تعرفت على المصور الأمريكي ميشيل فولي في "نادي الصحافة الوطني" بواشنطن. عضوية ذلك النادي هي المدخل المثالي للتعرف على عالم الإعلام والصحافة في العاصمة الأمريكية.

كان فولي قد نظم معرضاً لبعض صوره في النادي بعنوان "وجوه من آسيا" بمناسبة احتفال النادي بدخوله القرن الثاني، إذ تأسس في 1908 واحتفل عام 2008 بمرور قرن على تأسيسه. الوجوه الآسيوية التي التقطتها عدسة فولي تعكس التفاؤل على الرغم من الفقر، ويشع من أعينهم بريق الأمل.
يقول فولي" أفضل أن أكون في الوقت المناسب مع إضاءة سليمة ويقبل الناس طواعية أن التقط لهم صوراً تعبر عن شخصيتهم" وأشار إلى أنه يلتقط صوره وهو يتجول في الشارع أو الأسواق والقرى ومحطات القطار. ثم يشرح "عندما أجد وجهاً يستحق التصوير ارفع الكاميرا واسأله هل يمكنني ذلك، إذا وافق، وعندما اضغط زر الكاميرا أكون متيقناً أن روح الشخص أصبحت في جوفها".
التقيت فولي في المعرض. دردشنا حول فنجان قهوة في مقصف النادي. عندما يتناول الأمريكي قهوة معك يدشن بذلك بداية علاقة مستمرة. في نهاية جلسة طالت تبادلنا "بطاقات الزيارة".
في زحمة الأيام والمشاغل التي لا تهدأ، نسيت ميشيل فولي ومعرضه، إلى أن تلقيت منه الأسبوع الماضي رسالة عبر البريد الاليكتروني، يذكرني بجلسة قدح القهوة في "نادي الصحافة الوطني" ثم كانت بيننا مكالمة هاتفية، فهمت منها أنه يطلب مساعدة في اتجاهين.
أولاً كيف يمكنه الحصول على تأشيرة دخول إلى السودان، والأمر الثاني إذا كنت أعرف من سيساعده في الوصول إلى المناطق الساخنة بعد أن يصل بلادنا.
حول المسألة الأولى بينت له ألا يعول عليّ كثيراً في هذا الصدد لسببين، لأن ذلك يتطلب معرفة بجهات حكومية في الخرطوم، وهذه غير متاحة. والسبب الثاني أنني عاهدت نفسي ألا أطلب من جهة رسمية، شيئاً لنفسي أو لأحد أعرفه مهما كانت ضآلة المطلوب، وأياً كان من سيطلبه. وفهم الرجل وتفهم.
يتطلع ميشيل فولي للحصول على جائزة "بوليتزر" مثله مثل كثيرين من المصورين حول العالم. وهو طموح مشروع لجائزة تعد الأرقى والأكثر مردودية للمصورين.
من سوء حظ بلادنا أنه كان لها نصيب من هذه الجائزة، عبر أبشع صورة شاهدها العالم. حيث نال المصور "كيفن كارتر" الجائزة عام 1994 (من جنوب أفريقيا) عندما التقط صورة طفلة صغيرة من ضحايا المجاعة في مارس 1993، وبدا خلفها نسر ينتظر احتضارها لينهش لحمها. أهتز العالم لتلك الصورة المروعة حين نشرت في صحيفة "نيويورك تايمز". والأكثر مأساوية في الصورة أن كارتر انتحر، وسنه لم تتجاوز 33 سنة، حيث شعر بحزن طاغ بعد نشرها سرعان ما تحول إلى كآبة مرضية أدت إلى انتحاره.
سأضع جانباً تلك الصورة الكئيبة، التي التقطت في وطن يقتات زواره من الصحافيين والمصورين، من تشوهاته الاجتماعية ومآسيه الإنسانية. وأعود إلى موضوع "الصورة الصحافية".
سنلاحظ أن الناس كادت تنسى "معارض الصور" لكن سرت في الآونة الأخيرة موجة في الغرب، للاحتفاء "بالعين اللاقطة" التي تلتقط تفاصيل تعبر عن رؤية فنية عميقة.
في هذا السياق، كنت زرت معرضاً للصور في نيويورك لمصور أصله من الشيلي. حيث عرض كاميلو خوسي فيرغارا، الذي برع في تصوير لقطاته من الأحياء والمدن الأمريكية، مجموعة متنوعة من أعماله.
