عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أكيد ان الانترنيت هو روح العصر ومذاقه. هو عصرنا هذا، اختصر نفسه في شبكة عنكبوتية.

هل الانترنيت كله فوائد؟ قطعاً لا .

لا تنزعجوا لا اريد أن أخوض في هذا الموضوع المتشعب. ساتطرق فقط الى واقعة طريفة ومقلقة في آن واحد. لكن قبل ذلك سأعود بكم سنوات الى الوراء.

في الصباحات الباكرة من تلك السنوات، كنا نقف في طابور الصباح في مدرسة "كريمة الصناعية الوسطى" في نظام وانتظام. لم يكن يضاف الى أسم المدرسة " بنين" كما هو شأن "المدرسة الاهلية الوسطى بنين" في كريمة، ببساطة لانه لم تكن هناك "مدرسة صناعية وسطى بنات".

كانت أهم لحظة في طابور الصباح، هي عندما يقف "استاذ فرج الله" ولم اعد اتذكر باقي الاسم، ينادي التلاميذ الذين ارسل لهم ذويهم جوابات (رسائل) عبر البريد. يقول التلميذ الذي يسمع اسمه: أفندم. ثم يتقدم الى حيث يقف "استاذ فرج الله" ويستلم " الجواب" ويعود مزهواً الى الصف.

لم أكن اتوقع في يوم من الايام رسالة. لان لا أحد سيرسل لي رسالة.

والدتي رحمها الله، دخلت المدرسة سنة واحد في قرية " الدبة" عندما كان والدها يعمل هناك، وما زلت اتذكر يوم راحت تحكي للطيب صالح عن تلك الفترة، وكان يستمع بكل جوارحه الى ما تقول. سنة واحدة في "مدرسة الدبة الابتدائية" لم تكن كافية لتلك السيدة المكافحة، التي قاتلت ليتعلم ابناءها وانا احدهم، لكي تكتب لي جوابات.

ووالدي ، أمد الله في عمره ومتعه صحة وعافية، درس في مدرسة مروي الابتدائية وتفوق الى حد انه قبل في كلية غردون ، لكن والدته أي جدتي، كما حكى لنا، منعته من السفر الى الخرطوم خشية ان "ينحرف". وهو لم يكن في عراكه مع هموم الحياة ومتاعبها ومشاغلها، سيفكر في كتابة رسالة لابنه في "كريمة الصناعية الوسطى".

كنت فعلاً اشعر بغبن. لان لا جوابات تصل، ولم يحدث أن سمعت أسمي ينادي به "استاذ فرج الله".

في تلك الايام كانت " البوستة" من أهم مرافق الخدمات في السودان. تعمل بدقة متناهية، والناس تثق فيها ثقة كبيرة الى درجة انهم كانوا يدسون بعض النقود الورقية في رسائلهم، ويضعونها في صناديق البريد باطمئنان. و تصل.

سقى الله تلك الايام.

تعاقبت سنوات. تغيرات أنظمة. اندلعت ثورات وخمدت اخرى. انهارت خدمات البريد في بلادنا، كما انهارت اشياء كثيرة. وكان إنهيار مرفقين من المرافق الخدماتية، أكبر مؤشر على الحالة التي وصلنا اليها، وهما السكك الحديدية والبريد.

في الغرب من أكثر المرافق التي تم الحفاظ عليها، الخدمات البريدية. هم يدركون أن هذه الخدمات إذا تعرضت لاية انتكاسة، سيعني ان الحياة برمتها ستتعقد. في امريكا، مرفق البريد من الوكالات الفيدرالية، والامريكيون يتعاملون في تفاصيل حياتهم عبر صندوق البريد المثبت امام منازلهم، أو في مدخل البنايات. كل شيء ياتي عبر هذا الصندوق ، من الرسائل التي وضعت بداخلها الفواتير، الى الطرود البريدية التي تحتوي على مشترياتهم عبر شبكة الانترنيت.

