ما حدث في مصر أن " الرئيس" سقط لكن النظام لم يسقط، أو على الأقل لم تتغير الأوضاع بالقدر الذي كأن يأمل فيه المصريون، ويجعلنا نطلق على ما حدث بانها " ثورة" على الرغم من كل زخم الكتابات والأحاديث التي تقال هنا وهناك. هي ولاشك "انتفاضة" رائعة قام بها شباب رائعون وأنضم إليهم بعد ذلك شرائح الشعب وصمدوا الى أن تحقق شعارهم: " أرحل".

ما يحدث في ليبيا أن "النظام" سقط بالفعل حتى وإن لم يسقط رئيسه، سقط وفقد أي مبرر لوجوده لانه أصلا ظل يفتقد لأي شرعية، عندما بلغ الجنون مداه وراح هذا النظام يقصف المتظاهرين بالطائرات، على اعتبار انهم "مخازن أسلحة". وهو ما يزال يكابر، على الرغم من أن التكلفة باهظة تماماً، والمجازر ترتكب والضحايا يسقطون، لكن ذلك لن يستمر، إذ أن منطق الأشياء هو الذي سيحكم على مسار الأحداث، وليس رغبة وأوهام "القائد الأممي".

ما يحدث في مصر وليبيا يهمنا بالتأكيد.

يهمنا لان هذا هو أهم جوار، من مجموع جيراننا، خاصة ان الدول التي تحيط بنا تقلصت الآن الى ست دول.

يهمنا لأن التغيير في مصر وليبيا هو بالتأكيد يسير نحو "الديمقراطية والتعددية السياسية ودولة المؤسسات".

يهنا لأن النظام في البلدين، لم يكن ليقبل مطلقاً تجربة ديمقراطية في السودان، أو تعددية سياسية حقيقية في بلادنا وحريات ودولة مؤسسات.

يهمنا لأن رياح الثورات والانتفاضات لاشك تتحرك شمالاً وجنوباً، وتحمل معها هبوبها أحياناً.

يهمنا لأنه إذا استقرت مصر وليبيا ، يعني ذلك أن مشاريع التعاون والتكامل الاقتصادي ستكون أكثر واقعية عندما تتم عبر المؤسسات.

بعض الناس ذهب بهم خيالهم بعيداً، ليقولوا بحسن نية بل وبصدق، إن بلادنا أيضاً يمكن أن تشهد أمراً مماثلاً لما حدث في مصر ويحدث في ليبيا. ومنذ البداية وعندما طرح علي هذا السؤال في أكثر من منبر، قلت "السودانيون لا يحتاجوا لاستنساخ تجارب الآخرين".

كنت أعني بوضوح إنني نعرف جيداً ماذا تعني" ثورة" وماذا تعني " انتفاضة"، وماذا تعني " مظاهرات" وماذا يعني " مواجهة الرصاص" ، و نعرف ماذا يعني " إضراب عام" أو " عصيان مدني"، ولا نحتاج الا استنساخ تجربة ما كيف ما كان حجم تقديرنا لها.

نحن نعرف كل هذا ومارسناه، وأسقطنا نظامين عندما اندفعت الجماهير نحو الشارع، لتسترد شرعية أغتصبت منها تحت جنح الظلام.

لذلك استغربت شخصياً وأنا أسمع الكاتب والصحافي محمد حسنين هيكل يقول " لأول مرة في تاريخ المنطقة يخرج حاكم بإرادة شعب ، ولأول مرة ينتزع شعب الشرعية ويطلب من الجيش ان يتولاها مؤقتاً" كان ذلك ما قاله هيكل، وهو قامة لها كل التقدير والاحترام،

لكن للأسف ما قاله لم يكن صحيحاً على الإطلاق.

ساشرح باقتضاب، إذ ليس هذا هو موضوعي.

عندما قلت إن الشعب المصري قام " بانتفاضة" وليس " ثورة" ، فلأنني أدرك ما هو الفرق بينهما. "الثورة" في القاموس السياسي عملية ضخمة تزيل نظاماً بأكمله وتقيم في مكانه نظاماً آخر له مواصفات مغايرة وسياسات مختلفة وله دستوره وقوانينه وشرعيته الثورية.

وبالتالي ما حدث عندنا في اكتوبر 1964، كانت " ثورة" حقيقية، أسقطت نظاماً وجاءت بنظام آخر. في "اكتوبر" انتزع الشعب السوداني السلطة عبر الشارع وسلمها الى حكومة مدنية، وطلب منها تنظيم انتخابات حرة خلال فترة امتدت بضعة اشهر، وكان ذلك ما حدث.

وفي ابريل 1985، كان ما حدث " انتفاضة" لأن الشعب انتزع السلطة بالفعل، لكنه سلمها الى من كان يومها قائد الجيش ووزير دفاع النظام المخلوع، وأعني الفريق عبدالرحمن سوار الذهب الذي ظل مع النظام المخلوع حتى رمقه الاخير، وهو بالضبط ما حدث في مصر أسقط المصريون"الرئيس" وارتضوا تسليم الشرعية الى حسين طنطاوي وزير الدفاع وقائد الجيش في ظل الرئيس المخلوع.

