لعلي لا أتجاوز إذا قلت إن الصحافة السودانية في وضعها الراهن تواجه مصاعب ومتاعب. "مصاعب" بسبب ضعف سوق الإعلان، وهو في معظمه إما إعلان حكومي أو إعلانات لشركات اتصالات. و"متاعب" لأن هامش الحرية يضيق ويتسع بطريقة مزاجية، إذ "السلطة" لا يزعجها نشر الآراء، لكنها حتماً تنزعج من المعلومات والوقائع، وفي ظل "حريات" مراقبة رقابة شديدة، يصبح نشر المعلومات مخاطرة، أقل أضرارها المصادرة وإغلاق منافذ الإعلانات.

وفي حالات أخرى شاهدنا كيف أن نشر المعلومات يقود إلى المحاكم والسجون.
في مرات كثيرة تتعرض الصحف للمصادرة، وهي لا تملك حتى هامشاً لتقول فيه إنها "حجبت" ولماذا، بل هي مضطرة لتقول إنها "احتجبت" دون أن تفسر أو تشرح، وإلا أصبحت مستهدفة.
هناك الكثير الذي يمكن أن يقال حول ما يحدث بين "السلطة" والصحف في بلادنا. وأعتقد جازماً أن الزملاء في الداخل هم الأجدر بأن يتطرقوا لهذا الأمر، إذا سمح لهم، أما أنا وأمثالي فإننا نكتب من الخارج، لا نعرف الكثير من التفاصيل وإن عرفنا النتائج التي تبدأ بالمصادرات ثم المحاكمات فالاعتقالات والسجون.
لا شك أن اتفاقية "نيفاشا" أتاحت قدراً معيناً من حرية التعبير، لكن الآن طويت "نيفاشا" بعد أن ذهب طرفها الثاني إلى حال سبيله، ولم يعد هناك سوى مواجهة الواقع. وهو واقع فيه الكثير من المتاعب.
الصحافة كما أفهمها هي حرية مناقشة أي قرار وظروف صنع القرار وتدفق المعلومات. وفي كل الأحوال ليس مطلوباً من الصحافي أن يتحول إلى "واعظ" يوزع نصائحه يميناً ويساراً، بل مطلوب منه البحث عن المعلومة، وتقديمها بتجرد مهني. لكن هذا الدور لا يمكنه أن يحدث في ظل هامش حرية يضيق ولا يتسع. والقاعدة تقول قدم لأي شخص معلومات صحيحة ثم أتركه وشأنه. وتحضرني قولة من تلك الأقوال المضيئة، صاحبها آرثر سالزبيرقر الذي حقق تطويراً هائلاً لصحيفة "نيويورك تايمز" يقول فيها "أحجب المعلومات الصحيحة عن أي إنسان أو قدمها إليه مشوهة أو ناقصة أو محشوة بالدعاية والزيف، تدمر كل جهاز تفكيره، وتنزل به إلى ما دون مستوى الإنسان".
لكن قبل أن نفهم لماذا تواجه صحافتنا "المصاعب والمتاعب"، علينا أن نتذكر أن الصحافة في أي بلد هي جزء لا يتجزأ من الحياة السياسية في هذا البلد، والصحافة السودانية ينطبق عليها ذلك تماماً، إذ إن الصحف صاحبة "الحظوة"، هي تلك التي تعرف "السلطة" بأن من يتولى أمورها التحريرية، أشخاص من المحسوبين على "الإسلاميين" أو لهم علاقة مباشرة مع أحد الشخصيات المتنفذة في هرم السلطة.
ثم أن الصحف في الغالب لا تصدر وتنشر وتستمر تعبيراً عن الآراء والرغبات الشخصية لمحرريها، وإنما هي تصدر وتنتشر عندما تعبر عن آراء ومصالح أوسع وأكبر لقوى على الساحة. وفي حالتنا فإن المطلوب، حتى تستمر الصحف أن تكون هناك "موالاة" طوعاً أو قسراً وما تبقى تفاصيل.