في بلدنا انهارت خدمات البريد تماماً، الى الحد الذي أصبحنا لا نعرف الى اية وزارة تتبع " البوستة". هل بقيت اصلاً " بوستة" ؟

الآن، لا أحد يكتب رسالة الى قريب أو صديق.

اختفت من حياتنا تلك العبارات التقليدية التي تقول " نتمنى ان يصلكم هذا الجواب ويجدكم جميعاً بخير وصحة وعافية. واذا سالتم عنا فحن جميعاً بخير وصحة وعافية ولا تنقصنا الا مشاهدتكم الغالية".وتلك التي تنقل الاخبار " نحن بخير وعلى خير، فقط عمتنا نفيسة، تشكو من آلام المفاصل. اسماعيل ذهب للدكتور وكتب له دواء وهو يشربه، ويشكو من انه مر مثل الحنظل. فاطمة حامل. خديجة ولدت ولد، وننتظر تلغراف من الحسين لنعرف ماذا سيطلق عليه. البلد حر شديد. ناس "القلعة" جميعاً يغرونكم السلام، ويطلبوا منكم ألا تقطعوا الجوابات لانها نصف المشاهدة. كتب هذا الجواب بعشر ويقول لكم ارسلوا لنا شوية منقة، ويطلب منكم الاحتفاظ بهذا الجواب فوق الدولاب الى أن يكبر".

ذلك زمان مضى.

الآن لا " بوستة" ولا "طوابع" ولا " تحياتنا الى ساعي البريد"، بل نقرات على لوحة مفاتيح، تكتب ما تشاء . ثم نقرة على العنوان المطلوب، وفي ثواني تطير الرسالة الى الشخص المقصود.

إنه الانترنيت. طوي أزمنة ومسافات، وجاء بثقافة تواصل جديدة. تكنلوجية لها لغتها المختزلة. عباراتها غالباً ما تكون جافة ، ليس في مذاق عبارات " الجوابات".

لكن في كل نعمة نقمة.

الانترنيت جعل من كل الناس" محررين" يمكن ان يكتبوا أخباراً وينشروا صوراً، ويدبجوا تعليقات. وجعل الصالح يختلط مع الطالح. ألغى الخصوصية. يمكن أن يمر اي شخص على اي موقع، ويكتب ما يريد دون قيود. راحت الكتابات تنهمر مثل المطر على مدار الثانية. كتابات فيها الغث و السمين. فيها الحقائق والاكاذيب ، فيها التنوير والتحوير. فيها " الأدب وقلة الادب" على حد تعبير صديقي مصطفى البطل الذي دخل به الى عش دبابير اهلنا " الشكرية".

من عجائب هذا الانترنيت، انه جعلني أصدر كتاباً لم أصدره ولم أطلع عليه.

الآن أوجز لكم الحكاية.

عندما غادرت امريكا ، بعد ان انتهت مهمتي هناك. أقترحت علي الصحيفة التي اعمل معها، اما الانتقال الى باكستان مسؤولاً عن آسيا، أو العودة الى المغرب العربي. كنت افضل الذهاب الى آسيا، إذ هي قارة لم يسبق لي العمل فيها، وهي تمور بالحوادث والأحداث. لكن الأبناء رغبوا في العودة الى" ديارهم" .

امتثلت.

قبل ان تتوارى وقائع سنوات حافلة في امريكا من الذاكرة. كتبت حلقات نشرت في هذه الصحيفة، بلغت 26 حلقة. لم يكن "كتاب سنواتي في امريكا" من الاولويات، إذ انني واستجابة لطلب من انسانة عزيزة على نفسي، انهمكت في كتاب اخترت له عنوان " حنين..200 كلمة خارج الصورة" .

