Talha Gibriel Musa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
أليس محزناً أن يضطر صحافي في كل مرة، لاستعمال الأفكار نفسها، بل المصطلحات نفسها.
ما أن تفجرت في أبيي، حتى انفجرت في كادوقلي في جنوب كردفان، أي في مناطق جبال النوبة.
في الحالتين هي أكثر من حرب...إنها اللعنة.
إنها المأساة السودانية.
دعونا بداية نرتب الأمور ترتيباً منطقياً.
منذ توقيع اتفاقية نيفاشا المهلهلة قبل ست سنوات، كان واضحاً أن هناك ثلاث قضايا يمكن أن تؤدي إلى احتكاكات بين "السودان" و"السودان الجنوبي".
القضية الأولى، هي نقاط التوتر على الحدود، ويدخل في ذلك الوضع في أبيي، وجنوب كردفان، أي منطقة جبال النوبة، ثم جنوب النيل الأزرق.
القضية الثانية، تتمثل في مسألة الديون، التي ظلت تثقل كاهل البلاد، بسبب السياسات الخاطئة، والتدهور الاقتصادي المريع الذي بدأ منذ عهد جعفر نميري.
القضية الثالثة، هي وضعية الجنوبيين في الشمال، بعد انفصال دولة "السودان الجنوبي".
لنترك القضية الثانية والثالثة جانباً الآن، ونتحدث عن موضوع الحدود ونقاطه المتفجرة.
لن أعود إلى أبيي، إذ سبق أن تناولت هذا الأمر، لكن نتوقف عند الأوضاع التي تفجرت في جنوب كردفان.
المعلومات الموثقة تفيد أن الوضع انفجر هناك بتحريض من "الحركة الشعبية" والمسؤولية تقع على "حركة الشمال" و"حركة الجنوب" على حد سواء.
وهو وضع مماثل لما حدث في أبيي. وفي الحروب من المهم جداً أن نحدد من أطلق الطلقة الأولى. المنطق يقتضي ذلك، والموضوعية تحتم هذا المنحى. ثم أن هذه هي الحقيقة.
في الفيزياء، أي فعل له رد فعل يكون مضاداً له في الاتجاه ومساوٍ له في القوة. وفي حالة النظام في الخرطوم فإن ردود أفعاله مضادة في الاتجاه، لكنها تفرط في استعمال القوة. هذه أيضاً حقيقة.
مشكلة جنوب كردفان هي نتيجة طبيعية لانتخابات والي الولاية. انتخابات كان يعرف المرشحون، ويدرك الناخبون أن صناديق الاقتراع لن تحلها. وأثناء حملة انتخابية سمع الناس كلاماً يضع "صناديق الاقتراع" و"صناديق الذخيرة" على قدم المساواة، وكان ذلك تحميل انتخابات جزئية، وفي منطقة مشحونة، أكثر مما تحتمل.
ثم هل يمكن لنا أن نتغافل عن حقيقة، لم يعد أحد يذكرها في زحام البيانات والبيانات المضادة. وهي أن عدداً لا يستهان به من أبناء جبال النوبة، انضموا إلى ما كنا نسميه "حركة التمرد"، أي "الحركة الشعبية" بقيادة جون قرنق، وأن يوسف كوة مكي ابن المنطقة كان من قادة هذه الحركة البارزين. المؤكد أن هذه الحقيقة كانت تتطلب معالجة أكثر مرونة عندما حان وقت ما أطلقنا عليه "تطبيق اتفاقية السلام". ألم يكن جديراً التعامل بصدق مع ظلامات هذه المنطقة، التي كان أبناؤها حتى عندما يأتون إلى المدن، يضطرون إلى العمل في مهن تحط من كرامتهم.
ثم هناك مسألة في غاية الأهمية، إذ من الوهم الاعتقاد أن العملية الديمقراطية يمكن تجزئتها. نجربها في جنوب كردفان، ونتلكأ ونتملص منها في باقي أجزاء الوطن، وفي أفضل الأحوال نجعلها انتخابات "سباق حصان واحد" كما يقول المثل.
