(1 /2)

 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

في هذا الشهر قبل 17 سنة أغمض الموت عيني صلاح أحمد ابراهيم في باريس. وقبل سبعة اشهر من ذلك التاريخ أي في اكتوبر 1992 رحل على المك في ولاية كاليفورنيا في امريكا.

أثنان من ابرز مبدعي هذا الوطن ، كتبا شعراً وقصصاً ومقالات، وكان لهما دوراً مقدراً في "توعية " أهل بلدهما.

 كل على طريقته.

كلاهما باسلوب مختلف، متشابه في بعض أوجهه. مثقفان أحبا بلدهما وعملا على نشر فكرة مؤداها إن الثقافة هي الطريق الصحيح  لتجسيد الوطنية وحب الوطن.

مثقفان أحبا وطنهما حباً صوفياً. كان أقرب الى التبتل.

تعرفت على صلاح ابراهيم ، في الرباط في بداية الثمانينات. كانت هناك جمعية مغربية  تسمى " فكر وحوار" ارادت هذه الجمعية أن تنظم ندوة فكرية في العاصمة المغربية حول " الأزمة الفكرية والسياسية في العالم العربي". كان من أبرز المتحدثين في تلك الندوة، شخصيتان ، هما السياسي الفلسطيني " خالد الحسن" الذي كان يقول عبارتين  لها دلالتها، هما شعاره " أنا يميني في زمن اليسار" ويشدد " أنا رجعي والشعارات تقدمية".  وقطعاً لم يكن "ابو السعيد" يمينياً ، والمؤكد انه لم يكن رجعياً. والثاني هو الدكتور حسن حنفي، أبرز منظري " اليسار الاسلامي".

طلب مني منظمو تلك الندوة أن أرشح لهم سودانياً ليشارك في تلك الندوة. كانت معرفتي بالمثقفين السودانيين محدودة ، لسبب موضوعي إذ لم أكن في السودان سوى نجاراً في " مصلحة النقل النهري " ، ومن أين لي إذن ان اعرف المثقفين السودانيين ؟

 لكن قفز الى ذهني اسم صلاح أحمد ابراهيم ، كان وقتها في باريس. لم يكن بيننا سابق معرفة، لكن الطيب صالح، أقترح علي عندما طرحت عليه الموضوع ، أسم صلاح أحمد ابراهيم. وزودني برقم هاتفه.

ولم ينس، كعادة الطيب صالح  في تقديم النصيحة " اطرح عليه الفكرة بأدب لأن صلاح له حساسية شديدة ".

بادرت الى الاتصال بصلاح ، وشرحت له فكرة الندوة ، وقلت له وذلك مسجل في أوراقي " لابد من مشاركة سودانية في هذا اللقاء الفكري " ولا يوجد أفضل منك يمثل هذا  السودان الذي نحبه جميعاً".

كان صلاح، كما هو طبعه كريماً ولبقاً ، وافق على الفكرة ، وأكد المشاركة في تلك الندوة.

 ثم جاء الى الرباط، كما وعد، وتحدث في ذلك اللقاء حديثاً متشعباً ، وأثار أعجاب الحاضرين وهو يتحدث عن " البلد الذي  في أطراف العالم العربي"  لكنه "حافظ على عرويته ولم ينس افريقيته". اتذكر وقتها انه دخل في مشادة مع بعض المفكرين المصريين حول " نظرتهم القاصرة والدونية الى السودان". كان ذلك هو صلاح. حساسيته مفرطة تجاه مصر وحبه جارف لبلده.

ثم توالت السنوات وتعددت اللقاءات، ونسج القدر علاقة صدافة قوية مع هذا الرجل المرهف المبدع.

كنا نتفق في شيء اساسي على الرغم من أن لكل منا من وجهة نظره ودوافعه. كان رأيي أن نظام " جعفر نميري" هو الذي جعل من بلدنا حضيضاً. وكان  هو يكره نميري كرهاً شخصياً . وكنت أمقت نميري سياسياً ، ليس بيني وبينه، كما هو شأن صلاح  أحمد ابراهيم قضية شخصية.

كان صلاح يحمل جروحاً  شخصياً  من سياسات ذلك  النظام لا تندمل . قتل نميري صهره الشفيع أحمد الشيخ . ونميري هو الذي شتمه وشتم عائلته في خطابات علنية. أما أنا فلم تكن لي مع  نظام نميري سوى ما يكون لأي معارض  في الاختلاف.  اختلاف مع  السياسات. لم يكن بيني وبين ذلك الطاغية ، أية ثارات شخصية. كنت أعتقد أنه ديكتاتور جعل شعبنا متسولاً في جائعاً في بلده ، يعتقد أن البطش هي السياسة، أجبر نخبته الى الفرار نحو الخارج.

 ثم كان بالنسبة لي ذلط الرجل  قاتل، ضابط فقد عقله وخابت روحه.

بدأ صلاح احمد ابراهيم موظفاً في وزارة المالية، انتقل بعد ذلك الى الخارجية ، وتدرج في المواقع والدرجات حتى وصل الى رتبة سفير في الجزائر ، وهناك قدم استقالته الشهيرة ، عندما راح نميري يشتم برعونة عائلته . وقرر صلاح بشهامة سودانية قل نظيرها، أن يستقيل من السفارة ، ويسلم مهامه وعهدته لمن كان نائباً له في السفارة السودانية في الجزائر ، بما في ذلك خزينة السفارة ، ويبحر من الجزائر الى فرنسا، إذ اختار لضيق ذات اليد أن يسافر بحراُ  ليطلب هناك اللجوء السياسي. وبقي في باريس حتى أغمض الموت عينيه.

