في التاسع من يوليو المقبل سترفرف راية "السودان الجنوبي".
شهران بيننا وبين هذا الحدث الذي كرسه واقع لا يمكن تغييره الآن، بل بات ذلك في عداد المستحيلات.
ستكون للحدث انعكاسات كبيرة علينا في "السودان" الذي تشبثنا باسمه دون أي مبرر أو معنى.
في الواقع وهذا ما سأركز عليه، كيف سيكون حالنا بعد التاسع من يوليو؟
قبل ذلك لابد من التوقف عند مسألة، لم أجد لها، وبكل صراحة، توصيفاً ويصعب فهمها، خصوصاً إذا عرفنا من هو القائل، وما هي المناسبة.
وفي كل مرة أحاول أن أجد تفسيراً لهذه المواقف المتناقضة، يتعذر ذلك. وحتى عندما سألت من هم في مواقع المسؤولية، ويمكن القول إنهم في دائرة صنع القرار، لم اعثر على جواب شاف، بل هناك من قال لي بالحرف "لا تحاول أن تفهم ما يجري، من خلال قراءة الخطب والتصريحات التي تقال هنا وهناك لأن ما يقال ليس بالضرورة هو السياسة التي تتبع". هذا الرجل يقول بكلام آخر، إن كل ما يقال لا قيمة له في ميزان "السياسة الحقيقية للنظام ".
سأعود إلى واقعتين لأشرح أكثر ما أعني.
في ديسمبر الماضي كنت في الخرطوم، أحاول قدر الإمكان أن أشاهد وأسمع. بقيت هناك أياماً أسعى للفصل بين مشاعر "المواطن" ودور "الصحافي".
كان من الخطابات التي لفتت انتباهي، الخطاب الذي ألقاه "رئيس الجمهورية" في جوبا، يومها سمعت كلاماً ايجابياً مفاده أن الشمال أول من سيعترف بالجنوب إذا ما اختار الجنوبيون الانفصال، ليس ذلك فحسب، بل إن الشمال سيعمل على مساعدة الجنوبيين لبناء دولتهم. وفي أبريل الماضي في مدينة الفولة قال "رئيس الجمهورية" إنه لن يعترف بجنوب السودان كدولة مستقلة إذا حاول الجنوب ضم منطقة أبيي الحدودية المتنازع عليها، وأكثر من ذلك لوح بإمكانية شن الحرب من جديد.
سأطرح سؤالاً مباشراً: عندما قلنا إننا سنكون أول دولة تعترف بالجنوب، بل سنعمل على مساعدة الجنوبيين على بناء الدولة الجديدة، هل كانت مشكلة أبيي قد حلت آنذاك؟
ربما يقال إن سبب "تصريحات وتلويحات الفولة" هو أن خارطة جديدة لدولة "السودان الجنوبي" باتت تضم أبيي، لذلك جاءت التلميحات والتصريحات للرد على هذه الخارطة.
في اعتقادي أن هذا الأمر كان يمكن معالجته بطرق أخرى، وهي بلا حصر، إما عن طريق الوسطاء الدوليين، وما أكثرهم، أو عبر الاتصال المباشر، والقنوات ما تزال مفتوحة، أو على الأقل عبر موقف يعلنه وزير أو مسؤول أقل درجة.
لكن أن يتم الرد في خضم معركة انتخابية، كانت ملتهبة بحيث تجاوزت التلاسن وبلغت درجة الاحتكاك بل التوتر، فإن الزمان والمكان ليس مناسباً على الإطلاق. وفي كل الأحوال "تلويحات الحرب" ليست كلاماً يمكن أن يقال على عواهنه، وهي ليست قطعاً، كلام الحماس الذي يقال والمايكروفونات مفتوحة، والهتافات تتعالى، والأغاني تصدح. لأن ذلك الحديث عن "عدم الاعتراف وعودة الحرب" سرعان ما وجد طريقه إلى الخارج، وكانت له قراءات سلبية، إلى الحد الذي عنونت فيه مجلة واسعة التأثير مثل مجلة "تايم" الأمريكية مقالاً تحليلياً بعنوان "جبال النوبة على حافة الحرب"، وقالت المجلة في تقرير ليس محايداً أو نزيهاً تماماً، إن بقاء منطقة جبال النوبة ضمن الشمال بعد انفصال الجنوب، سيترك بؤرة توتر في الشمال، لأن قبائل جبال النوبة لن تقبل من جديد بهيمنة "المليشيات العربية" التي تسلحت خلال فترة الحرب بين الشمال والجنوب.
لكن ما قالته الأسبوعية الأمريكية يحمل توجهاً نحو إمكانية تأجيج الصراع. والمؤسف أننا نمنح لهؤلاء الراغبين في التأجيج دائماً الفرصة ليفعلوا ذلك.