لذلك أطرح سؤالاً، على الرغم من أنه سيبدو سؤالاً متأخراً: هل كان ضرورياً أصلاً تنظيم انتخابات في جنوب كردفان؟ ألم يكن من الحكمة تأجيل هذه الانتخابات، على الأقل حتى نحتفل مع دولة "السودان الجنوبي" وهي ترفع أعلامها في التاسع من الشهر المقبل، ونخلق أجواء إيجابية، على غرار تلك الأجواء في الخمسينيات، التي جعلت رئيس الحكومة وزعيم المعارضة يرفعان معاً على سارية "القصر الجمهوري" علم السودان؟
الناخبون عادة لا يذهبون إلى صناديق الاقتراع في ظل أجواء متوترة ومتفجرة، لأنه في هذه الحالة لا يصوت الناخب، بل يستعمل كأداة للاستقطاب، والرفع من درجة السخونة حتى تصل حد الغليان. وهذا ما حدث. إذ إن طرفين ذهبا إلى صناديق الاقتراع، وهما يقولان: لن نقبل بالنتيجة إذا منحت الفوز للطرف الآخر.
هذه ليس انتخابات، بل هي حالة تسخين تسبق الغليان المؤدي إلى الانفجار. وهذا ما حدث.
ألم يكن ممكناً التوصل إلى صيغة توافق وتراضٍ، دون صناديق اقتراع، حتى تبرأ جروح المنطقة، والبلد برمتها.
إضافة إلى ذلك، كانت المنافسة بين مرشحين، لكل منهما حيثياته التي تجعل موضوع القبول بنتائج التصويت، أي أن يتصل المنهزم بالمنتصر لتهنئته بالفوز كما يحدث في الديمقراطيات العريقة، أمر دونه بيض الأنوق، كما يقال.
لا أعرف أحمد هارون، الذي "فاز" لكن أعرف جيداً أن سجله ومنذ ايامه في دارفور لم يكن سجل من سيقبل الاحتكام لصناديق الاقتراع، إنه رجل قادم من الظلال والعتمة.
الحروب لها رجالها، والسلام له رجاله، والديمقراطية أيضاً لها رجالها.
في الجانب الآخر، أعرف جيداً عبد العزيز آدم الحلو، إذ التقيته عدة مرات، وسمعته يكرر مراراً أن التمرد الذي حدث في عدة مناطق في البلاد كان سببه "هيمنة المركز وإهمال الأقاليم" ويقول أيضاً إن "انفصال الجنوب أو منطقة جبال النوبة لن يحل مشاكل البلاد لأن الجرثومة ستنتقل إلى الشمال". وهو يعتقد أن "المعركة" ستستمر بين دعاة "السودان القديم" و"السودان الجديد" حتى بعد انفصال الجنوب. هذا حديث لا علاقة له إطلاقاً، بالقبول بقواعد اللعبة الديمقراطية.
الآن كيف تبدو الصورة؟
منظمات الإغاثة تقول إن 146 ألف شخص، نزحوا عن منطقة جنوب كردفان. وبعض التقديرات الأممية تقول إن 40 ألف هو عدد النازحين. في الحالتين الأرقام مفجعة. إذ كان الناس ينتظرون السلام والاستقرار، لكن ذلك لم يحدث. القتال مستعر هناك، والانتهاكات بلا حصر.
أورد فقرة واحدة فقط من تقرير وزعته منظمة العفو الدولية (امنستي)، تقول هذه الفقرة "شخص هرب من كادوقلي ووصل إلى الخرطوم، أبلغ امنستي: عقب خروجي من كادوقلي شاهدت آلاف الناس باتجاه معسكر الأمم المتحدة (إشارة إلى القوات الأممية) لم يكن لديهم أكل أو ماء". آلاف يهربون ليس بدون متاع، بل بلا شربة ماء، أو ما يسد الرمق.
ومع ذلك يطالب كل طرف بمحاكمة الطرف الآخر لأنه يرتكب جرائم حرب.
أختم فأقول: إن العتمة تتسرب إلى القلب، بسبب ما يحدث في الوطن. وطن يندفع إلى ليل طويل بهيم.
إنه يتخبط في اللعنة.

عن"الأخبار السودانية"
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.