كتاب اردت ان أمزج فيه بين " الاستطلاع " وهو احد اهم أجناس العمل الصحافي، وبين الكتابة الأدبية. كتاب بدأته حين كنت في واشنطن. قلت في مقدمته التي تشرح كل شيء. ظروف كتابته ومبرراته أي "اسباب النزول" باللغة الفقهية. هنا جزء من تلك المقدمة:

" بعد شهور وفصول في "الديار الاميركية" تباينت من الثلوج والصقيع والاعاصير، الى الصيف اللاهب والهجير، اكتشفت ذات يوم انني اعيش حياة صامتة حزينة وموجعة حتى لا أقول كئيبة، وحيداً خلف جدران شقة لا مؤنس فيها ولا صديق ولا قريب. هذا هو ايقاع الحياة ومذاقها في هذه الديار. كل شخص مشغول بنفسه ومهموم بتفاصيل حياته. هؤلاء الامريكيون لا يملكون لك سوى كلمة" هاي" واذا كانوا كرماء يقولون لك: "كيف حالك اليوم" ولا يكترثون للجواب. ذات مساء عدت الى حاسوب " الكلمات والصور" ، وجدت به المادة الخام لمشاريع كتب. لكن من بينها قفز هذا الكتاب. كتاب عرض نفسه من جوف الحاسوب ، ثم طرح نفسه، ثم فرض نفسه. وبدا لي ان اية كتابة غير الكتابة المنفلتة لا تتناسب والحالة التي اعيشها،أي حالة الحزن الطاغي.

جلست اكتب وانقح. بعض الايام أنهمكت في تفاصيل حياة يومية طاحنة. وفي بعض الايام كان يتصل النهار بالليل، ثم ليل يتمدد حتى الفجر. كتبت عن أمكنة وناس في المغرب. بعض الكتابات تركتها كما كتبتها في المرة الاولى. لم استطع مغالبة أحزاني وانا اكتب احياناً، لم اتردد في قول كلام صريح ، إذ هي الكتابة كما أفهمها. لا ازعم انها كتابات موضوعية، بل هي قطعاً تحمل شحنة عاطفية ووجدانية لا انفيها. لذلك اخترت عنواناً من كلمة واحدة " حنين". كلمة" حنين" لها رنين، لها حكاية مترسبة في دواخلي. يتعذر علي تماماً الدخول في تفاصيلها، لا حاضرا ولا مستقبلاً".

كنت اعمل جاداً أن يخرج كتاب" حنين" الى المكتبات خلال هذا الصيف. لكن قبل ايام وصلتني رسالة من احد طلابي تشتمل على تهنئة على صدور كتاب " سنواتي في امريكا".

ذهلت.

انا لم اعيد كتابة تلك الحلقات لتخرج في كتاب، لكن موقعاً يسمي" سور الأزبكية" بادر الى ذلك دون أذن أو اخطار. جمع أحدهم الحلقات التي نشرت في " الاحداث" وصمم لها عنواناً وغلافاً وأصدرها بالمجان، ووضعها على قارعة طريق في شبكة الانترنيت. وكتب منسق الموقع الذي اطلق على نفسه "ماردونا" تعليقاً يقول " في هذا الكتاب يتحدث الصحفي السوداني طلحة جبريل عن سنواته في أمريكا وبعض من انطباعاته عنها وعن أهلها وأحوال الجالية السودانية وتغطيته لوصول أوباما للبيت الأبيض ودوره في تأسيس اتحاد للصحفيين السودانيين هناك. كما يصف أيضا المشاكل التي كانت تواجه السوداني عند زيارته لامريكا في ظل العقوبات المفروضه على السودان ويرى بأن من يدفع ثمنها هم البسطاء، وكان قد وجه سؤالا لبوش عن هذا الموضوع، أخبره المتحدث باسم البيت الأبيض بأنه أول من يقول هذا الكلام وأن مسؤولين رسميين يطالبون بزيادة العقوبات".

هذا ما كتبه شخص لا اعرفه، ولم اطلب منه.

هكذا جعلتني فوضى الانترنيت أصدر كتاباً لم أصدره بعد.

التعليق لكم.

عن " الأحداث"

مقالات سابقة

جميع المقالات السابقة والمنشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى يمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1