نعود الى أوضاعنا، وما يقال بان "الزلزال الديمقراطي" ربما يصل الينا. المؤكد نحن نتوق الى ديمقراطية وتعددية سياسية حقيقية، ونتوق الى دولة حريات ومؤسسات. هل توجد هذه "الدولة"كما يزعم أنصار النظام، بالتأكيد لا توجد الا إفتراضاً. يوجد لدينا الشكل وليس الجوهر.

جرت عندنا انتخابات تنافس فيها مرشحون، لكن كان الجميع يدرك أنه "سباق يجري فيه حصان واحد".

لدينا برلمان"انتخب" هو الآخر، لكن بضربة لازب قرروا نيابة عن الشعب السوداني المتعدد الأعراق والثقافات والمرجعيات السياسية "انتخاب" جميع أعضاء البرلمان من توجه سياسي واحد.

لدينا "حرية تعبير" لكن النظام هو الذي يحدد ما هو مسموح به وما هو ممنوع من التداول، ولمن يخالف التهم جاهزة من "مخالفة القوانين" الى "العمالة لجهات أجنبية".

لدينا "حرية صحافة" بحيث يمكن أن تصدر 20 يومية في بلد قاري مثل السودان لكن الصحيفة الأكثر توزيعاً لا تتجاوز 35 الف نسخة في اليوم، ثم تتعدد مصادر التمويل والمنبع واحد.

لدينا تكافوء فرص، لكنه تكافوء بين أصحاب شعار" ولادة ... ولادة" أما "الآخرون" فما عليهم إلا الانتظار، وحين لا نجد من " ابناء الحركة" من يتولى الوظيفة، عندئذٍ يمكن فتح المجال "للآخرين".

طبقاً لمنطق النظام لدينا كل شيء، لماذا اذن "الثورات" و" الانتفاضات".

ثم حدثت لدينا أغرب عملية يمكن أن تعرفها أية دولة من دول العالم الثالث. ذات يوم كانت كشوفات جميع الذين يعملون في الخدمة المدنية تذهب الى مجذوب الخليفة، ثم تعود منه بعد ان يقرر الرجل بجرة قلم ، فصل المئات. أي اننا قررنا تفريغ البلاد من نخبها ودفعهم للهجرة. كان الهاجس وقتها البحث عن "أصحاب الولاء".

الناس في الخارج تشتكي من بطء عمليات "تجديد النخب"أو "إهمال النخب" وفي بعض البلدان من "تدوير النخب" أي أن يتولى شخص ما أكثر من موقع، أو يتنقل ما بين المواقع، أما نحن فكان أن قررنا "طرد النخب".

نعود الى مصر وليبيا.

لماذا "سقط الرئيس" في مصر، وسقط " النظام" في ليبيا.

سقط الرئيس، لأنه تحول ببساطة الى ديكتاتور عبر صناديق الاقتراع، ثم ترك لأبنه إدارة البلاد، وأعتمد الابن على رجال الاعمال الفاسدين والأجهزة الأمنية، والصحافة المتملقة، وسقط النظام في ليبيا،لأن "جماهيرية العقيد" لم تترك مصيبة الا وفعلتها.

ما حدث في مصر وليبيا، كان في أحد جوانبه، هو غياب المعلومات،لان النظام في البلدين، اعتقد أن دور وسائل الاعلام، هو الدعاية، وليس تقديم المعلومات، وبالتالي لم يعد أحد يصدق أن وسائل الاعلام يمكن أن تقدم له معلومات الا إذا تعلق الأمر باحوال الطقس أو حوادث المرور. وفي حالتنا بالضبط لم يعد أحد يصدق ما يقال عبر وسائل الاعلام. وفي كل يوم تبرهن الوقائع والأحداث، إن "القول" يخالف "الفعل" ، وحين تصل الأمور الى هذا الحد، فهذا يعني ليس ازمة سياسية بل أزمة أخلاقية.

نحن وكما قلت لدينا تراث نضالي زاخر. لا نحتاج الى استنساخ تجارب الآخرين. لسنا نحن من يفعل ذلك.

لكن ما العمل؟هل سنظل ندور في الحلقة المفرغة؟

النظام يقول إن كل شيء على ما يرام. أحزاب المعارضة تتمنى، لكنها غير قادرة على الفعل.الشباب حائر وتائه.

إذن ما هو الحل؟

الأمور واضحة. الحل في دولة مؤسسات حقيقية، وفي ديمقراطية حقيقية، وفي حرية تعبير حقيقية، وفي تعددية سياسية حقيقية، وفي صحافة حقيقية تضمن تدفق المعلومات، وفي نقاش مفتوح دون تهديد أو وعيد. وفي دعوة النخب للمشاركة، وليس الضغط عليها لتبقى مهمشة داخل الوطن أو مهاجرة خارجه.

الحل موجود، فقط علينا أن نجربه.
Talha Gibriel [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]