عندما اعتُقل الدكتور حسن الترابي في يناير الماضي كتبت مقالاً، لحسن الحظ أنه نشر في الخرطوم، أقول فيه كلاماً واضحاً تنديداً بذلك الإجراء.
كان ذلك القرار، أي قرار الاعتقال، في اعتقادي خطوة غير مفهومة وغير مبررة وغير مقبولة. وختمت المقال بعبارة وردت كالتالي "الحرية لنا ولغيرنا، والديمقراطية لنا ولغيرنا، ولن أحيد عن هذا الموقف حتى لو بقيت وحدي أقولها".
وبعد أشهر بقي فيها الدكتور الترابي في السجن دون محاكمة بل دون تهمة محددة، كُتب كلام كثير وقيل أيضاً الكثير.
قرأت بعض ما كُتب، وسمعت بعض ما قيل، لكن لم أكن أرغب أن أقول شيئاً، وفي ظني أنني كتبت وقلت ما فيه الكفاية. وكان أن أطلق سراح الدكتور الترابي، دون أن يقال للناس لماذا اعتُقل، ولماذا أطلق سراحه، وهو أمر اعتدنا عليه.
في الأسبوع الماضي وجدت أننا، نقترب من لحظات فاصلة في تاريخنا، والزمن يطوي أيامه باتجاه التاسع من يوليو، حيث ستصبح دولة " السودان الجنوبي" واقعاً، تاريخاً وجغرافية. لذلك وجدت من المناسب كتابة سلسلة مقالات حول هذا الحدث الفاصل. كتابات مشحونة بكل أسباب الأمل والقلق. لأن ذلك هو الواقع الذي نراه أمامنا.
أمل، في أن يتحول الجوار بين " السودان" و" السودان الجنوبي" الى حالة تعايش ، تشبه حالة انفصال أوربي حدث في تشيكوسلفاكيا، عندما مضى " التشيك" و"السولفاك"، كل الى حال سبيله، في ما وصف بأنه " الطلاق الحريري".
وقلق، حتى لأن نجد أنفسنا أمام الحالة اليوغسلافية، حين تفتت دولة جوزيف بروز تيتو، عبر حروب مريرة الى سبع دول.
كنت وما زلت أتمنى أن نعيش في التاسع من يوليو، لحظات نتركها تغوص في أعماقنا، وليس لحظة لا يرتفع ثقلها عن المشهد " السوداني".
بيد أنني ارتأيت قطع هذه السلسلة من المقالات، والتوقف عند تصريحات أدلى بها الدكتور حسن الترابي ، نشرتها صحيفة " حريات" الإلكترونية، وتناقلتها عنها صحف ومواقع سودانية.
وقبل الخوض في تفاصيل ما قاله الدكتور الترابي، لاحظت أن الرجل، وكنت التقيته مرتين الأولى في فاس ويشغل وقتها منصباً رفيعاً في نظام جعفر نميري والثانية في الخرطوم بعد انتفاضة ابريل، لديه هاجس مستمر ورغبة تعبر عن نفسها بوضوح، في تمديد دوره، لذلك فهو على استعداد للالتفاف حول الحقائق بظن قدرته على البقاء بذاته وصفاته سواء كانت أسباب استدعائه قائمة أو انتهت، وذلك مطلب عسير والطريق اليه شائك في الغالب.
ثم أنه سياسي غامض، متعب لخصومه وأصدقائه على السواء، خصومه لا يعرفون بالضبط ماذا يخطط، وأصدقاؤه لا يعرفون كيف يدافعون عنه. ولاحظت أن لديه ميلاً واضحاً لإثبات صواب رأيه مع حرص على تسفيه آراء الآخرين. لذلك يصل طموحه إلى أبعد الحدود وإلى درجة لا ترحم.
تحدث الدكتور الترابي في تصريحاته، عن بن لادن والقرضاوي والغنوشي، وبصراحة هؤلاء لا يعنيني أمرهم، ولا تهمني مواقفهم. إذ ما يهمني هو بلدي، وهذا الشعب العظيم الذي انتمي اليه.
