قبل سقوط نظام الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وبالطريقة المهينة التي فر بها بعد أن حكم البلاد بقبضة أمنية مدة 23 سنة، التقيت مسؤولاً كبيراً في الخرطوم. كان لقاء ودياً مفتوحاً. ذهبت الى هناك صحافياً يريد أن يسمع ويفهم كيف يفكر أهل النظام، طرحت الكثير من الاسئلة، وسمعت أيضاً الكثير من الإجابات، وخرجت من عند الرجل متيقناً أن الكثير من أسئلتي بقيت هناك فوق الطاولة الى جانب كاسات الشاي التي شربنا منها ما تيسر في جلسة امتدت ساعات.
كان مما قاله الرجل في معرض شرحه لما حدث في يونيو 1989، إن "الإسلاميين" وجدوا أن انتظار تحقيق تنمية واستقرار في البلاد، لا يمكن أن يتم في ظل تجربة ديمقراطية متعثرة، على حد اعتقادهم، وأن "حقوق الانسان" تعني بالدرجة الاولى توفير الخدمات وتحسين ظروف وأحوال الناس الاجتماعية، وتنمية البلاد.
عقبت باقتضاب، وكان هناك شهود على ما قلت،" إذن انتم تحركتم وفي ذهنكم النموذج التونسي" الذي ارتكز على فكرة تقول " تنمية بدون حريات،هذا ما تحتاجه الدول النامية". واضفت " إن النظام التونسي يترنح الآن وربما يسقط"  قلت ذلك في الخرطوم و قبل 14 يوماً من فرار بن علي من بلاده، عندما اضطر الى جولة مهينة قبل أن تحط طائرته في مطار جدة.
تشعب الحديث مع المسؤول الكبير، وتم التطرق الى موضوع حرية الصحافة وتوفر المعلومات، وكان مما قاله ذلك المسؤول، إن معظم الصحافيين في السودان "لا يتعاملون مع المعلومات تعاملاً مسؤولاً".
دهشت لهذه الخلاصة ولم أعقب. لكن المسألة ظلت تلح على خاطري. ووجدت أن هناك رابطاً أكيداً بين سقوط نظام الرئيس التونسي بن علي وبين توفر الحريات ومسألة تدفق المعلومات, وبدا لي أن الأمر يحتاج الى نقاش مفتوح، وليس نقاشاً مغلقاً، لا أستطيع نشر كل ما دار فيه، لاعتبارات أخلاقية لأن المجالس بالامانات، أو أن ادفعه الى ظلال الذاكرة لاعتبارات سياسية، لذلك أخترت  منزلة بين المنزلتين.
ولنبدأ بمسالة حرية تدفق المعلومات.
بداية لنطرح السؤال ، لماذا تدفق المعلومات؟ وماذا نعني بتدفق المعلومات ؟ الجواب، نعني بتدفق المعلومات أن تكون متاحة للجميع ، بحيث لا يجوز التعامل مع المجتمعات وكأنها مجموعة من القاصرين على مستوى الفهم والادراك ، أو أن هذه المجتمعات لا تستحق هذا التدفق.
 بعض الناس يظنون أن المجتمعات في دولنا النامية ، وبسبب الجهل والأمية أو قلة الوعي، لا تستحق بل هي لا تكترث بالمعلومة، هذا بالضبط يماثل القول إن شعوب الدول النامية غير مؤهلة للديمقراطية والمشاركة في المؤسسات لانها قاصرة، وبالتالي فإن الأصلح هو التنمية في ظل نظام شمولي يهتم بالخدمات الأساسية وتطوير وتحديث البنيات الأساسية من طرق وجسور ومواصلات ، وأمامنا التجربة التونسية التي كانت تقول إن " الحقوق الأساسية للانسان هي حقه في التعليم والصحة والسكن ، أما الحريات فهذا ترف".
لكن ما هي النتيجة؟ النتيجة كانت أن شباباً تعلموا لكنهم لم يجدوا أمامهم سوى البطالة، أو في أفضل الظروف مهناً هامشية، كما حدث للشاب محمد البوعزيزي ، الذي درس الفيزياء ولم يكن أمامه سوى مهنة بائع متجول للخضر. لذلك أعتقد جازماً إن الشعوب لا تتعلم الديمقراطية الا إذا مارستها.
ثم لماذا تدفق المعلومات؟
أقول حتى نستطيع اتخاذ القرار الصحيح ، اذا كنا في موقع القرار، أو الفهم السليم إذا كنا خارج دائرة القرار. هنا لا أجد فرقاً بيد دور رجال المخابرات والاعلاميين. يفترض في أجهزة المخابرات ان تقدم المعلومة الصحيحة لصانع القرار، والاعلام دوره أن يقدم المعلومة الصحيحة للرأي العام.
