كثيراً ما يحدث أن أتلقى استفسارات من أعزاء ومهتمين حول كتب كتبتها، صدرت عن دور نشر في الخارج. يستفسرون، وفي ظنهم أن ما كتب يستحق الإطلاع، وهذا رأيهم واعتقادهم، وأنا ممتن لهم.

ولا شك أن إحساس الكاتب بأن هناك من يقرأ ما كتبه من كتب، يختلف تماماً عن إحساسه بقراءة الكتابات الأخرى، سواء كانت مواد صحافية أو مقالات. وفي رأيي أن كل كتاب، أياً كان موضوعه، له علاقة بكاتبه فهو قطعة من حياته وفكره وعمله وتجربته، صاغها على مهل في صفحات وسطور وأحرف، بل يعبر الكتاب في بعض الأحيان عن "شخص آخر" ليس هو الشخص الذي نعرفه ويعرفنا. تأسيسياً على هذه الرؤية، أشعر دائماً بشيء من الأسى، بأن ما كتبت لم يصل إلى القارئ الذي يهمني أكثر من غيره، أي القارئ السوداني، وحتى حين وصل أحد هذه الكتب، وصل مشوهاً.

حاولت أن أجد حلاً، اعتماداً على جهد ذاتي، بيد أنها كانت محاولات عبثية، وعندما بادر موزعون، واتصلوا بقيت الأمور تراوح مكانها. أمنيات ورغبات ثم لا شيء.
في بعض الأحيان يكون سهلاً، إرسال بعض تلك الكتب إلى من يطلبها، خاصة إذا كان في أوروبا وأمريكا. لكن تجربة إرسال كتب إلى قراء يهمني أمرهم قبل غيرهم كانت مزعجة. إذ حاولت أكثر من مرة إرسال بعض النسخ إلى الخرطوم، لكن التجربة كانت فاشلة. لم تصل تلك الكتب، ثم أنها لم تعد إلى من حيث أرسلت. جربت ذلك مرات ومرات، ومن عواصم شتى، لكن دون نتيجة.
حرصت قبل أزيد من سنتين خلال زيارة خاطفة إلى الخرطوم، على التعرف أين وصلت خدمات البريد في السودان. كنت أدرك أن هذا المرفق تدهور كثيراً منذ أيام "جعفر نميري"، حيث أفلح ذلك النظام في أن يحول جميع مرافق الخدمات في السودان إلى مجرد "ذكريات وأغاني".
السكك الحديد: ذكريات.
مشروع الجزيرة: ذكريات.
الخدمة المدنية: ذكريات.
ساعي البريد: ذكريات.
المدارس الحكومية: ذكريات.
المستشفيات الحكومية: ذكريات.
ذهبت إلى حيث كان يوجد مبنى البريد الرئيسي في شارع الجامعة، وهو مبنى من تلك التي شيدها الإنجليز، وكان يعد في زمانه "تحفة معمارية"، ولم أجد سوى أطلال. بل لم يكن أحد يدري ماذا يريد من جعلوه أطلالاً أن يفعلوا به. فهمت يومئذٍ أنه لم تعد هناك خدمات بريد على الإطلاق. لقد اندثرت مهنة "ساعي البريد".
أدركت وقتها لماذا توجد ملاحظة في بعض مكاتب البريد، في عدة عواصم أوروبية، تضع السودان ضمن قائمة تضم بضعة دول، تقول إنه لا توجد ضمانات بوصول الرسائل إلى تلك الدول. أن يكون السودان في "قائمة الدول الراعية للإرهاب" وعلى الرغم من أنه أمر مؤسف، لكنه مفهوم، لأن المسألة هنا "سياسة"، أما أن تجد اسم بلدك في قائمة تضم بعض "دول" تعيسة تعد على أصابع اليد، لا يمكن أن ترسل إليها رسالة، فهذا أمر محزن.
لذلك فهمت أن مسألة إرسال كتب إلى السودان من أحلام اليقظة، وبالتالي لا يوجد حل سوى إرسالها مع شخص ما عبر مطار ما، إذا قبل أن يحمل كتباً.
