عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تلقيت يوم السبت 28 أبريل رسالة عاجلة من الصديق مصطفى البطل في صيغة استفسار حول صحة ما تردد في السودان حول "وفاة الفيتوري."
لم يكن لدي رد على هذا الخبر المزعج، لذلك طلبت من مصطفى مهلة حتى أستقصي الأمر. بعدها رحت أستعيد شريطاً طويلاً من الوقائع مع الفيتوري.
وبدا لي أنه ليس هناك ما هو أسوأ لشخص أن يجد نفسه يتساءل بكثير من القلق والألم والحزن عن مصير صديق.
عندما عدت إلى المغرب من أميركا قبل ثلاث سنوات، سألت كثيراً عن الفيتوري، إذ الرجل صديق عزيز جمعتنا علاقة متينة عمرها عقود. المعلومات التي حصلت عليها، تفيد بأنه مريض ويوجد في ليبيا. لم يكن سهلاً وقتها الحصول على المزيد من «جماهيرية العقيد» لذلك كنت أنتظر زيارة ليبيا، وهي في دائرة مسؤولياتي الصحافية، لأبحث عن الرجل.
لكن رسالة البطل، جعلتني أسائل نفسي معاتباً: حقاً لماذا لم أسأل عن الفيتوري خاصة أن «ليبيا الثوار» انزلقت إلى حالة هي أقرب ما تكون إلى الفوضى؟
ترى ماذا حدث له؟ خاصة أن «سادة ليبيا» الجدد سيعتبرونه محسوباً على النظام السابق، وربما تعرض إلى سوء معاملة كما حدث لآخرين. رحت أجري اتصالات بلا انقطاع مع بعض من تعرفت عليهم من رجال «العهد الجديد» في ليبيا إلى أن عثرت على خيط.
هذا الخيط هو رقم هاتف زوجته المغربية «رجات أرماز»، وبيننا معرفة شخصية منذ زواجهما قبل سنوات طويلة.
أجريت اتصالاً.
ثم كانت هناك مفاجأة.
بدت زوجته سعيدة فرحة بالتواصل. قالت لي إن الفيتوري موجود في الرباط منذ عام 2005، وإنه لم يغادر داره منذ ذلك الوقت. كانت مستاءة جداً من نشر الأخبار الكاذبة. وعلى الرغم من أنه مريض طريح الفراش، لكنني ألححت في الحديث معه، جاءني صوته ضعيفاً متعباً منهكاً، وضحكنا على خبر وفاته وقال جملة واحدة «الشعراء لا يموتون».
قلت له أنا قادم الآن.
أبلغتني زوجته أنه متعب وتناول الدواء للتو، وربما لن يكون مستيقظاً، لذا من الأفضل تأجيل الزيارة حتى اليوم التالي. اتفقنا أن أزوره في وقت ملائم، وأن يكون ذلك في السابعة مساء.
المسافة من الرباط إلى «سيدي العابد» تستغرق قرابة نصف ساعة بالسيارة، وبما أنني لا أعرف الدار على وجه الدقة، تفضلت زوجته وجاءت إلى محطة وقود لا تبعد كثيراً عن منزلهما، ورافقتني إلى حيث الدار.
وجدت الفيتوري استيقظ للتو.
كانت زوجته قد أبلغتني أنه فقد الكثير من ذاكرته. لذلك توقعت ألا يعرفني.
كان يتحرك بصعوبة من غرفة نومه إلى الصالون، تساعده شقيقة زوجته في المشي. أصيب بشلل في الجزء الأيمن، لذلك لم يعد يستطيع أن يحرك يده، كما إنه لم يكن قادراً على المشي بسبب شلل جزئي للرجل اليمنى.
جلس على الكرسي وهو متعب، بدا واضحاً أنه يغالب آلامه.
سلمت عليه. حاولت قدر المستطاع إخفاء حزني.
سألته زوجته: هل عرفته؟
أجاب بصوت متقطع: «يا إمبراطور متى جئت من أميركا».
دأب الفيتوري أن يطلق كلمة «إمبراطور» على القريبين.
أدركت وقتها أنني لم أختف من ذاكرته. لا أكتمكم القول، فارقتني حالة الحزن وشعرت بشيء من السعادة.
طلبت منه ألا يتكلم، بل يسمع فقط حتى لا يجهد نفسه.
أبلغتني زوجته بعض التفاصيل.
في مايو 2005 تعرض إلى جلطة، أفقدته النطق. عندما نقل إلى الطبيب، كان رأيه أن زيادة كولسترول في دمه هي التي تسببت في الجلطة. ثم نقل إلى باريس لمواصلة العلاج، وكان أن أصيب بجلطتين. بذل الأطباء جهداً كبيراً. كان من رأيهم أنه تأخر في العلاج.
كان من نتائج جهدهم استرجاع قدرته على الكلام، ليس كلياً ولكن جزئياً، لكن لم يكن ممكناً معالجة شلل يده اليمنى، والجزء الأيمن من جسده.
كانت علاقاته مع نظام القذافي قد تباعدت قبل ذلك بسنوات، باستثناء بعض الأشخاص. ومنذ عام 2005 عاد إلى منزله في «سيدي العابد» لا يخرج منه إلا عند الذهاب إلى الطبيبة التي تتولى علاجه. ومما زاد في حالته سوءاً ألا أحد من أصدقائه أو معارفه كان يسأل عنه. وبما أن زوجته لا تعرف أحداً في السودان، كان طبيعياً ألا يعرف أحد تفاصيل هذه السنوات.