بعض الأنظمة أعتقدت أن الاعلام هو الترفيه، لذلك سنلاحظ ان هناك الآن 698 قناة فضائية في العالم العربي ، تنقسم الى أربع مجموعات، قنوات تحريضية ودعوية أفضل نموذج لها هو "الجزيرة"، قنوات تهدف الى التعتيم والتدليس وهو ما حاولت تمارسه بغباء الفضائيات المصرية أثناء انتفاضة الشعب المصري، قنوات تشغل الناس بالأمور الهامشية مثل الطبخ والرقص ، ثم قنوات وجدت في الخطاب الديني ملاذا آمناً حتى لا تناقش القضايا الراهنة.
وهكذا أصبحت هذه الفضائيات، معطلة للوعي، وأجهزة تبليد تصب على الناس آلاف الساعات من البث الذي يجعل من القشور هي اللب.
الصحافة كما اراها هي حرية مناقشة صنع القرار، وتدفق المعلومات. لكن هذا الدور لا يجب أن يجعلها تظن في أية لحظة انها ايضاً تصنع القرار، وهذا الخلط هو الذي جعل بعض الصحافيين يعتقدون إنهم يمكن ان ينوبوا عن المجتمع والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، بل ذهب بعضهم بعيداً الى حد التجاسر ولعب دور "الاغتيال المعنوي للشخصيات"، وفي بعض الأحيان وربما في كثير من الأحيان بتشجيع مباشر أو مستتر، من مراكز قوى داخل السلطة نفسها، أو داخل المجتمع .
قلت وأقول وأردد دائماً إن هدف الصحافي من الكتابة ليس أن يقر حقاً أو ان يمحو باطلاً فذلك دور القديسين وليس دور الصحافيين، دور الصحافي نشر المعلومات .
على ضوء ذلك يطرح السؤال: هل يجوز للصحافي نشر اي معلومة؟ الجواب قطعاً لا إذا كانت هذه المعلومة يمكن أن تسبب الضرر والأذى المادي أو المعنوي لأفراد، هنا نأتي الى موضوع الاخلاق المهنية.
حتى يمكن تضييق هامش الضرر، على صناع القرار واجب اتاحة الفرصة للصحافي الوصول الى المعلومة الصحيحة، على ان يتعامل الصحافي بمسؤولية مع هذه المعلومة. مسؤولية على مستويين، الاول هو ألا يتعمد الأذى والضرر من وراء النشر، والثاني اتاحة المجال لجميع الأطراف ان تدلي بموقفها وتوضيحاتها ووجهة نظرها.
أي مجتمع لابد أن يحرص على تدفق المعلومات، لأن غياب المعلومة يمكن أن يؤدي ليس فقط الى اختلالات داخل هذا المجتمع، بل الى التفسخ وتفشي جميع أنواع الجرائم من الاختلاسات ونهب المال العام وحتى نصل الى خنق المعارضين وسحقهم  في الأقبية كما حدث في فترة " بيوت الأشباح " الكالحة التي أعترف بها النظام على أعلى المستويات.
وليس المطلوب فقط نشر المعلومة متى ما توفرت، بل المطلوب هو السعي نحو هذه المعلومة، حتى لو كان ذلك بتكلفة عالية.
ما حدث في مصر وتونس، كان في أحد جوانبه، هو غياب المعلومات، لان النظامين في تونس ومصر، اعتقدا أن دور وسائل الاعلام هو الدعاية، وليس تقديم المعلومات، وبالتالي لم يعد أحد يصدق أن وسائل الاعلام الرسمية يمكن أن تقدم له معلومات الا إذا تعلق الأمر باحوال الطقس أو حوادث المرور.
المعلومة هي التي تؤدي حتماً الى المعرفة، وهنا سيأتي دور المثقفين. وإذا كان الصحافي مطلوب منه نشر المعلومة الصحيحة على أوسع نطاق فإن دول المثقف توظيف هذه المعلومات من أجل نشر الوعي وسط الشرائح المستنيرة في المجتمع.
في ظني أن بلادنا تمر حالياً، وبسبب غياب تدفق المعلومات، وندرة " المعرفة" الى حالة من فقدان الثقة بالنفس واللامبالاة والإحباط استبدت بجماهير واسعة نتيجة إحساسها بأنها ليست فقط معزولة عن المشاركة في صنع القرار، وإنما هي معزولة أيضا عن المعلومات والوقائع المؤدية إليه،  وترتب على ذلك أن الجماهير أسلمت نفسها مضطرة لمصادر إعلامية خارجية. ولعل من المفارقات أنه كل ما طالبت هذه الجماهير خاصة أجيال الشباب بالمعلومات والمشاركة في صنع القرار ولو بمعرفة ما يجري، يقال للناس إن "تطويعكم" سيتم بتطبيق بالعودة الى التشريعات التي يعتقدون أنها إسلامية، ونسوا أن جعفر نميري عندما جرب كل شيء جاء بقوانين سبتمبر، فماذا كانت النتيجة.
عن"الاخبار السودانية"


Talha Gibriel [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]