يعيش فيرغارا في نيويورك لكنه سبق له أن عاش قبل ذلك في بلتمور (ولاية ميرلاند) وفي شيكاغو (الينوي) وديترويت (ميشغان) ولوس انجلوس (كاليفورنيا). ظل يستهويه تصوير البنايات التاريخية، حيث يسجل بالصورة التعديلات التي تطرأ عليها، أو تداعيها وهدمها وبناء عمارات أو مواقف سيارات على أنقاضها. هذا الرصد التصويري أدى إلى أن يصدر فيرغارا كتابين يضمان بعض صوره، الأول صدر عام 1995 بعنوان "الغيتو الأمريكي الجديد"، والثاني عام 1999 بعنوان "الأطلال الأمريكية".
شهد معرضه إقبالاً منقطع النظير وكان بعنوان "هارلم" حي الفقراء والتعساء في نيويورك الذي ارتبط اسمه بالمخدرات والجريمة لعقود، قبل أن تدخل عليه بعض التحسينات.
لكن انتبهوا، في "هارلم" ولد دبليو دوبوي، أول أسود نال دكتوراه من جامعة هارفارد، وكان عنوان رسالته "كبت الرقيق في ولايات الجنوب". وهناك ألف لانغستون هيوز قصيدة "زنجي يتكلم عن الأنهار" (النيل والكونغو ودجلة والفرات). وهناك عزف لوي آرمسترونغ، أعظم عازف ساكسوفون في القرن العشرين، لحن "أحزان الطرف الشرقي" الذي صور حالة السود. وهناك تعلم المغني مايكل جاكسون الغناء. وهناك ولد أسطورة الراب توباك. وهناك ولد كولن باول، أول أسود يصبح قائداً عاماً للقوات الأمريكية ووزيراً للخارجية. وهناك سجل فيرغارا لقطاته المعبرة أيضاً.
يقول فيرغارا عن نفسه "أذهب إلى حيث ما أريد وأفعل ما أريد لانني احتاج إلى ذلك". ويقول أيضاً إن تركيزه على أشياء محسوسة يبعد عنه القلق، وينقله إلى عقود خلت حيث توارت طفولته، وهو يعتقد أنه يتحول في بعض الأحيان إلى شبح يتربص بأشباح. هذه "الأشباح" هي التي تظهر في معرضه الذي عرض خلاله مائة صورة في مقر "الجمعية التاريخية" في نيويورك، وهيمنت عليه صور من حي هارلم.
يقول فيرغارا إنه زار ذلك الحي عندما وصل نيويورك عام 1968 وكانت سنه آنذاك 24 سنة، حيث بدا له مكاناً يغوص في الفقر، وتعرض إلى أضرار يصعب إصلاحها. في ذلك الوقت راح يلتقط صوره من حي هارلم. ومنذ ذلك الوقت أصبح يعرف على اعتباره من مصوري الشارع، أي الذين تكون لقطاتهم عفوية لناس يلتقيهم في الأحياء والأزقة. وخلال هذه السنوات ظل فيرغارا يتردد على حي هارلم بانتظام أثناء ساعات الغداء.
التقط فيرغارا عام 1977 صورة مدخل نادي ليلي يسمى"الأرجواني" وتردد وقتها أن مرتادي النادي هم من شريحة الكبار الذين يتاجرون في المخدرات، وأثارت تلك الصورة ضجة كبيرة، ثم التقط عام 1980 صورة أخرى للنادي لكنه كان قد اندثر وشيد مكانه متجر متخصص في التخفيضات، يبيع الملابس النسائية، ثم تحول إلى متجر للتبغ ومطعم للسمك والبطاطس المقلية، بيد أن المكان نفسه سيتحول عام 2007 إلى واجهات زجاجية وأمكنة خاصة لدخول المعاقين، وأصبح معروضاً للإيجار. وبيعت الصور التي التقطها فيرغارا للمكان في تحولاته وتبدلاته، بسعر باهظ، وقيل إن بعض تجار المخدرات أرادوا الاحتفاظ بها على اعتبار أنها تسجل ذاكرة مكان كانوا يرتادونه للترويح عن أنفسهم.
برع فيرغارا في تصوير بعض البورتريهات (بروفايل) لأشخاص عاديين. ومن بين هذه الصور صورة لامرأة بوليفية ترتدي ملابسها التقليدية في حي هارلم عام 1970، وعلى الرغم من أن الشائع أن هذا الحي للسود، لكن يوجد به أيضاً عدد كبير من اللاتينيين. ومن صوره اللافتة صورة لرجل وطفل يتمشيان في أحد شوارع نيويورك وهم يحملان صورة الزعيم الأسود مالكوم أكس إلى جانب صورة باراك اوباما.
أختم خارج السياق فأقول، ما أتمناه ألا تدخل بلادنا مرة أخرى عبر صور مأساوية إلى أية مسابقة.



عن"الأخبار السودانية"

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.