في هذه الأيام يبدو وكأن العنف في عجلة من أمره في هذا الوطن الذي نحب، لكن ليس هذا هو موضوعي اليوم.
قصدت ذلك حتى لا تتحول الكتابة إلى تقليب مواجع. والله يشهد أن أمنيتي من كل هذه الكتابات أن تتعافى البلد من حروبها العبثية. وأن يختار السودانيون حكامهم كما يريدون ويشتهون. في بعض الأحيان ينأى بعض الناس بأنفسهم عن السياسة، وأزعم أنني أحدهم، لأنهم قالوا ما يجب أن يقال، ولا معنى للتكرار، إذ كما أقول دائماً، أعظم ما في الكلمة المكتوبة أنها مكتوبة,
سأترك كل هذا الذي حدث ويحدث، واطرق كما وعدت الأسبوع الماضي، موضوعاً قد يبدو بعيداً عن انشغالاتنا الراهنة، لكنه في الواقع يلامسها من زاوية أخرى، ربما سيتبادر إلى الأذهان ألا علاقة له بالواقع الذي نعيش، لكن الأمر ليس كذلك.
في أحيان كثيرة، وأظن أن ذلك حال كثيرين، يتهاطل ركام من رسائل داخل علبة البريد الاليكتروني، أحرص في الغالب على مطالعة هذه الرسائل قدر الإمكان، على الرغم من فرضية الغث والسمين.
وحتى لا يستهلك الوقت في وسائل تواصل تحيط بنا من كل جانب، وفي كل لحظة من هذا العصر، فقد ارتأيت منذ سنوات طويلة،الاستغناء عن مشاهدة التلفزيون، ومتابعة هذه الدنيا وناسها وأحداثها، عبر الراديو والصحف والكتب والانترنت، وهذا في اعتقادي أكثر من كاف.
ساعات التلفزيون عوضتها ساعات الحاسوب، ولم أجد أنني خسرت شيئاً، بل ربحت الكثير من الوقت والمعرفة أيضاً. إذا أردت أن تشاهد حدثاً مصوراً، فإن الانترنت يوفر ذلك وبطريقة أفضل بكثير من التلفزيون، لأنك ببساطة تستطيع أن تعيد الصورة وتغوص في تفاصيلها، مرات ومرات.
بقيت وما زلت أقول لطلابي في معاهد الصحافة والكليات، إذا أردتم أن تصبحوا صحافيين، عليكم قراءة الكتب. وفي كثير من الأحيان يسألون: ما السبيل إلى ذلك؟ وطوال سنوات ظل جوابي كما هو: اتركوا جانباً مشاهدة التلفزيون. يمكنكم أن تتعلموا طريقة وتقنيات العمل الصحافي في التلفزيون، لكن لا تتحولوا إلى مدمنين على مشاهدته.
راقتني شخصياً معادلة طريفة، لكنها مفيدة جداً. إذ الداعي لكم بالخير يتحدث كثيراً للقنوات الفضائية، لكنه لا يشاهدها.
أقول ذلك، وأقر دائماً بأن التلفزيون في هذه الأزمنة صنع لنفسه عصراً بأكمله، وكان هذا "العصر التلفزيوني" حاضراً في كل بيت وملتقى، وهو الوسيلة التي اغتالت العمل السياسي الذي كان يعتمد على التواصل المباشر مع "الجماهير" منذ بدأت عهود الديمقراطية، وتحول التلفزيون صانع سياسة، لكن تكلفة ذلك على الوعي بل وعلى الحقيقة، كان باهظاً.
أعود إلى علبة البريد الاليكتروني، فقد لاحظت في السنتين الأخيرتين، أن مجموعات من شرائح سودانية متعلمة، خلقوا شبكات تواصل خاصة بهم، خارج إطار شبكات التواصل الاجتماعية المعروفة. كما لاحظت أيضاً أن عدداً من أصحاب هذه الشبكات وضعوا عنواني على قائمة بريدهم، وفي بعض الأحيان حتى دون سابق معرفة شخصية، وأنا ممتن لهم.
صادقاً أقولها.
وهكذا أصبحت تصل إلى العلبة الاليكترونية، أشياء كثيرة ومتنوعة.
ومن هذا الكثير تلقيت شريط فيديو قصير لمطرب أثيوبي شاب، اسمه أبراهام آسيف. يترنم هذا المطرب الأثيوبي بأغنية سيد خليفة التي كتب كلماتها الشاعر إدريس جماع، والتي نعرفها باسم "أعلى الجمال تغار منا".
يغني هذا المغني من القصيذة، بضعة أبيات فقط لا تتعدى أربعة، مع لقطات مصورة متخيلة (فيديو كليب) ثم يكمل بالأمهرية.
