عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

  

لا تشكو واشنطن من قلة الاخبار على غرار العواصم العربية، بل إن شكواها ، أو لنقل شكوى المراسلين الذين يعملون فيها هي كثرة الاخبار. اي خبر في هذا الكون يمكن ان يجد له زاوية متابعة من العاصمة الامريكية. في كثير من الاحيان تحتار الى اين تذهب لمتابعة الاخبار، وحتى لو قررت الجلوس فقط امام الحاسوب لانهمرت عليك الاخبار مثل أمطار الخريف عند خط الاستواء. هذه الوضعية هي  التي تتيح التعرف على أكبر عدد من الصحافيين الاميركيين والاجانب.

 

 

ساشرح كيف كنت اوسع في كل يوم دائرة معرفتي بعدد لا بأس به من الصحافيين، والامر لا يتعلق بمعجزة ، لكن سابدأ بآخر صحافية تعرفت عليها في واشنطن، وكذلك أغرب صحيفة.

 

 

 

 

كل من يزور واشنطن سيلاحظ ان هناك أشخاصاً تبدو عليهم آثار الفقر والعوز يقفون  قرب محطات قطارات الانفاق(اليترو) وهم ينادون على صحيفة صغيرة من حجم تابلويد تسمى " ستريت سنس" (احساس  أو نبض الشارع)، وهي صحيفة تهتم بقضايا المشردين في واشنطن، ويوزعها او بالاحرى يتسول بها مشردون. اولئك الذين يطلق عليهم " هوم لس" أي اشخاص بدون مأوى أو سكن. 

 

أحد هؤلاء المشردين ن ويدعى جون كارلتون يقف باستمرار قرب محطة " ميترو سنتر" وهي المحطة الاقرب الى مبني الصحافة الوطني حيث توجد مكاتب صحيفة الشرق الاوسط،. أعتدت ان اشترى منه نسخة من الصحيفة نصف الشهرية وفي كل مرة اقدم له ما تيسر، سعر الصحيفة دولار واحد ولكن يفترض انك ستجود على البائع وهو اصلاً متشرد بازيد من السعر المقرر. عادة ما يدفع المشترى أكثر من ذلك. بعض الناس يشترون الصحيفة ثم يلقون عليها نظرة سريعة ويرمونها في اقرب صندوق قمامة. البعض يلقيها في صندوق القمامة حتى دون أن يطلع عليها، فئة ثالثة تدفع ثمنها للبائع لكنها تتركها له، وهدف الجميع مساعدة هؤلاء الباعة.

 

 

 في الصباح الذي تصدر  فيه الصحيفة يصيح جون بكل ما له من طاقة في حنجرته" ادعموا المشردين اشتروا نسخة من ستريت".هناك عدد من رفاق جون يتوزعون على مفارق الطرق الرئيسية ومحطات قطارات الانفاق يرتدون بذلة خضراء من البلاستيك كتب عليها " ستريت سنس" ويبعون الصحيفة . يسددون ربع دولار عن كل نسخة لادارة الصحيفة وماتبقى هو نصيبهم. تصدر الصحيفة في حجم تابلويد من 16 صفحة. يصدرها صحافيون متطوعون لا يتقاضون رواتب، من اجل تقديم دعم مادي لما يمكن ان نطلق عليهم " البرولتاريا الرثة" على حد تعبير الماركسيين.

 

 

صدرت " ستريت سنس" في صيف عام 2003 ، بمبادرة من اثنين من الصحافيين (صحافية وصحافي) . وكان الهدف من اصدار الصحيفة كما يتضح من زاوية ثابتة في صفحتها الثانية بعنوان " قصة سترين سينس" هي إصدار صحيفة من اجل الدفاع عن المعوزين ومن لا مأوى لهم وتبني قضايا اجتماعية لتوفير دخل للاشخاص المشردين الذين يتولون بيعها. وهي على غرار 25 صحيفة من صحف " الشارع" التي تصدر في امريكا وكندا.