يقول الدكتور الترابي في تصريحاته، التي أدلى بها بعد فترة قصيرة جداً عقب خروجه من السجن، في معرض شرح أسباب اعتقاله "ربما السبب هو الكلام الذي كان مع قوى الإجماع في آخر اجتماع في دار حزب الأمة حيث أتت اللجنة بمقترح، وقلنا ينفذ وينظم هيكل تنظيمي للقواعد في الأقاليم فهذه المرة الثورة ستكون قومية وليست خرطومية مثل أكتوبر وتحتاج تكاليف كثيرة، ولا بد من التنظيم ويقوم الجميع بها وقلنا إن هذه المجموعة معرضة للاعتقالات فلا بد من أخذ الحذر".
نستنتج من هذا الكلام، الذي نقلته نصاً، على الرغم من بعض الالتباسات ربما في النص او في الصياغة، أن اعتقال الدكتور الترابي، تم لأنه طرح في لقاء سياسي أفكاره حول"الثورة".
نفهم من ذلك أن الرجل بات يعتقد الآن أنه لابد من "ثورة شعبية في العاصمة والأقاليم لها هياكل تنظيمية".
حسناً إذن الدكتور الترابي، أضحى يعتقد أن "الثورة الشعبية" مطلوبة. من أجل ماذا إذن تأتي هذه "الثورة" ؟ من سياق الحديث خاصة الإشارة الى ثورة أكتوبر، نستنتج أنها ثورة من أجل الديمقراطية والتعددية ودولة مؤسسات، أليس كذلك؟
طيب يا رعاك الله، لماذا انقلبت انت على التجربة الديمقراطية عام 1989، وذهبت الى "السجن" تمويهاً وخداعاً لهذا الشعب التي تريده أن يستفيد من أخطاء تجربة أكتوبر؟
وعندما تحالفت القوى السياسية التي تجتمع معها الآن، وكانت تعمل وقتها من أجل الثورة الشعبية في "التجمع الوطني الديمقراطي" ألم تقل يومها إن تنظيم انتفاضة ضد الحكم هي"أحلام يقظة... والناس ترفض حكم البيوتات" هل تعتقد يا دكتور أن الناس ذاكرتهم خربة الى هذا الحد؟ ربما لسوء حظك، هناك من يسجل ويوثق.
ثم على مستوى حقائق الأشياء تقول إن "اكتوبر كانت خرطومية" ليس ذلك صحيحاً على الإطلاق يا دكتور، وكثيرون من الذين عاشوا تلك التجربة الرائعة أحياء يرزقون.
كانت " أكتوبر" في مدني، والأبيض، وعطبرة ، وكسلا، وكوستي وغيرها من المدن. إذ لم يسقط قط من ذاكرة الناس ما حدث خلال أيام أكتوبر المجيدة، على سبيل المثال، موقف عمال السكة حديد في عطبرة، وتحركات المزارعين في مدني، وما جرى في مظاهرات الأبيض، وواقعة قطار كسلا الشهير.
في جزء آخر من الحوار يقول الدكتور الترابي" النظام في السودان نعرفه من الداخل منذ القدم مهيئ نفسه لاستعدادات لحماية نفسه بالقوات المسلحة والأمن والشرطة... ولكن هذه الأنظمة حينما تنهار وتتداعى يحدث ذلك بدون تخطيط،اكتوبر لم نخطط لها ".
هنا نلاحظ أن الرجل وضع نفسه في موقع العارف بكل شيء، المدرك لكل شيء، والذي يتوقع كل شيء.
وكنت آمل أن يبادر الدكتور الترابي، ولو لمرة واحدة بنقد ذاتي، يقول لنا فيه أين أخطأ وأين أصاب؟ لكن أن يتحول من التخطيط للانقلابات، الى التخطيط للثورات، ذلك قطعاً أمر غريب، ويدخل في إطار اللامعقول. وإذا كان يقصد بعبارة "أكتوبر لم نخطط لها" الشعب السوداني، ربما نقبل التحليل على علاته لانه ليس ناطقاً باسم هذا الشعب، وإذا كان يقصد نفسه وجماعته، فإن ذلك تبخيس لمقدرات شعب قد تصل الى حد الإهانة.
