في ظل تردي الأوضاع في بلادنا، لا أجد سوى التمني. ما يحدث على أرض الواقع سواء في جنوب كردفان أو في أبيي، أمر يدعو للأسى. عندما تقول الأمم المتحدة إن حوالي 146 ألف شخص ما بين أبيي ومنطقة جبال النوبة أصبحوا من النازحين، هذا ليس أمراً هيناً، هذا رقم مفزع ومفجع. عندما تقول منظمات الإغاثة إنها عاجزة عن نقل الغذاء والدواء لمئات الآلاف في جنوب كردفان، هذه جريمة إنسانية.
لذلك ما أتمناه أن يصل طرفا هذا النزاع إلى تسوية. هناك إشارات إلى أنهما سيتفاوضان. ليتهم يفعلوا. ليتهم يفعلوا.
المعلومات المتوفرة تفيد أن الضغوط الدولية والإقليمية ستؤدي إلى اتفاق لوقف القتال في جنوب كردفان وأبيي، أي طبقاً للمصطلح الجديد الذي ابتكرناه منذ سنوات "وقف العدائيات". ليت ذلك يحدث. ليته يحدث الآن. هذا ما نتمناه. نتمناه أن يحدث اليوم، قبل الغد. أقولها وسأبقى أكررها: الحروب لم تقدم حلاً لأية مشكلة في التاريخ.
لا يتذكر ناس هذا السودان وقتاً كانت فيه البلاد تواجه في نفس الوقت مثل هذه المجموعة من المشاكل المستعصية، وقطعاً ليس هناك ما هو أسوأ بالنسبة لبلد من أن يستيقظ سكانه كل صباح ويتساءلون بشيء من القلق والألم أين ستنفجر من جديد؟ لأن بؤر التوتر في كل مكان. واللجوء إلى السلاح أضحى ظاهرة. كنا حين نسمع بحروب قارتنا الأفريقية، نقول يا لهم من تعساء. الآن هؤلاء التعساء من رواندا إلى أثيوبيا هم الذين يهرعون إلى بلادنا لحفظ السلام.
لذلك، ما أتمناه أن يصل النظام الحاكم في الخرطوم، والحركة الشعبية، إلى اتفاق. أي اتفاق. المهم أن نضع حداً لهذه الحلقة الجهنمية.
في هذه المرحلة، كل اتفاق مهما كان سيئاً يصبح جيداً إذا قبله الطرفان، وكل اتفاق مهما كان جيداً يصبح سيئاً حين يختلف حوله الطرفان. ويبدو لي في حقيقة الأمر أن جميع الاتفاقات التي تمت بين الطرفين ومنذ "نيفاشا" يوقعها كل طرف وفي ذهنه قولة كان قالها الرئيس السوفياتي جوزيف ستالين "سأوقع اتفاقاً ورغبتي الحقيقية هي تمزيقه في أقرب وقت". الآن السيناريو المرجح، هو أننا وعلى الرغم من كل الحديث عن "السيادة والكرامة الوطنية" سننتظر "قوات أثيوبية لحفظ السلام" في مناطق الحرب الجديدة، أي في أبيي وجنوب كردفان. المؤكد أننا نتمنى انتشار هذه القوات بأسرع ما يمكن.
وعلى الرغم من كل ما يقال حول رفض "الترهيب الأمريكي ومقاومة أية هيمنة" فإن هذا الحل، أي الانتشار الأثيوبي في أبيي، وجنوب كردفان، هو سيناريو أمريكي، "باركته" هيلاري كلينتون وزير الخارجية الأمريكية، في أديس أبابا. وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما استبق ذلك بقوله في رسالته المسجلة والموجهة إلينا، والتي بثت عبر إذاعة "صوت أمريكا" إنه "لا يوجد حل عسكري" وزاد "يجب على قادة السودان وجنوب السودان أن يرتقوا إلى مستوى مسؤولياتهم"، ووجه كلاماً مباشراً للنظام في الخرطوم قال فيه "يجب على الحكومة السودانية مزيداً من التصعيد لهذه الأزمة بوقف عملياتها العسكرية فوراً، ويشمل ذلك القصف الجوي، والتشريد القسري وحملات الترويع".
