أقول من السطر الاول، إنني أدرك واتفهم، الظروف التي يعمل ويتحرك فيها قادة "أحزاب المعارضة" داخل بلادنا. هي ظروف تجعل من أحزابهم في أغلب الأوقات"احزاباً راكدة" لأن هامش الحريات يضيق ويتسع طبقاً لمزاج السلطة الحاكمة.

في هذا السياق أود أن أتناول اليوم تصريحات نسبت الى محمد ابراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي. أقول نسبت اليه لأن تلك التصريحات كتبت مختزلة. حرصت أن أطلع على نصها الكامل ، وسعيت خلف النص كما نشر، خاصة انه أعيد نشره في عدة مواقع، وفي كثير من الأحيان لا تراعي هذه المواقع الشروط المهنية عندما تنشر، ولا اقول عندما تكتب تعليقات، حيث يترك الباب مشرعاً، لكتابات فيها الكثير من الغث.

لم التق قط محمد ابراهيم نقد، لذلك لا ازعم معرفة بالرجل وطريقة تفكيره. وفي ظني أن الكتابة عن سياسي دون أن نلتقيه، يضع في كثير من الأحيان ظلالاً على فهم وتحليل ما يقوله. في حين أن معرفة طرائق تفكيره مباشرة وكيف يعبر عن نفسه، تتيح تحليل كلامه تحليلاً علمياً ومنطقياً، والأهم من ذلك موضوعياً.

حاولت مرتين اللقاء مع الاستاذ نقد. وكان ذلك بعد انتفاضة ابريل، حيث ذهبت الى الخرطوم بعد سنوات طويلة لأسمع وأرى، بعد أن أطاحت الجماهير بحكم "جعفر نميري"، وعاد السودان بلداً ديمقراطياً. في المرة الأولى أدركت أن الجهة التي طلبت منها ترتيب اللقاء، لم تتعامل معه بالجدية المطلوبة، وفي المرة الثانية سئلت عن موضوع اللقاء، وكان جوابي ويؤكده من تحدثت اليه، قلت له باقتضاب "صحافي مستقل يرغب في اللقاء مع سياسي فاعل لذلك ليس لدي مواضيع محددة أطرحها، لكن قطعاً هناك الكثير من الأسئلة في جعبتي". وارجح أن جوابي وصل الى الاستاذ نقد، لكن الموعد لم يحدد.

محمد ابراهيم نقد، كما يبدو لي "رجل تنظيم" أكثر منه رجل تنظير وايديلوجيات وهذا مجرد انطباع عن بعد، على خلاف سلفه عبدالخالق محجوب، الذي كان "رجل تنظير وتنظيم" وهو، اي عبدالخالق، كما عرفت من كثيرين عرفوه والتقوا به سواء داخل السودان او خارجه، كان شخصية كارزماتية كاسحة.

ليس هدفي أن أرسم صورة عن قرب للسياسي نقد، لسبب بدهي، هو أنني كما أسلفت لم التقيه، وهناك مسألة أخرى هي أن الأستاذ نقد ظل يتقن جيداً كيف يتوارى عن الإنظار، وأسلوب مثل هذا يجعل صاحبه حذراً في التعامل مع الآخرين، هكذا أظن وأعتقد.

الآن لنعود الى ما نسب الى محمد ابراهيم نقد من تصريحات حول الأوضاع السياسية الراهنة في بلادنا. كتب رئيس تحرير "الوان" التي نشرت التصريحات وبصياغته"عول نقد على الرئيس البشير في جمع صف السودانيين مؤيدين ومعارضين حول برنامج وطني لأنه الوحيد الذي يجيد فن الاستماع للآخر، ولأنه كرئيس وكعسكري قادر على اتخاذ "قرارات عصية" لكنها مفيدة". بكل موضوعية لم استوعب المقصود من عبارة "برنامج وطني" و"قرارات عصية...مفيدة".

