاً رفقة مجموعة من المراسلين الاجانب الى مدرسة من مدارس" برنامج التعاقد المشترك" وهي مدرسة يديرها الآباء والمدرسون، وتهدف الفكرة الى الارتقاء بالمستوى الاكاديمي لمدارس واشنطن. ولعل من المفارقات الامريكية اللافتة أن اسوأ مدارس في الولايات المتحدة هي مدارس العاصمة، التي تقطنها غالبية من السود. وهناك خلفيات تاريخية جعلت السود ينتقلون من ولايات الجنوب الى واشنطن. إذ انهم كانوا يهربون من العبودية والممارسات العنصرية البشعة التي تعرفها تلك الولايات، ولان واشنطن هي العاصمة الفيدرالية فإن قوانينها تتيحامامهم فرص عمل أكثر، لذلك سيلاحظ زائر واشنطن ان اغلب موظفي الادارات الحكومية الصغيرة في العاصمة هم من السود ، على سبيل المثال مكاتب البريد، أو العاملين مع شركات الأمن الخاص.
وبسبب تفشي الفقر والبطالة بين السود في واشنطن، وضعف مداخيل المدينة من الضرائب، فإن الانفاق على الخدمات مثل التعليم يبقى هزيلاً مقارنة مع ما تنفقه الولايات الاخرى، ومنها ولاية فرجينيا المجاورة للعاصمة التي تعتبر مدارسها خاصة في مقاطعة فيرفاكس من أفضل المدارس في الولايات المتحدة.
ومشكلة واشنطن ايضاً انها غير ممثلة في الكونغريس، إذ انها لا تعتبر ولاية، لإذ ي أكبر من مدينة وأقل من ولاية ، لذلك اسمها الرسمي هو " مقاطعة كولومبيا".وما يزال سكانها يناضلون من أجل تمثيلهم في الكونغريس وهو أمر شائك جدا ويتطلب تعديلاً دستورياً، وما أدراك ما تعديل الدستور في امريكا.
ويرفع سكانها شعار " لاضرائب بدون تمثيل" أي لا يجوز منطقياً تسديد الضرائب وفي الوقت نفسه الحرمان من التمثيل في أهم وأكبر مؤسسة تشريعية في البلاد. وكان الرئيس الاسبق بيل كلينتون والذي يقال إنه ظل يتعاطف كثيراً مع السود، وضع على لوحة سيارته الرئيسية شعار " لا ضرائب بدون تمثيل" للتعبير عن تضامنه مع سكان واشنطن، بيد انني أميل الى ان تعاطف كلينتون مع السود لم يكن تعاطفاً حقيقياً ، بل كان تعاطفاً فلكلورياً، ودليلي على ذلك أن أكبر عملية إبادة جماعية بعد الحرب العالمية الثانية جرت في عهده في افريقيا وبلغ عدد ضحاياها حوالي مليون شخص، وذلك عندما تمت عمليات تقتيل بشعة لأفراد قبيلة التوتسي في رواندا من طرف قبيلة الهوتو ، وتجاهل كلينتون تلك المذابح بل وطلب من ادارته عدم التدخل لايقافه. وعلى الرغم من أنه أعترف لاحقاً بانه أخطأ لكن الاعترافلا لا تغفر أخطاء السياسيين .
ربما سيختلف أمر واشنطن مع الرئيس الحالي باراك اوباما الذي اكتسح الانتخابات في العاصمة الامريكية بنسبة لم يحققها قبله أي رئيس امريكي آخر حيث صوت له 96 بالمائة من الناخبين. ومن المرجح ان يهتم اوباما كثيراً بالعاصمة ، خاصة خدمات التعليم، وبدأت ادارته بالفعل في انفاق ملايين الدولارات على تحسين الطرق والجسور والخدمات التي تقدم للعجزة والمتشردين ، عن طريق تقديم دعم فيدرالي لميزانية المدينة. ويقول اوباما إن العلة في السود أنفسهم حيث طلب منهم بوضوح وفي أكثر من مناسبة تغيير سلوكهم وعدم انتظار المساعدات الاجتماعية التي تقدم لهم . والواقع ان كثيرين من السود في واشنطن يفضلون البقاء في منازلهم والحصول على الدعم الاجتماعي، او ما يطلق عليه "ّ طوابع الطعام" وهي الشيكات التي تصرفها المراكز الاجتماعية للمعوزين والفقراء. ذات مرة قال لي نادل أسود كان يعمل في مطعم نادي الصحافة الوطني في واشنطن " لماذا يطلبون منا أن نعمل ، لقد عمل اجدادنا قرابة قرنين من الزمان ساعات طوال في الحقول و تشييد الطرق والجسور وبدون أجر ألا يكفي ذلك" وكان يشير الى سنوات الرق.
 منطق أليس كذلك؟.
نواصل

عن الاحداث  

  
مقالات سابقة
جميع المقالات السابقة منشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى ، ويمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1