ثم يقول الدكتور الترابي "هذا النظام السلطة فتنته... ولو رأى ضغوطاً يعمل إصلاحات لتهدئة الناس، أي يعالج الأعراض ولا يعالج القضية لكن الشعب تجاوزه ، الشعب يريد إسقاط النظام ولا يريد أن يحاور كما في اليمن".
لكن الدكتور الترابي كان جزءاً من هذا النظام، وهو الذي جاء به. وإذا كانت "الإنقاذ ثورة أكلت آباءها " كما قيل، فهذا شأن لا علاقة للشعب السوداني به. وإلا ماذا يقول في هؤلاء الذين قالوا، منذ البداية وحتى الآن، إن طبيعة السودانيين وتركيبتهم التعددية، وتسامحهم لا يتسق وفكرة الأنظمة الشمولية، وهي في كل تجاربنا لم تحقق شيئاً. لأنها أنظمة تعتمد على فكرة " نحن نفكر نيابة عنكم ونحكم لأننا الأصلح لكم" ثم لا نلبث أن نجد أنفسنا، مع هذه الأنظمة الشمولية، نغوص في الفساد ودوامة البطش.
السياسيون عندما تفشل مشاريعهم ينسحبون بهدوء، لكن لا يلتفوا حول الحقائق بظن قدرتهم على البقاء في جميع الأوقات. ذلك أن السياسة ليست مهنة بل هي دور، يستمر السياسي إذا قبل الناس باستمراره. وليس أسوأ من رجل يهتم بالشأن العام، يرضى أن يكون حاضراً في كل الأزمنة.
في فقرة أخرى من الحوار يقول الدكتور الترابي" إذا قامت الثورة في السودان فإن همي ليس النظام فقط بل أن تكون منظومة في قيامها تهدم الباطل وتتجاوزه الى أن تبني حقاً، وخوفي الا تبني حقاً في السودان فهناك شعوب وقبائل ولغات مختلفة".
هنا يتجاوز الدكتور الترابي الدور المفترض لسياسي يرغب الآن المشاركة في" ثورة شعبية" بل ويخطط لها، إذ أنه يريد أن يحدد للثورة أهدافاً وغايات، ويتوقع مسبقاً فشلها بسبب الثقافات المختلفة لناس هذا الوطن.
إذا لم تكن هذه نرجسية طاغية، طافحة، ماذا نسميها.
وأختم بهذا المقطع من الحوار، إذ أنا صحافي، يهمني رأي الدكتور الترابي في الصحافيين، يقول الرجل "هناك صحف يوقفوها ومحررو صحف مشغولون بالمال فقط والإعلانات، ويخافون من السلطة ، أعداد هائلة من الصحفيين الآن يخافون".
هكذا يختزل الدكتور الترابي الأمر. لهذا السبب يا دكتور، حرصت أن يكون مدخلي في هذا المقال، ما كتبته شخصياً بعد اعتقالكم التعسفي، ولهذا السبب تجادلت معكم في إذاعة " بي بي سي" في بث مباشر، وقلت لكم بالحرف" الديمقراطية لا يحرص عليها إلا الديمقراطيون".
في ظني أن الحكم على أي سياسي وقيمته تتأتى ويكون الحكم عليها بالأهداف العامة التي يسعى لتحقيقها، وبمقدار ما يضيف من جهد ينجح وينفع الناس .
وأعتقد الا أحد يمكن أن يلومنا، لأننا نعود الى التاريخ ليكون شاهداً، ذلك ان التاريخ لا يمكن ان يكتب في كل مرة برواية مختلفة. لذلك أكررها، من دبر انقلاباً على الديمقراطية لا يمكن على الإطلاق أن يتحول الى "مناضل من أجل الديمقراطية والحريات".
إن التاريخ يبقى دوماً هو التاريخ، يظهر كما يجب، ومتى يجب، وأين يجب.

عن"الاخبار" السودانية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.