2-2

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شارك في "ندوة الطيب صالح في الذاكرة" التي نظمت في إطار موسم أصيلة الثقافي، بشير صالح شقيق الطيب الوحيد، ومحمود عثمان صالح صديق الطيب خلال سنوات حرجة من حياة الرجل الطيب. والصحافي اللبناني عبدالوهاب بدرخان والكاتبة العراقية المقيمة في باريس إنعام كجي جي، والكاتب العراقي شاكر نوري، وحسن إبراهيم الصحافي السوداني في الجزيرة الانجليزية والداعي لكم بالخير. أدار الندوة  محمد بن عيسى وزير الخارجية المغربي السابق والامين العام لمنتدى أصيلة. ظل بن عيسى صديقاً وفياً للطيب. عندما القى كلمته في بداية الندوة، تأثر كثيراً وقفزت دمعة الى المآقي. تبادل الرجلان وداً بود. وبقى بن عيسى يخاطب الطيب مقيماً وراحلاً " سيدي الطيب".كان بن عيسى يتمنى أن يشارك أكبر عدد من السودانيين في الندوة، لكن غاب السودانيون كما ذكرت في الجزء الأول من هذا المقال. الملاحظ ان الرسميين السودانيين، غابوا عندما أطلقت أصيلة اسم الطيب صالح على أكبر مدينة في المدينة، وهي الحديقة التي صلي فيها الطيب كما قال بن عيسى صلاة عيد الأضحى قبل سنوات في الثمانينات، مع جموع المصلين من أهل البلدة.
وغاب الرسميون السودانيون عن " ندوة أصيلة في الذاكرة".
تفسيري لهذا الأمر بسيط.
"هؤلاء الناس" لا يحبون الطيب، ولا يمكنهم ذلك. ولا أزيد.
إقترح محمد بن عيسى إنشاء "جمعية الطيب صالح" ويكون مقرها في أصيلة للعناية بأعماله، ولتعنى كذلك بتشجيع البحث في المجال الأدبي وتنظيم ملتقيات وندوات ومحاضرات حول شخصية الطيب صالح. وأوضح بن عيسى أن الجمعية لن تكون بديلا عن "مركز الطيب صالح" الموجود في الخرطوم، لكنها ستكمل عمله. وقال بن عيسى إن الطيب صالح كان "إنسانا صافيا ولا يعرف الاختلاق حتى في التفاصيل الصغيرة في حياته". وتحدث بشير صالح، الشقيق الوحيد للطيب عن أن شقيقه كان نتاج لبلد متسامح، وكان "سودانياً في كل شيء، على الرغم من انه أمضي معظم حياته في بريطانيا".وقال إن الطيب ورث عادة حفظ الشعر وحكي القصص عن والدته، عائشة أحمد زكريا، في حين ورث عن والده التسامح والوسطية والتساهل. وقال إن نزعة الطيب صالح الصوفية كانت متجذرة ، وحبه لمساعدة الآخرين كان واضحاً في جميع تصرفاته. مشيراً الى أن الطيب صالح "لم يتخل يوماً عن سودانيته، على الرغم من أنه عاش في بلاد الإنجليز، حيث عاش في بلاد الإنجليز غريباً، ومات غريباً". وتطرق بشير صالح الى بيئة قرية "كرمكول" التي يتحدر منها الطيب صالح، وتحدث عن ظروف الدراسة  في السودان قبل عقود، حيث درس الطيب صالح الابتدائية في القرية قبل أن يسافر إلى بورتسودان لدراسة المرحلة الوسطى. وقال إن الطيب صالح كان طالباً ذكياً، والطلاب الأذكياء كانوا يحتلون مكانة مرموقة بين أهل المنطقة. وأشار إلى أن بيئة شمال السودان، حيث ولد الطيب صالح وترعرع، بيئة زراعية أضاف إليها النيل الكثير، وقال إن هذه البيئة هي التي شكلت العامل الأساسي الذي أوحي للطيب صالح بالكتابة.
وركز محمود صالح عثمان صالح  في ورقته الى خصال، الطيب صالح، وقال إن كثيرين استحضروا خصال الطيب وهو مقيم وبعد رحيله، ولا يمكن إن أضيف أكثر مما قالوا". وقال إن عظمة الطيب كانت تتجلى في "قدرته على التحدث وحكمته في الاستماع، واهتمامه وحبه باصدقائه" ووصفه بأنه كان شخصاً يفيض إنسانية " وقال محمود صالح أيضاً، في كلمته التي ألقاها بالانجليزية "إن كل من أقترب من الطيب كان لابد أن يحب إنساناً رائعاً أحب كل الناس".
وقال الإعلامي حسن إبراهيم إنه تعرف لأول مرة على الطيب صالح من حديث والديه عنه وعن أدبه، مشيراً الى أنه كانت تربطهما علاقة قوية بالحركة الاسلامية في السودان، وقال إنه  شاهد اول صورة الطيب صالح في البوم كان يوجد في بيته. وعبر حسن ابراهيم إن الطيب صالح لن يغيب أبداً، وان رحيله مجرد حادثة عابرة لأن مشروعه  الأدبي والفكري سيستمر. وقال إن كتاباته كانت مكثفة بشكل جميل مما جعله يشكل تحديا أمام الكثير من الكتاب.