المعلومات المتوفرة، وهي معلومات مؤكدة، أن أوباما اجتمع مطولاً مع مبعوثه الشخصي برنستون ليمان في البيت الأبيض، وأن المبعوث الأمريكي سيزور المنطقة من أجل تطبيق اقتراح الانتشار الأثيوبي. والمعلومات تشير أيضاً إلى أن واشنطن ستمول جزئياً أو كلياً قوات حفظ السلام الأثيوبية.
ثمة تصريحات أدلى بها ليمان قبل أن يصل إلى المنطقة قال فيها بالحرف "يبدو أن الحكومة في الخرطوم اتخذت طريقة عسكرية استباقية لمعالجة الوضع، ربما يعتقدون أن ذلك سيمنحهم بعض المزايا في المفاوضات، وذلك بالاستيلاء على أبيي وإرسال قوات إلى جنوب كردفان، لا أعرف لماذا اختارت خلال الأسابيع الأخيرة هذه السياسة، لكنها تهدد كثيراً كل عملية التفاوض".
هكذا يبدو جلياً أن واشنطن تحمّل جزءاً كبيراً من المسؤولية للنظام الحاكم في الخرطوم. وهي بالطبع تشير في كل مرة إلى أن "خارطة الطريق لتطبيع العلاقات مع الخرطوم" ستتأثر بذلك. وحكومتنا ترد على ذلك بالشعارات، على غرار "حديث أوباما لن يرهبنا". هذا هو الكلام الذي يقال علناً، لكن ولأننا نفتقد لدولة مؤسسات، فإننا لا نعرف ماذا دار خلف الأبواب الموصدة في أديس أبابا، في محادثات كلينتون- نافع، كل ما نعرفه أن الضحكات كانت بادية للعيان، لا تخطئها عين رأت أو أذن سمعت. وهكذا يتضح أننا سنقبل في نهاية المطاف "حلاً أمريكياً" لوضع حد لحروب اللعنة، التي ما أن تهدأ في مكان حتى تندلع في مكان آخر.
وأعود إلى التمنيات، وأقول أياً كان مصدر الحل، فإنه قطعاً أفضل من إراقة الدماء والمآسي الإنسانية والمرارات التي تبقى في النفوس.
ليتهم يتفقون، كيف ما كانت صيغة الاتفاق.
ثم ما أتمناه فعلاً أن يحتفي الجنوبيون في جوبا بدولتهم الجديدة في التاسع من الشهر المقبل، في ظروف أفضل، وليس في ظل قعقعة السلاح وزخات الرصاص، ورائحة الموت والدمار.
أما في الخرطوم التي "ستحتفل" هي الأخرى، بعد أيام بذكرى مرور 22 سنة، على وصول "الإنقاذ" إلى الحكم، ما أتمناه هو أن يعيد قادة النظام قراءة ما سمعناه منهم في 30 يونيو عام 1989. ووقع اختياري على فقرة واحدة فقط من "البيان رقم واحد"، تقول هذه الفقرة "إن الشعب مسنود بانحياز قواته المسلحة قد أسس ديمقراطية بنضال ثورته في سبيل الوحدة والحرية، ولكن العبث السياسي قد أفشل التجربة الديمقراطية وأضاع الوحدة الوطنية بإثارة النعرات العنصرية والقبلية حتى حمل أبناء الوطن الواحد السلاح ضد إخوانهم في دارفور وجنوب كردفان علاوة على ما يجرى في الجنوب من مأساة وطنية وإنسانية".
هل قيل هذا الكلام ؟ نعم قيل. وقيل في "البيان رقم واحد".
كم هي مرهقة هذه الذاكرة.

عن "الأخبار" السودانية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.