وكان لافتاً أيضاً أنه في إطار رد فعل أمريكي تجاه "تصريحات الفولة" قال جوني كارسون مساعد وزيرة الخارجية لشؤون أفريقيا إن التصريحات "لا تؤدي سوى إلى تصعيد التوتر".
لكن لنترك موضوع "جبال النوبة" جانباً الآن وسأعود إليه تفصيلاً في وقت لاحق لكن ليس في هذا المقال، ونقف الآن عند قضية "أبيي" وأطرح سؤالاً لعل كثيرين في الشمال ودولة "السودان الجنوبي" يطرحونه، ومفاده ألا يمكن الوصول إلى حل لهذه المشكلة ينزع فتيل التوتر؟
الجواب، إن ذلك ممكن. ممكن لسبب بسيط، يقول إنه طوال التاريخ لم يحدث أن حلت أي حرب مشكلة.
إذا انطلقنا من هذه الفرضية وابتعدنا عن حديث "المايكروفونات  المفتوحة" سنجد أمامنا أربعة خيارات واضحة، علينا بكل مسؤولية اختيار واحد منها.
الاختيار الأول أن نقبل بحكم محكمة العدل الدولية، التي وضعت صيغة تقسيم للمنطقة، ربما تكون مجحفة لهذا الطرف أو ذاك، لكنها صيغة ستحظى قطعاً بقبول دولي، على الرغم من أن قرار المحكمة ليس ملزماً، لكن يمكننا أن نحمله إلى مجلس الأمن، ليصبح حكماً ملزماً على الرغم من الشعور ببعض الغبن من حيثياته.
الاختيار الثاني صيغة "الاستشارة الشعبية" لسكان المنطقة من مسيرية أو دينكا. ونحن نعرف جميعاً أنه كان من المقرر أن يجرى استفتاء أبيي في يناير، وهذا ما نصت عليه اتفاقية "نيفاشا"، استفتاء يحدد ما إذا كانت المنطقة ستنضم إلى الشمال أو الجنوب، لكن الخلافات حول من له حق التصويت، عرقلت الاستفتاء كما تعثرت محادثات أديس أبابا حول وضع المنطقة.
الخيار الثالث، أن يتمسك كل طرف بموقفه، وبالتالي اللجوء إلى الخيار الأسوأ، أي خيار "الحرب"، والتقارير الواردة من المنطقة، وهي تقارير أكدتها الأمم المتحدة، أن منطقة أبيي ستعيد إشعال الحرب بين الشمال والجنوب، وهناك صور التقطتها أقمار صناعية تفيد أن الجانبين حشدا قوات وأسلحة ثقيلة في أبيي.
الخيار الرابع أن يتفاوض "السودان" مع "السودان الجنوبي" بعد التاسع من يوليو حول أبيي، تفاوض حكومتين على قدم المساواة، وهو قطعاً سيكون تفاوضاً مختلفاً عن هذا الذي يجري الآن بين "المؤتمر الوطني" و"الحركة الشعبية". وفي تقديري أن هذا التفاوض سيكون أفضل الخيارات، بل يمكن أن يكون جزءاً من تفاوض على عدد من القضايا التي سيتركها قيام دولة "السودان الجنوبي" عالقة أو معلقة.
إن التاسع من يوليو، سيكون محطة فاصلة في تاريخ مليء بالدماء والدموع، والمؤكد أن تجاوز هذه الفترة لا يمكن إلا بوضع جميع الحساسيات جانباً، واقدر أنه لن يكون أمراً سهلاً، وذلك سيجعلنا نتطلع إلى مستقبل مغاير.
إذا كان التاريخ يذكر دائماً بالمآسي، فإن الجغرافيا، تظل باستمرار هي نقطة الالتقاء، التي تجسد التعايش. التاريخ يتغير، لكن الجغرافيا هي الثابت في هذا المتغير.
سيكون "السودان" قطعاً جاراً ملاصقاً لدولة "السودان الجنوبي"، لا أحد يستطيع تغيير هذه الحقيقة، والسياسة في ظني هي "علم الحقائق" غير القابلة للتغيير. لذلك نحن تحكمنا ظروف التعايش بعد التاسع من يوليو، وأية فرضية تقول عكس ذلك، ستسير في اتجاه مضاد للتاريخ والجغرافيا معاً.
وفي حالتنا علينا أن ننظر كثيراً إلى الجغرافيا، أما التاريخ فيجب أن يترك للكتب، لأنه بعد جيل أو جيلين لن يتذكر أحد من سودانيي "السودان" أو "السودان الجنوبي" الكثير، بل ربما لن يتذكروا شيئاً من "الحروب" و"الظلامات".
الحروب والظلامات لا يتذكر مرارتها إلا الذين عاشوا تفاصليها.
وبهذا المنطق لا يمكن أن يكون المستقبل مكبلاً بسلاسل الماضي.
ذلك لا يجوز لا منطقاً ولا أخلاقاً.


عن"الاخبار السودانية"
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.