وروت إنعام كجه جي عن لقاءاتها مع الطيب صالح في باريس، وقالت إنها لا تنسى مرة تناولت معه العشاء في مطعم باريسي، وكيف راح يشرح لها، وهي المقيمة في فرنسا، مزايا أكلة بحرية تتكون من القواقع ، والطريقة التي يمكن بها أكل تلك القواقع. مشيرة الى انه كان شخصاً متحضراً، يعرف آداب الاكل، وطريقة استعمال ادوات الأكل ويمكنه أن يلقي دروساً في هذا المجال. وتحدثت عن مزاياه كإنسان وكروائي وتواضعه الشديد وحبه للحياة، وقالت إنه ليس عبثا إن كان من نجوم "بي بي سي" بسبب صوته الرخيم والمميز الذي يجعلم تشعر بالرهبة. وقالت إنه كان شخصاً محباً للسفر ومخالطة أكبر عدد من الناس ، وقدرته على سبر اغوار البشر، مؤكدة أن روايات الطيب صالح  هي نتاج تجربة بشرية غنية جداً. وقالت إن اصدقائه  سيظلون يتذكرون إنساناً رائعاً. وقالت إنه تستطيع أن تتخيله الآن في الفردوس يجالس اناس طيبين مثله.
واعتبر الصحافي عبد الوهاب بدرخان، أنه لاحظ ذكرى الطيب صالح ما زالت قوية في أصيلة، وشدد على ضرورة متابعة تراثه ودراسة إمكانيات تخليد ذكراه بشكل علمي يفيد الأجيال المقبلة. وأضاف كان يمكننا أن نستفيد أكثر من الطيب صالح في مجال حبه للشعر العربي ونقل هذا الحب للآخرين، لأنه كان يكفي الاستماع للطيب ليتولد لدينا حب الشعر. وقال أن الطيب كان لديه هاجس محو الأمية، وتطوير التربية والاهتمام بالتنمية في العالم العربي.
وتحدث الكاتب شاكر نوري عن ذكريات جمعته مع الطيب صالح، وخاصة خلال الفترة التي كان يعمل خلالها في باريس، وأشار نوري إلى أن الطيب صالح كان يملك قدرة مذهلة على السخرية من بعض الوقائع.
كان الصامت الأكبر في الندوة هي جولي صالح، زوجة الطيب صالح. كان من المفترض أن تتحدث جولي عن " الطيب الزوج والأب" لكنها أعتذرت عن الحديث. قال لي" منذ البداية طلبت من محمد بن عيسى إعفائي عن الحديث، قراري ألا أتحدث، وهو أحترم رغبتي". لم اقتنع بوجهة نظرها، لكن لم الح عليها، لمعرفة سبب اختيارها الصمت.
ظلت جولي تستمع عبر الترجمة الفورية لكا الكلمات التي ألقيت خلال الندوة. ورفضت بعدها الحديث مع وسائل الاعلام. تلقت جولي وبشير صالح ومحمود عثمان صالح دعوة مبكرة من محمد بن عيسى لتمضية أسبوعاً في أصيلة. ويبدو انها استعادت ذكرياتها مع المدينة، بعد ان كانت زارتها من قبل اثناء تكريم الطيب صالح في عام 1994 .
أبلغت جولي إنني بصدد إصدار طبعة ثانية من كتاب" على الدرب مع الطيب صالح" وأني سأضيف بعض الأشياء التي رواها لي الطيب صالح. إضافة الى حوار امتد ساعات مع والدي في الرباط.وسعدت كثيراً أنها ابدت استعداداً لتزويدي بالصور التي أريدها في الطبعة الثانية.
وقالت أيضاً إنها زارت الخرطوم في نوفمبر من السنة الماضية، وهي زيارة أسمع بها لاول مرة، وانها زارت قبر الطيب صالح في مقابر البكري في امدرمان. واشارت الى أن بنات الطيب زينب وسميرة وسارة يعتزمن أيضاً زيارة السودان، لزيارة قبر والدهن.  فهمت منها ، وهي مسألة كنت أعرفها، أن الطيب رغب دائماً إبعاد أسرته عن الاضواء.
وكان يتضايق كثيراً، إذا وصلت الأمور الى الحديث عن أسرته.
وقالت جولي كذلك إن الطيب صالح عاد من آخر زيارة له الى السودان في ابريل عام 2005 "حزيناً ومكتئباً" وأن صحته ظلت تتدهور منذ ذلك الوقت. لكنها لم تعرف سبباً لحالة " الاكتئاب والحزن" هذه.
كان الطيب يرغب دائماً ان يمضي آخر سنوات العمر في السودان، لكن تلك الأمنية لم تتحقق. وعندما سمعت ذلك من جولي أنه عاد " حزيناً مكتبئاً" رويت لها كيف انه ظل يطلب مني وبالحاح ان أعود الى السودان، والا أبقى خارجه.
سألتني سؤالاً جاداً. وهل فعلاً ستعود؟
قلت جازماً: نعم.

عن " الأحداث"

مقالات سابقة
جميع المقالات السابقة والمنشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى يمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1