في ظني ان لب النقاش الذي يدور حالياً في بلادنا، هو حول السبل التي يمكن أن تقود الى "دولة مؤسسات ديمقراطية"، وهي الدولة التى نُظم ضدها إنقلاب عسكري عام 1989 واطيح بها، كيف إذن يمكن وضع "برنامج وطني" يجمع المؤيدين والمعارضين، إذا كان الطرفان على طرفي نقيض. طرف يرى انه جاء "منقذاً" وطرف يعتقد أن الحل في "عودة الديمقراطية".

لم يحدد لنا الأستاذ نقد ماهي "القرارات العصية والمفيدة" التي يمكن أن يتخذها "رئيس الجمهورية"، وإذا كانت "مفيدة" لأهل هذا البلد، كما يفهم من سياق تصريحاته، لكنها "عصية" في الوقت نفسه، كيف إذن يتوقع أن يتخذ "رئيس الجمهورية" قرارات عصية عليه. ولا أعرف كيف تصبح "العسكرية" ضرورية للقرارات الصعبة. وإذا قلنا بان "العسكريين" في كل العالم وليس في بلادنا، يرون دائماً أن "استعمال القوة" هو الحل الأنجع ، وهم في ذلك منسجمون مع "عقيدتهم العسكرية"، فإنني اورد جملة رائعة قالها جورج كليمنصو رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق: " الحرب أخطر من أن  تترك للجنرالات". أي انه حتى الحرب وهي "مهنتهم" لا يجب أن تترك لهم ليقرروا فيها لوحدهم.

ثم كتب في التصريحات التي نسبت الى الأستاذ نقد " الدكتور حسن عبدالله هو الرجل الوحيد القادر على حل "مشكلة السودان" إذا ارتفع الدكتور حسن الترابي فوق جراحاته، وقال مبتسماً(اي نقد) إذا سخا". هنا أعترف بانني لم أعد افهم. كيف يكون الرجل الذي دبر الانقلاب على دولة المؤسسات، هو"الرجل الوحيد والقادر على حل مشكلة السودان".

التقيت الدكتور الترابي أكثر من مرة وحاورته في أكثر من مرة كذلك، سواء على الورق او على الهواء، والانطباع الذي خرجت به أنه يجمع أخطر صفتين في السياسة وهما "الأنانية والعناد" قوته في غموضه، وغموضه جزء من شخصيته، يطرح نفسه دائماً كحل و ينتهى كمشكلة. ثم مشكلته انه يخلط بين القضايا الكبيرة والحسابات الصغيرة.

وحول الجنوب الذي أنفصل ومضى الى حال سبيله نسب الى الأستاذ نقد أنه "بدا مطمئناً على عودة الجنوب إلى السودان عاجلاً أم آجلاً". وهنا أقول أثبت التاريخ انه لم يتفكك كيان وطن وتوحد في ما بعد باستثناء المانيا، ذلك لأنها "المانيا"، ولأنها قسمت بقرار من المنتصرين في الحرب العالمية الثانية.

هناك أمور أخرى تطرق اليها محمد ابراهيم نقد، مثل مشكلة دارفور، وأوضاع حزبي الأمة والاتحادي، حيث طرح رؤاه، ووجدت في كلامه وجهات نظر يمكن على الأقل تفهمها.

أختم لأقول إن ليس محمد ابراهيم نقد وحده الذي يتحدث هذه الأيام، لكن تصريحات "زعماء المعارضة" أضحت سيلاً جارفاً لا يتوقف، لكن تصريحاته كانت ملفتة تستحق التأمل والتحليل. ولعل الملاحظ انه في الجانب الآخر هناك أيضاً تصريحات لا تنقطع، وهي لا تستعمل "لغة السياسة"، بل تستعمل تعابير واضحة فصيحة على غرار" استعمال السيوف، والنشاط الهدام، والكتابات الهدامة والعملاء والمرتزقة". الجانب الآخر يقول ويفعل.

في حين ان تصريحات" قادة احزاب المعارضة" تجعل ناس هذا الوطن الذي نحب، مهددون بالغرق في بحر من الكلام لا يقول شيئاً ولا يحرك أي فكر أو فعل.


عن "الاخبار السودانية"

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته