طوال سنوات في واشنطن، كنت آمل أن التقي اثنين من سودانيي الشتات، لأسباب مختلفة.
كنت أتمنى أن التقي الصديق العزيز مصطفى البطل، إذ "مصطفى" زميل دراسة. درسنا سوياً في الجامعة المغربية، على الرغم من أنه أختار "العلوم السياسية" وأنا اخترت "الفلسفة". كان اختياراً معكوساً، لأن "مصطفى" هو الأقرب إلى العلوم الإنسانية والآداب، وكان يفترض أن أدرس "العلوم السياسية". ثم أننا تحملنا معاً مسؤولية قيادة "اتحاد الطلاب السودانيين في المغرب"، وكان ذلك أيضاً وضعاً غريباً، على الأقل في حالتي.

"مصطفى" هو ابن مدينة عطبرة، على الرغم من حديثه الكثير عن أصوله النوبية، وبحكم النشأة والتربية لا شك أن وعيه وذاكرته تأثرت بأجواء العمل النقابي في "المدينة العمالية" التي كانت حين تعلن إضراباً ترتعد فرائص حكومة الخرطوم أياً كانت تلك الحكومة.
ومنذ أيام عطبرة، كان "مصطفى" قارئاً نهماً، يلتهم الكتب والمجلات والصحف، وبالطبع "المنشورات" النقابية والحزبية، لذلك كان طبيعياً أن يكون في قيادة اتحاد طلاب. وعندما راح يكتب سلسلة انطباعاته، التي اختار لها عنواناً يقول "سباحة حرة في نهر عطبرة"، كان ظني أنه لو واصل تلك الانطباعات، لكنا حصلنا على كتاب رائع. لكن "مصطفى" هو "مصطفى". سلوك مزاجي مع الكتابة. على الرغم من أن وراء هذه المزاجية نبوغ إبداعي ملفت. وأعتقد أنه لو كرس وقتاً لكتابة الكتب، لرفد المكتبة بإنتاجات مهمة. بيد أن "مصطفى" شخص يلازمه الملل. يمل كل شيء، إلا القراءة. وأظن أنه لم يكمل سلسلته "سباحة حرة في نهر عطبرة"، لأن حالة الملل هبطت عليه، وشعر بالملل من "السباحة" و"النهر" و"عطبرة". وتركنا هناك على ضفة النهر، وانزوى في مينسوتا، ولايته التي لا يبارحها إلا إذا كانت الرحلة إلى ما وراء البحار.
في حين أنني اتحدر من قرية، لم أقرأ كتاباً واحداً في تلك القرية، لعلني لم أشاهده أصلاً. قرية تسمى "شبا" ولا أعرف من أين جاء هذا الاسم. بيوتها الطينية الواطئة فوق الجبل، ورقعتها الزراعية شريط ضيق على ضفة النيل. ناسها يزرعون البرسيم علفاً لماشيتهم، وبعض الخضروات في "الجروف" وينتظرون سنة كاملة حتى تجود عليهم أشجار نخيل هرمة ببعض التمور. يصارعون الحياة بالكثير من الصبر، وشيء من السخرية وقليل من المزاح .
على الرغم من ذلك، فإن تلك القرية ما تزال في دواخلي، أحياناً يرجني إليها الحنين رجاً. الآن عندما أتذكر تفاصيل حياتي هناك، أشعر بحنين جارف، إلى تلك الأيام.
كان طبيعياً أن يكون "مصطفى" في قيادة اتحاد الطلاب، لكن "تربالاً" مثلي ما له والعمل النقابي.
منذ أن وصلت واشنطن تلقيت دعوة من "مصطفى" لزيارتهم في مدينته "مينابوليس" في ولاية مينسوتا. وعلى الرغم من أنني جبت معظم الولايات، حيث كنت محظوظاً لأن وجودي هناك صادف واحدة من أهم "الحملات الانتخابية" في تاريخ الولايات المتحدة، وهي الحملة التي جاءت بابن مهاجر كيني رئيساً للولايات المتحدة، عندما شاهدت كيف "يصنع الرؤساء" في أمريكا، بيد أن "مينسوتا" لم تكن ضمن تلك الجولات، وبالتالي تعذرت عليّ زيارة الصديق القديم "مصطفى" حتى غادرت أمريكا، في انتظار زيارة وعد بها إلى المغرب، الذي عشنا فيه أيام "شرخ الشباب وهدوء البال وانفتاح الشهية للحياة". كان زمناً جميلاً تقاسمنا حلاوته.
أما الشخص الثاني الذي كنت أتمنى اللقاء به، هو الفاتح إبراهيم أحمد. لا أعرف "الفاتح" ولم التق به قط. لكن الطيب صالح، وأنا استعد للسفر لأول مرة إلى واشنطن، وما زلت أتذكر كنا نتمشى في شارع "ايدغر روود" في لندن ومعنا محمد الحسن أحمد، رحمهما الله، التفت نحوي وقال "لاحظت أنك بدأت تهتم بالأغنية السودانية، خاصة أغاني الحقيبة، هناك شخص ستستفيد منه كثيراً في هذا الجانب، هو الأخ الفاتح".