بعد سقوط النظام في ليبيا، قررت الحكومة الجديدة سحب جواز سفره الديبلوماسي ورفضوا منحه جوازاً عادياً. وكانوا قبل ذلك قد أوقفوا راتبه. كانت بطاقة إقامته في المغرب قد انتهت، لكن السلطات المغربية ومع وضعه الصحي المتردي تغاضت عن الأمر.
بعد أن نشر خبر وفاته، أبلغتني زوجته أن السفير السوداني في الرباط زارهم ووعد بحل مشكلة جواز سفره. قبل ذلك لم يتصل به أحد قط من السلطات السودانية. وما قيل عن زيارة وفد أو عضو من ما يسمى «اتحاد الأدباء السودانيين» كان مجرد هراء وادعاءات.
محمد الفيتوري الذي صنع جزءاً من وجدان الشعب السوداني، يوجد حالياً نصف مشلول في دارته، بلا هوية ولا مورد ولا مداخيل. فقط زوجة «تقاتل» معه. و«تقاتل» في جبهة أخرى لتواصل ابنتهما «أشرقت» (15 سنة) دراستها.
في حوار كنت أجريته معه ونشر في يوليو عام 1985م في مجلة «المجلة» قال الفيتوري: أنا قلق، وربما أظل كذلك، وأعتقد أن نبوءة لوالدي أثرت في كثيراً، مرة قال لي والدي «إنك ستقضي حياتك غريباً عن وطنك».
في موقع آخر من ذلك الحوار يقول: «أجد نفسي مثل عصفور غريب يتنقل من غصن إلى غصن، من مسافة إلى مسافة، ولا يعرف أين هو بالضبط. عصفور يبقى فوق أحد الأغصان لساعات، لأيام، لشهور ثم يطير».
وفي ذلك الحوار كنت طرحت عليه مسألة «جنسيته»، وجاء رده كالتالي: «لم أتخل عن هويتي لكنني أجبرت على التخلي عنها، عندما طاردني نميري في أركان العالم العربي من زاوية إلى أخرى، طاردني بشكل قاس ومدمر. كنت أعيش في بيروت وأوفد رسولاً من عنده إلى الرئيس اللبناني آنذاك سليمان فرنجية، وطلب طردي من لبنان، وبالفعل أخذوني من مكتبي إلى المطار. وعرفت لاحقاً أنه أراد إسقاط جنسيتي ولم يكن ذلك ممكناً لأنني ولدت في السودان، وأنا سوداني بالميلاد، وليس في إمكان أحد إسقاط جنسيتي. ثم جاءت فترة أردت فيها تجديد جوازي فاحتجزته إحدى السفارات السودانية وسحب مني. كنت أريد أن أتحرك لذلك استرجعت جنسية أبي، وهو ليبي الأصل، هذه كل الحكاية».
بسبب الشلل الذي أصاب يده اليمنى لا يستطيع الفيتوري الكتابة، وبسبب مشاكل في النظر ومع تأثير الجلطة، لا يستطيع كذلك القراءة. لكن زوجته تقرأ له ما يرغب في قراءته. وهو يحب أن تقرأ له أشعاراً، وعندما تقرأ له بعض أشعاره يقول: «معقول.. هل كتبت أنا ذلك».
في جلستنا التي استغرقت قرابة ثلاث ساعات، حرص أن يسمع مني بعض تفاصيل حول السنوات التي لم نلتق خلالها.
قلت له: «أمنيتي هي التي سمعتها مني منذ سنوات طويلة، كنت وما زلت أتمنى أن أعود إلى السودان، لكن في كل مرة أذهب إلى الخرطوم أجد أن الأوضاع تزداد سوءاً، ثم إن مثلي لن يجد قطعاً هناك عملاً يستر به حاله».
طلب من زوجته أن تقدم لي نسخة من آخر ديوان له وهو بعنوان «عُرياناً.. يرقص في الشمس<<
نقرأ في القصيدة الأولى التي اختار لها عنوان «تحديق في صورة قديمة»:
ابتسم للحضور ابتسم للغياب
ابتسم للبكاء ابتسم للعذاب

ابتسم للجنون ابتسم للخراب
ابتسم للغزاة وهم يُقبلون
للعبيد الطّغاة وهم يزحفون
للطّغاة العبيد وهم يبطشون
طلب مني بإلحاح أن أبقى، لكنني أيقنت أنه كان يغالب إرهاقه وتعبه ومرضه، لذلك استأذنته في الانصراف.
كان الليل قد سقط مثل كرة بلاستيكية على ضاحية «سيدي العابد». كانت هناك رائحة البحر، وصوت الأمواج تتكسر على الشاطئ، والشوارع خالية. تذكرت أبيات الفيتوري:
في زمن الغربة والارتحال
تأخذني منك وتعدو الظلال
وأنت عشقي حيث لا عشق يا سودان
إلا النسور الجبال
يا شرفة التاريخ
يا راية منسوجة
من شموخ النساء
وكبرياء الرجال