في زمن مضى، كنا نذهب إلى "محطة كريمة"، نسأل إذا كان هناك من سيذهب إلى "السجانة" أو "امتداد الدرجة الثالثة"، ونسلمه رسائل للأهل، ونكتب على الظرف "مع تشكراتنا لحامل هذه الرسالة". كنا نكتب في تلك الرسائل "ونقري السلام إلى الأهل والجيران وعموم ناس الخرطوم، ونحن لا ينقصنا سوى مشاهدتكم الغالية"، ذلك كان زمناً مضى، كنا نعتقد أننا تركناه خلفنا، لكن لم أكن أعتقد بأن الزمان سيدور دورة كاملة ليأتي زمن آخر نبحث فيه عن مسافر يحمل "قليلاً من الكتب" إلى بعض الأصدقاء هناك في "العاصمة المثلثة".
دور التوزيع والمكتبات على قلتها، ليس لها إمكانيات تجعلها تستورد كتباً من الخارج ليقرأها بعض ناس السودان. ودور التوزيع في الخارج، خاصة الدور اللبنانية، لم تعد متحمسة لإرسال كتب إلى الخرطوم، لن تحصد منها سوى الخسائر، إذ إن كثيراً من الدور التي كانت تهتم بالسودان وبالكتاب السوداني، توقفت عن إرسال كتب، كما كانت تفعل من قبل، باستثناء التعاقدات المباشرة.
هنا تحضرني واقعة طريفة، ولا شك أن الزميلين معاوية ياسين ومحمد المكي يتذكرانها. كنا قبل سنوات نحضر مؤتمراً في بيروت، وارتأينا الذهاب إلى "دار الجيل" لنشتري بعض الكتب السودانية، إذ إن هذه الدار العريقة ظلت لعقود تهتم بالكتاب السوداني وبعض المؤلفين السودانيين. تقع الدار على ربوة في بيروت الشرقية على ما أتذكر، وأصحابها من أسرة "آل عبود" وجدنا ثلاثة منهم، وعلى طريقة اللبنانيين رحبوا بنا ترحيباً ملفتاً، إذ اللبناني يجيد هذه اللمسات. ولأن اللبناني تاجر بالسليقة، أرادوا استثمار زيارة "ثلاثة صحافيين سودانيين" للدار، وطلبوا منا، إن كان بالإمكان، مساعدتهم في تحصيل "ملايين الجنيهات" في السودان، وهي عائدات كتب ظلوا يرسلونها على مدى عقود، لكن بقيت أموالها دون تحصيل، على حد قولهم، لأن الذين استوردوا تلك الكتب لم يسددوا قيمتها بسبب مشاكل التحويل من الداخل إلى الخارج تارة، أو بسبب "طرائق السودانيين" في التعامل مع مثل هذه الأمور. وقطعاً تدركون ما هي هذه "الطرائق ".
وأتذكر أنني اقترحت عليهم مازحاً أسلوب المقايضة. أي استيراد سلع عينية من السودان بدلاً من "الملايين" التائهة في الخرطوم. وفوجئت أن أحدهم راقته الفكرة، وقال جاداً إنهم على استعداد لاستيراد ذرة من السودان، وشرح ذلك بقوله، إن مزارع الدجاج انتشرت كثيراً في لبنان، خاصة أن اللبنانيين يعتمدون كثيراً في مطبخهم على "الفراخ"، وتحتاج هذه المزارع إلى ذرة بكميات كبيرة، وهم يستوردونها من عدة بلدان. يومها قلت للزميلين معاوية ومحمد المكي "بصراحة هذه صفقة هائلة، يقرأ السودانيون كتباً من إصدارات دار الجيل مقابل تسمين دجاج لبنان". ولا أعرف إذا كانت تلك الصفقة قد تمت، وقايضت "دار الجيل" الكتب بالذرة.
لكن هل مشكلة السودان هي عدم وصول الكتب؟ أم أن السؤال: هل يقرأ السودانيون؟ وهل يسمح لهم أصلاً بقراءة ما يريدون؟



عن"الاخبار السودانية"

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.