سأطرق الموضوع مباشرة. "مساعد رئيس الجمهورية" وقع اتفاقاً في أديس أبابا، مع "الحركة الشعبية" في الشمال حول الوضع في جنوب كردفان (منطقة جبل النوبة)، "رئيس الجمهورية" ألغى هذا الاتفاق.
ونسب إلى "رئيس الجمهورية" قوله إن حزب "المؤتمر الوطني" مستعد للحوار "مع قطاع الشمال (من الحركة الشعبية) عند تسجيلها أسوة ببقية القوى السياسية وفق قانون هيئة الأحزاب"، مشيراً إلى أن الترتيبات الأمنية بين الجانبين "يمكن مناقشتها من خلال اللجنة الأمنية المشتركة بين الوطني والحركة الشعبية الأم (أي في السودان الجنوبي) ولا حاجة لاتفاق وحوار حولها خارج اللجنة السياسية".
في حين تقول "الحركة الشعبية" في الشمال "إن موقف الرئيس يؤكد ما حملته وسائل الإعلام من أنه يقود التراجع عن اتفاق أديس أبابا الإطاري... في حين أن اتفاق وقف العدائيات سيفتح الباب واسعا للمساعدات الإنسانية لأكثر من 700 ألف نازح في جنوب كردفان، مع ذلك فإن الحكومة تتماطل، والأكثر من ذلك أن موقفه (رئيس الجمهورية) يؤدي إلى قفل الطريق أمام توقيع اتفاق وقف العدائيات".
ذات مرة، وكان ذلك قبل أربع سنوات، طرح عليّ أحد الدبلوماسيين الذي جاء من "الحركة الإسلامية" إلى الخارجية السودانية في نقاش من تلك النقاشات التي تتطرق إلى جوهر الأشياء، سؤالاً مفاده "كيف يستقيم عقلاً أن تقول إنك مع "الديمقراطية ودولة المؤسسات" في حين بقيت فترة تعمل مع "القيادة الشرعية" التي كانت جزءاً من "التجمع الوطني الديمقراطي" وتعمل على الاستيلاء على السلطة بانقلاب؟
كان جوابي كالتالي: "لست حزبياً، ولم انتم طيلة حياتي لأي حزب، وهذا ليس انتقاصاً من الأحزاب، لذلك حين وجدت مجموعة من العسكريين يقولون إن هدفنا هو إعادة الحياة الديمقراطية إلى البلاد، وأنا أصلاً أعارض فكرة الانقلابات وفي اعتقادي أنها أسوأ اختيار لحسم الصراعات السياسية، لماذا لا أنضم إليهم؟ ثم أن دولة المؤسسات لا تعني في اعتقادي أن الأعلى يلغي قرار الأدنى، هذا يصلح في الجيوش، وليس في مؤسسات الدول الديمقراطية، في دولة المؤسسات عندما يصدر القرار يصبح ملزماً، أقلية تحترم رأي الأغلبية، وأغلبية تراعي موقف الأقلية".
ثم تشعب الحديث، على طريقة السودانيين في النقاش، يطرحون فكرة، ثم يقفزون إلى أخرى لا علاقة لها بالفكرة الأولى، يناقشون ليس من أجل فهم الآخر، بل لدحض ما يقول. لذلك من النادر أن تجد من يوافقك الرأي إذا أنطلق النقاش من اختلاف. وإذا بقيت مدافعاً عن رأيك، يقال إنك، متشدد. وفي حال إذا وافقت على رأي من تتجادل معه، فإن جميع مواقفك، ستبقى قابلة للتسفيه.
أقول الآن في "دولة المؤسسات" إذا قلت إنك تعارض هذه السياسة، أو هذا القرار، يفترض أن يكون ذلك أمراً طبيعياً ومقبولاً، ولا يجوز، عقلاً ومنطقاً، اعتباره خروجاً على التقاليد يستدعي العتاب، أو جريمة تستحق العقاب. لكن في خارج "دولة المؤسسات" فإن كل ما يقال ضد موقف "الحاكم" خط أحمر، غير مسموح به.
ملابسات ما حدث في أديس أبابا، مردها إلى ثلاثة أسباب:
غياب دولة المؤسسات، بحيث يلغي "رئيس الجمهورية" توقيع مساعده.