كان الفاتح وقتها في واشنطن، لكن عندما وصلتها كان قد غادر إلى كاليفورنيا.
كنت أعرف أن الطيب صالح يقدره كثيراً، إذ حرص عندما طلبت منه مجموعة من الصور لتكون في ملحق صور كتاب "على الدرب مع الطيب صالح" أن وجدت بينها صورة تجمع "الطيب صالح والفاتح إبراهيم أحمد ومحمد إبراهيم الشوش" وكتب عليها الطيب بخط يده "بلتمور أمريكا 1993 ".
سعدت كثيراً عندما التقيت جولي زوجة الطيب صالح في أصيلة صيف العام الماضي وطلبت منها مجموعة صور خاصة للطيب صالح، لتنشر في الطبعة الثانية من هذا الكتاب، وهي طبعة منقحة، فيها بعض التفاصيل، التي كان الطيب صالح طلب بإلحاح ألا تنشر إلا بعد رحيله، وأتذكر عندما قلت له "هب أنني سبقتك، ماذا سنفعل" أجاب بنبرته المميزة "يروح الكتاب في ستين دهية، هو أنت فاكر الناس لديها وقت حتى تقرأ عن حياتي، في بعض الأحيان التقى بعض الناس ويقولون لي أعجبتني روايتك التي اسمها "طير الجنوب" وهم يقصدون "موسم الهجرة إلى الشمال" أو يجيء أحدهم ويقول لك روايتك "رحلة الشمال إلى الجنوب" عظيمة جداً" وزاد "أناس يتحدثون عن رواية وهم لا يعرفون حتى عنوانها، ويبدو لي أحياناً أن البشرية تائهة وأنا تائه معها... الكاتب نفسه لا يعرف أحياناً ماذا يقول وماذا يكتب". أتذكر أنني طلبت ملحاً، بأن أختم الكتاب بهذه الفقرة بعد تعديلها. فقبل على مضض.
بعد رحيله، وهو أمر لست قادراً على استيعابه ولو للحظة واحدة حتى يوم الناس هذا أنه قد حدث بالفعل، وجدت أن التكنولوجيا تحل في كثير من الأحيان بعض الأمور التي قد تبدو شائكة. من ذلك إذا كنت سأضيف أجزاء مهمة من كلام قاله الرجل، كيف يتيقن الناس أنه قالها بالفعل، والرجل لم يعد في دنيانا هذه، على الرغم من أنه أمامنا وهو بعيد ومعنا وهو ليس بيننا. وجدت الحل في تحويل التسجيل إلى قرص مدمج يوزع مع الكتاب، بحيث يقرأ الناس ما قال، ويسمعون حديثه إذا أرادوا.
أعود إلى "الفاتح" لأقول إنني لم التقيه على الرغم من أنني زرت كاليفورنيا أكثر من مرة. كنت أعتقد أن ذكرياته مع الطيب صالح، وخاصة تذوق الطيب بعض الأغاني السودانية دون غيرها تحتاج إلى توثيق. وما زلت انتظر هذا اللقاء.
كان في ذهني أن اكتب، حول مسألة أخرى. كنت أريد أن اكتب عن "الأغنية السودانية" من زاوية تسجيلها لوجدان الناس، خاصة في هذه اللحظات المفصلية في تاريخنا. الذي أوحى لي بهذه الفكرة، أغنية تلقيتها، ربما مثل كثيرين عبر البريد الاليكتروني لمطرب أثيوبي شاب يترنم، ولا أقول يغني، أغنية سودانية. أدى هذا الشاب الأغنية أداء شجياً بطبقات صوت مفعمة بالأفراح والأحزان في آن واحد، كأن شخصاً يريد أن يبكي ويبتسم في الوقت نفسه.
سأترك الأمر إلى الأسبوع المقبل.



عن"الأخبار السودانية"

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.