التقينا مرات في باريس ، وأصيلة، حيث كان يأتي صلاح باقتراح من الطيب صالح ضيفاً على المهرجان الثقافي الذي حرص منذ انطلاقته عام 1978 أن يكون من بين ضيوفه سودانيين ، والفضل في ذلك كان يعود الى الطيب صالح، والداعي لكم بالخير في بعض الأحيان، حيث ربطت كلينا علاقة وطيدة مع محمد بن عيسى عراب هذا المهرجان الذي ذاع صيته في كل العالم.

توثقت علاقتي مع صلاح احمد ابراهيم على مر السنوات، وتحولت من معرفة الى صداقة، والصداقة الى مودة دافقة ومتصلة.

التقينا ذات مرة في مطار "أورلي" في باريس ، وكنت في طريقي وقتها الى الخرطوم بعد سنوات طالت حتى طالت. وكان معي أطفالي وقتئذٍ الذين شبوا عن الطوق الآن. تحامل صلاح أحمد ابراهيم على نفسه على الرغم من أن صحته لم تكن تتحمل بذل جهد استثنائي ، وانتقل من وسط باريس الى مطار " اورلي". وأتذكر قوله بطريقته المحببة ، أحضرت لك شيئاً من أجل هؤلاء الأطفال . أعتقدت انها هدية سيتلهى بها الاطفال في رحلة ستطول حتى الخرطوم عبر باريس . لم تكن تلك " الهدية" سوى أقراص الوقاية من حمى الملاريا. قال لي مشدداً : انت تتحمل، لكن هؤلاء الأطفال لا يجب ان ترتبط ذكرياتهم بالسودان بالمرض.  كان ذلك هو صلاح ابراهيم.

في ذلك اللقاء الذي لم تغب قط تفاصيله، قال لي " ارجو ان تزور على المك في جامعة الخرطوم وتتعرف عليه".

كنت سمعت لأول مرة باسم " علي المك" قبل أن أغادر الخرطوم في 13 نوفمبر عام 1975 شاباً يافعاً يحمل معه كل الطموحات والأحزان.  طموحات من كان يري ان " البعثة الدراسية في الخارج" ستفتح له كل أبواب الدنيا ، وأحزان من ترك خلفه كل الأشياء الجميلة الرائعة بما في ذلك ما قالته تلك الحبيبة الاستثنائية " لماذا لا تبقى "  ثم قالت في صمت " لماذا ليس انت وليس شخصاً آخراً"  ثم دفنت نفسها في الأحزان وغمار الحياة. ثم بعد ذلك  بدأت رحلة تعرجت وتمددت واستمرت حتى يوم الناس هذا.

عندما وصلت الى الخرطوم ، كنت حريصاً على تلبية طلب الصديق صلاح احمد ابراهيم.

ذهبت الى جامعة الخرطوم ، وكان فيها آنذاك زهير حسن باباكر ، وهو من أقاربي ، وسالته اين يوجد مكتب " بروفسور على المك" . وأتذكر ان زهير قطب حاجبيه دهشه " على المك  شخصياً ؟"

 وزاد أنت لم تدرس هنا ، لماذا بالضبط على المك؟  قلت له دون أدخل في تفاصيل لا جدوى من سردها، أريد ان أتعرف على الشخص الذي جعل السودانيين جميعاً يشاهدون راوائع الافلام العالمية ، ومن بينها فيلم " زد" عندما كان مسؤولاً عن مؤسسة الدولة للسينما، في بداية السبعينات.

رافقني زهير الى حيث مكتب على المك . كان مكتبه من تلك المكاتب التي خصصت لاساتذة جامعة الخرطوم. مكتب أنيق بسقف من القرميد الأحمر مائل من الجانبين، حيث كان الانجليز يصممون المكاتب على اساس حالة الطقس في الأصقاع التي جاءوا اليها مستعمرون، وخلقوا نخبة متينة التعليم ، ناجحة كل في مجالها، بيد أنها عاجزة وفاشلة في إنشاء الدول.

كان اولئك الانجليز يعتقدون أن المظاهر الديمقراطية كافية لخلق الدول ، لكنهم لم يدركوا قط أن الديمقراطية لا تلغي التخلف أو الاضطهاد الاجتماعي .  ربما تساعد الديمقراطية على كشفه، بيد انها قطعاً لا تلغيه. الانجليز الذين ذهبوا الى دول العالم لاستعمارها، ومنها بلدنا،  لم يدركوا أن الديمقراطية ثقافة قبل أن تكون نظماً ومؤسسات، هذه الثقافة لابد لها أن تسري في شرايين كل جهاز يفترض فيه توجيه أو صياغة أو هيكلة العملية الديمقراطية ومؤسساتها.

قدموا لنا اولئك الانجليز القشور لكن ليس اللب.

 

 

 

عن " الأحداث"

 

مقالات سابقة

جميع المقالات السابقة والمنشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى  يمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1