 

 

منذ صدورها طبعت الصحيفة خمسة آلاف نسخة، وظلت تصدر شهرياً واستطاعت ان تزيد من مبيعاتها خلال هذه السنوات كما زادت عدد باعتها الذين يشترط فيهم ان يكونوا من المشردين، حيث تسلم كمية لكل واحد منهم مع البذلة البلاستيكية الخضراء . في اكتوبر عام 2005 استطاعت الصحيفة التي انطلقت من مكتب متواضع  داخل مباني احدى الكنائس ان تنتقل الى مكاتب صغيرة خاصة بها بجهاز هاتف واحد وفاكس وبريد اليكتروني ، بل موقعاً على شبكة الانترنيت. وفي فبراير 2007 استطاعت ان تتحول من صحيفة شهرية الى نصف شهرية ، كما وظفت رئيس تحرير متفرغ بالكامل للاشراف على الصحيفة. وفي يناير من العام الحالي ارتفع سحب الصحيفة الى 30 الف نسخة  وبالمقابل ارتفع عدد الباعة  المتجولين الى 80 بائعاً من المشردين. ويتم تمويل الصحيفة من التبرعات. أصبحت الصحيفة عضواً في "جمعية شمال امريكا لصحف الشارع" وكذلك في "الشبكة الدولية لصحف الشارع".

 

 

نقرأ في الصفحة الثالثة من آخرعدد من الصحيفة اخبار موجزة عن المشردين حول العالم ، واول خبر يتصدر هذه الاخبار يقول " المشردون الافغان يجبرون على السكن في الكهوف"وفي باقي الصفحات استطلاعات حول المشردين، في حين افردت الصفحتين 8 و 9 لأحد المشردين الذين يعيشون في ملجأ حيث كتب مادة قصيرة عن الورود في حدائق واشنطن مع بعض الصور. هناك ايضاً صفحة للرأي كتب فيها ثلاثة من المشردين عن " كيف يمكن انهاء ظاهرة المشردين" ومقال آخر عن " الناس الذين يساعدون الناس"  والمقال الثالث عن " انفلونزا الخنازير"وفي الصفحة الاخيرة افتتاحية بعنوان " ستريت سنس : الاتفاق الحقيقي" ثم بورتريه عن البائع " كارل تيرنر" بعنوان " بورتريه بائع".

 

 

مقر الصحيفة في قلب واشنطن في منطقة قريبة من البيت الأبيض، وبالتحديد في إحدى الكنائس التي منحت الصحيفة مكتبين بإيجار رمزي، وتطبع «واشنطن تايمز» صحيفة المشردين في مطابعها بتكاليف زهيدة كمساهمة في مساعدة المشردين الموهوبين.

 

 

أثارت هذه الصحيفة الغريبة فضولي كثيراً، وعن طريق موقعها على الانترنيت تعرفت على رئيسة التحرير وتدعى ماري آوتو، وبما أن مقر الصحيفة لا يبعد سوى بضعة دقائق من مبني الصحافة الوطني مشياً على الاقدام ، اتفقنا على زيارة المقر حيث خصصت لهم الكنيسة مكتبين واحد للتحرير والآخر للادارة. اثاث متوضع وحوالي ست اجهزة حاسوب قديمة الى حد ما. وهاتف واحد وفاكس. تحدثت مع آتو كثيراً واجريت معها حواراً مطولاً اضفته الى مجموعة حوارات اخرى، على امل ان تصدر يوماً في كتاب بعنوان مبدئي " حوارات في واشنطن" . تجربة "ستريت سنس" استهوتني كثيراً على المستوى الشخصي والمهني ،ووجدت فيها مادة دسمة لكتابة أكثر تفصيلاً حين يصدر الكتاب المشار اليه.