ثم أن حرية الصحافة لا تكون بالقول إن لدينا حرية صحافة، وإنما تتأكد حين تكون الآراء والمصالح التي تعبر عنها أية صحيفة قادرة على حماية حقها في التعبير عن نفسها، وأتذكر أن هذا الأمر، طرح مرة في عمقه لأسباب أخرى ليس فيها الحرص على "حرية التعبير"، وكنت طرفاً، نحاول يومها، أن نوسع تلك الكوة التي انفتحت، بحيث ننفذ من خلالها للدفع بالأمور في اتجاه إيجابي قدر الإمكان. كان ذلك عندما وجهت الدعوة لانعقاد مؤتمر الإعلاميين في الخارج في مايو 2009، لكن تلك المبادرة أحبطت من جانبين، "السلطة" التي طوت فكرة تلك المؤتمرات من أساسها بعد أن خلقت "الفرقعة" التي تبحث عنها من خلال المؤتمر الثاني للإعلاميين، والمؤكد أنهم كانوا يعرفون أصلاً لماذا دعوا إلى ذلك المؤتمر، ولم يكن هذا يضير، أما الجانب الثاني، الذي أحبط تلك المحاولة، وأقولها بأسف، فقد كانوا زملاء اعتقدوا خطأ أن خيار "الكرسي الفارغ" هو "الموقف النضالي"، وكنت ضد هذا التوجه وما زلت ضده، ولو كان حضر كل من كان في الخارج ذلك اللقاء على علاته، لكُنا حققنا خطوة هائلة إلى الإمام.
عندما تتعدد القوى السياسية داخل المجتمع، درجة تعدد تعكس مرحلة التطور الاقتصادي والاجتماعي والتوازنات داخل المجتمع نفسه، يؤدي ذلك إلى خلق إمكانية تنوع في الآراء تعبيراً عن هذه التعددية، وبالتالي يقود ذلك إلى صحافة متنوعة ومتعددة، وفي بلادنا تعددية زائفة، تقول بها "السلطة" لكنها تحاصرها من جميع الجوانب، وهي الآن تريد أن تتلاعب بها داخل ما تسميه "حكومة الوحدة الوطنية"، والمؤكد أن "الوحدة الوطنية" لا تحققها الحكومات وتنازلات عن وزارات هامشية، بل تكرسها "البرامج الوطنية" لتطوير وتنمية وتحديث المجتمع، في ظل الحريات، واحترام حقوق الإنسان.
ثم هناك خلاصة يدركها كل من يفهم في أبجديات "علم السياسة" وهي أنه إذا هيمنت في مجتمع ما "سلطة واحدة" فإن الحياة السياسية في البلد ستنحصر في حدود هذه "السلطة الواحدة" وما عداها يكون خروجاً عليها حتى دون تمرد أو ثورة، لذلك يمكن أن يقود مقال أو وجهة نظر إلى السجن، ووجدنا كيف أن صحافيين يساقون إلى المحاكم بتهمة "تشويه سمعة الأجهزة الأمنية".
الآن إذا تأملنا ما يريده الصحافي وما تطلبه "السلطة" في بلادنا، ربما نفهم لماذا تتم مصادرة الصحف ويطلب منها ألا تقول لماذا صودرت، أو لماذا يحاكم الصحافيون ويرسلون إلى السجون. المؤكد أن الصحافي يريد الأخبار والمعلومات ويحرص على استقلاليته في نقل هذه الأخبار والمعلومات، ولا يجوز مهنياً أو أخلاقياً أن يظلل أو يلون هذه الأخبار أو يعتم عليها، و"السلطة" تريد الوصول إلى الناس وهي لا تبالي بمهنية الصحافي واستقلاليته، بل هي في العمق لا تريد ذلك أصلاً.
بعض الناس يقولون إذا كانت الأمور كذلك، لماذا لا نركز على مطالب الحريات والتعددية السياسية الحقيقية وبالتالي الاستمرار في المجابهة.
هنا لا أجزم بخطأ أو صواب، بل أقول إن واجب الصحافيين بل هو قدرهم، سواء في الداخل أو الخارج، العمل على توسيع هامش الحريات. والحرص على أن تكون الصحافة هي "تدفق معلومات" والآن لم يعد "الورق" هو الوسيلة الوحيدة، بل انفتحت منافذ كثيرة، يمكن من خلالها أن تتدفق هذه المعلومات، وإذا كنا نتحدث عن معلومات فإن دلالات هذه الكلمة واضحة، لأن "السلطة" لا يضيق صدرها إلا عندما تنشر "معلومات"، وبالتالي يجب ألا نمنح "السلطة" فرصة تسفيه الجهد الصحافي، بنشر الشتائم والأكاذيب.
ثم هناك مسألة أخرى، وهي ضرورة أن يقاتل الصحافيون من أجل كيانات حقيقية تمثلهم، وليست كيانات وهمية جاءت عبر عمليات إغراق يعرفها الجميع.
والخلاصة أن الصحافة هي وسيلة تنوير ومعلومات، ولا يمكن أن تتحول بأيدينا إلى وسيلة للتعتيم.



عن"الأخبار السودانية"

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.