ثم حق الناس، كل الناس، في مناقشة قرار" التوقيع" وأسباب "الإلغاء".
والأمر الثالث، هو ما جاء في تصريحات "رئيس الجمهورية" من أن "الحركة الشعبية في الشمال" ليس حزباً تنطبق عليه قوانين الأحزاب الشمالية، وبالتالي، عليه أولاً أن يسجل نفسه.
وهذا أمر لا معنى له في السياسة. ذات يوم ذات سنة، قررت "الجمعية التأسيسية" عدم مشروعية "الحزب الشيوعي السوداني" وكان القرار هو "حل ذلك الحزب وطرد نوابه من الجمعية التأسيسية"، وكانت النتيجة، أن بعض المحسوبين على الشيوعيين قرروا الاستيلاء على السلطة، و"حل جميع الأحزاب".
كان الأمر في عمقه هو الاعتقاد أنه بالإمكان حل صراع سياسي في المرة الأولى عبر أغلبية برلمانية، وفي المرة الثانية الاستعانة بنظام شمولي لإلغاء الآخرين. وفي المرتين، كان حلاً بئيساً. إذ بقي "الحزب الشيوعي السوداني" على الرغم من طرد نوابه من "الجمعية التأسيسية"، وظلت "الأحزاب" متجذرة ضداً على قرارات "مجلس قيادة الثورة"، كما استمرت في سنوات "الإنقاذ" على الرغم من اجتهادات "الإسلاميين".
الآن نعود إلى الواقع، إن ما يحدث في جنوب كردفان، ليس أمراً هيناً. هناك حرب، وقتلى، وجرحى، ولاجئون، ونازحون، ومآسٍ. وفي الحروب عادة، عندما يسقط الأبرياء والعزل بسبب القتال، ليس مهماً أن نسأل من أطلق الطلقة الأولى؟ ومن أخطأ؟ ومن الذي أصاب؟ لكن الأهم هو كيف يمكن إيقاف الحرب نفسها.
أعود الآن إلى ما وقعه "مساعد رئيس الجمهورية" وإلى موقف "رئيس الجمهورية".
هناك ثلاثة احتمالات:
إما أن يكون "مساعد رئيس الجمهورية" وقع ما اتفق عليه، ولديه تفويض أن يفعل ذلك، وفي هذه الحالة، توقيعه ملزم لحكومته، وهنا على هذه الحكومة أن تلتزم بهذا التوقيع.
أو أن "مساعد رئيس الجمهورية" وقع على ما وقع عليه، وتجاوز التفويض الذي منح له، وفي هذه الحالة، عليه أن يتحمل مسؤولية ما أقدم عليه.
أو أن "رئيس الجمهورية" وجد أن الاتفاق غير مقبول، وبالتالي قرر أنه غير ملزم.
وفي الحالات الثلاث لابد أن يتحمل أحد الطرفين مسؤوليته.
قرأت الكثير الذي كتب حول هذا الموضوع، داخل السودان، واستمعت أيضاً، لأولئك الذين لا يكتبون، بسبب هامش الحرية المحدود، لكنهم يقولون في مجالسهم ما يظنون.
ويقيني أن الأمر في عمقه، هو غياب "دولة المؤسسات"، وفي ظل غياب هذه الدولة، الناس الذين يعنيهم الشأن العام، إما أن يكيلوا السباب، وهذا أمره سهل. أو يداهنون وهذه حكاية ممكنة، لمن يعتقد أنه غير قادر على المواجهة، والتزاحم في المجرى الخطر.
المطلوب الآن، هو إيقاف "القتال" الدائر في جبال النوبة. الحروب الأهلية ليس فيها "مجرمين" أو " قديسين" بل فيها ضحايا.
العنف لا يولد إلا العنف.
الحرب الأهلية "خطيئة إذا استمرت، وهي خاطئة، إذا ظن أحداً أنها يمكن أن تحسم صراعاً.
جربنا الاقتتال، والحروب، والصراعات، والأنظمة الشمولية.
ألا يحق لنا أن نحلم بالسلام ودولة المؤسسات.
تقول "دولة المؤسسات" أقول نعم. هذا هو القدر، هذا هو الخيار، وهذا هو الحل، أما الباقي فحرب ضد الطبيعة، ورهان على المجهول، لا بل على المستحيل.

عن "الأخبار" السودانية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.