 

 

تعرفت على صحافيين امريكيين كثيرين ،عبر ثلاث طرق ، اولاً عن طريق أنشطة " نادي الصحافة الوطني"  والطريقة الثانية عبر  تغطية بعض الاحداث المهمة ، على سبيل المثال الحملة الانتخابية الامريكية  حيث تخصص عادة منصة للصحافيين اثناء التجمعات. اما الطريقة الثالثة فقد تمثلت في اللقاءات التي تنظمها معاهد البحث والتفكير " ثنك تانك" وعادة ما يحضر الصحافيون الامريكيون وبكثرة هذه اللقاءات، لثلاثة أسباب: للتغطية العادية خاصة إذا كان المتحدثون من عيار ثقيل، أو أن الموضوع مهم ويشغل بال الامريكيين، مثل قضايا " الارهاب" او " حرب العراق" ، ويكمن السبب الثالث في أن الصحافي، خاصة إذا كان وافداً جديداً على المهنة ، يسعى لجمع أكبر قدر من المعلومات من هذه اللقاءات . على سبيل المثال  كثيرون من الذين يهتمون بالقارة الافريقية يحضرون معظم اللقاءات التي تتناول قضايا هذه القارة.

 

 

أما السبب الرابع الذي جعل شبكة علاقاتي مع الصحافيين الاميركيين تنمو وتزداد،فهي قطعاً"مشكلة دارفور ". إذ جئت الى واشنطن ووجدت "دارفور" وقد تحولت الى  شأن  اميركي داخلي، الى حد انني لم استطع في البداية استيعاب سرهذا الاهتمام. لكن مع توالي الايام ادركت ان مقولة " الابادة الجماعية" ربما تكون هي السبب. وفي هذا المجال لا يخفى الدور الذي لعبته جماعات يهودية نافذة، ومما ساعدهم على ذلك الفظائع التي حدثت في الاقليم والاخطاء التي ارتكبت هناك، والحالة البائسة في مخيمات اللاجئين والنازحين. وعلى الرغم من أنني لم ازر قط دارفور، لكن الصحافيين الامريكيين لمجرد انك صحافي سوداني وترأس مكتب صحيفة مهمة في واشنطن ، يعتقدون أنك أفضل من تتحدث عن الموضوع. والتعرف على صحافيين امريكيين ، عادة ما يجلب معه فرصاً كثيرة للعمل.

 

 

ذات مرة كتبت عن محطة اذاعية تبث من تشاد بلغة الزغاوة والمساليت، وهي محطة مولتها مؤسسة " انترنيوز" التي يوجد مقرها في ولاية كاليفورنيا. اهتمت المؤسسة بما كتبت خاصة انها المرة الاولى التي يكتب فيها عن المشروع في الصحافة العربية. وكان ذلك مدخلاً للتعرف على عدد من الصحافيين الذين يعملون مع المؤسسة ويديرون مشاريع اعلامية في دول العالم الثالث في مناطق النزاعات والحروب.

 

 

واكثر ما أدهشني ان المؤسسة وبعد فترة قصيرة طلبت سيرتي الذاتية، ثم ما لبثت ان قدمت لي عرضاً مغرياً  للعمل في احد مشاريعها الاعلامية في تشاد.  بيد انني اعتذرت عن قبول العرض ، على اساس انه لايجوز اخلاقيا العمل في بلد له نزاع بالحق او الباطل مع  بلدي.

 

 

العلاقات مع الصحافيين الاميركيين تفتح لك باب التعامل ايضاً مع مؤسسات اعلامية وازنة، وعبر هذه العلاقات تحدثت أكثر من مرة مع شبكة " سي إن إن" واذعة " ناشونال ببليك راديو" وإذاعة " صوت امريكا" الموجه نحو القارة الافريقية.

 

 

هذا عن الصحافيين الامريكيين لكن ماذا عن الصحافيين العرب؟

 

 

كنت اتوقع أن يكون عملهم على غرار الصحافيين الامريكيين مهنياً على الأقل طالما انهم يوجدون في واشنطن، لكن اكتشفت انهم نقلوا كل سلبياتهم العربية الى العاصمة الامريكية وفي بعض الاحيات حتى خصوماتهم ، ولم يكتسبوا منها ما هو مفترض. وهذا امر يحتاج الى شيء من التفصيل.    

 

نواصل

 

 

عن" الاحداث"

 

  

مقالات سابقة

 

جميع المقالات السابقة منشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى ، ويمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط

  http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1