إذ هو يغني الأبيات التي تقول:
على الجمال تغار منا ماذا عليك إذا نظرنا
هي نظرة تنسى الوقار وتسعد الروح المعنّى
دنياي أنت وفرحتي ومنى الفؤاد إذا تمنّى
أنتَ السماءُ بدتْ لنا واستعصمتْ بالبعدِ عنا
علماً بأن القصيدة تستمر بعد ذلك لتقول:
هلاَّ رحمتَ متيماً عصفت به الأشواق وهنا
وهفت به الذكرى فطاف مع الدجى مغنى فمغنى
هزته منك محاسن غنى بها لمَّا تغنَّى
يا شعلةً طافتْ خواطرنا حَوَالَيْها وطفنا
أنست فيكَ قداسةً ولمستُ إشراقاً وفناً
ونظُرتُ في عينيكِ آفاقاً وأسراراً ومعنى
كلّمْ عهوداً في الصبا وأسألْ عهوداً كيف كُنا
كمْ باللقا سمحتْ لنا كمْ بالطهارةِ ظللتنا
ذهبَ الصبا بعُهودِهِ ليتَ الطِفُوْلةَ عاودتنا
صوت هذا الشاب الأثيوبي، من ذلك الذي يطلق عليه "الأصوات الرخيمة"، ولأن الأغنية لا تشي بالفرح بل فيها مسحة حزن، جاء أداؤه شجياً مؤثراً. خاصة عندما يصل إلى البيت الذي يقول:
أنتَ السماءُ بدتْ لنا واستعصمتْ بالبعدِ عنا
ثم ينهمر صوته كما ينهمر مطر الخريف في الوطن الذي نحب.
لحن هذه القصيدة التي غناها الراحل سيد خليفة، مشحون بالطرب. وموسيقاها تتماهى مع الكلمات، وعندما أضاف المغني الأثيوبي نكهته، أصبحت موسيقى الأغنية حلوة، زاخرة بمتناقضات جعلتها أكثر عذوبة، إذ هي فرحة ومريرة، حزينة ومبتهجة، متفائلة ومنكسرة. ومما ساعد على الأداء الجيد لهذا المطرب، أن صوته مفعم بحيوية استثنائية. فيه الكثير من الدفء.
لعل ما يلفت الانتباه أن كثيرين في الوطن يعتقدون أن الفنانين الأثيوبيين، عندما يتغنون بالأغاني السودانية، يتفوقون على الأصل. لا أود أن أقحم نفسي في هذا النقاش، إذ إن مثل هذه الأمور لها أصحابها. بيد أنني أريد فعلاً أن أطرح فكرة للتأمل حول الأغنية السودانية. ولا أزعم شيئاً في هذا المجال.
قبل ذلك أود أن أقول بكل وضوح إنني حين غادرت الوطن، وبحكم ظروف النشأة، كان لا يستهويني سوى إيقاع "الدليب" الذي هو إيقاع أغاني الطنبور، وكنت لا اسمع في "سنوات الرباط الأولى" التي كتبت عنها كتاباً بعنوان "أيام الرباط الأولى" سوى أغاني الطنبور، إلى حد أن زميلاً عزيزاً من تلك الفترة، وهو الصديق محمد خالد محمد عثمان، وعلى الرغم من أنه "نوبي" من منطقة المحس، وتربى في مصر، راح جاهداً يحاول أن يتذوق تلك الأغاني مجاملة في البداية، ثم إعجاباً بعد ذلك. بيد أن الأمور ستتغير تماماً بعد سنوات الدراسة.
في هذا الجانب أجد نفسي شديد الامتنان، إلى الصديق الأعز.. الطيب صالح. كان الطيب صالح "سودانياً" بكل الدلالات والحمولة التي تنطوي عليها هذه الكلمة . قال لي ذات مرة، إيقاع "الدليب" يطربني أيضاً، لكن حاول أن تستمع إلى أغاني "محمد أحمد سرور" وحتى تصل إلى تذوق "سرور" اقترح عليك أن تسمع أغاني "أحمد المصطفى". وأردف اعتقد أنه "محمد عبد الوهاب السودان". كان الطيب لا يخفي إعجابه بشاعر البطانة "الحردلو"، ربما بتأثير فترة أمضاها مدرساً للغة الانجليزية في مدرسة "الشيخ لطفي" في رفاعة، هذا الإعجاب جعله يتذوق كثيراً قصائد "الجاغريو" التي تغنى بها أحمد المصطفى.
كانت نصيحة الاستماع إلى أغاني "سرور" من النصائح الدرر. يا لها من نصيحة، عملت بها، ووجدت فيها متعة لا تقدر. أدركت كم هو رائع هذا الوطن عندما يغني.
اختم لأقول: صحيح أن الشعوب التي لا تعرف الكتابة والقراءة هي شعوب يسهل تضليلها، وأضيف إن الشعوب التي لا تتمتع بحس فني وقدرة على التذوق لن تدرك قط قيمة التسامح، ومن السهل جداً أن تتفشى فيها نزعات التطرف.
وللحديث بقايا.

عن"الأخبار السودانية"
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.