عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

سأروي لكم واقعة موثقة ، حول موضوع "حيادية" أجهزة الاعلام الرسمية في السودان بشأن الانتخابات المعيبة التي عرفتها بلادنا.

تلقيت يوم الاحد 18 ابريل الحالي اتصالاً من شركة " صحراء ميديا" التي تعمل في مجال البث التلفزيوني في شمال وغرب افريقيا. اقترح أحد منتجي الشركة استضافتي في استديوهات الشركة في العاصمة المغربية، في برنامج إخباري مباشر حول الانتخابات السودانية.

أبلغت في البداية أن هذا البرنامج ينتج لصالح فضائية مصرية. وافقت من حيث المبدأ. ثم ابلغني منتج  البرنامج ان مشاركتي ستكون في حدود ربع ساعة. اتفقنا أن أكون في استديو الشركة قبل ربع ساعة من موعد البث لضبط الأمور التقنية. كما ابلغني أيضاً أنهم سيسددون قيمة المشاركة نقداً. أثار الأمر لدي بعض الشكوك. إذ جرت العادة ان جميع القنوات التلفزيونية حول العالم ، ترسل تعويضات المشاركة في البرامج الاخبارية أو الحوارية، في وقت لاحق ، ولم يحدث قط أن شاركت في برنامج تلفزيوني ، وسددت لي قيمة المشاركة نقداً. بيد أنني أكدت المشاركة، دون اعتبار لموضوع التعويض المادي، إذ لم يحدث طيلة حياتي المهنية أن دخلت في نقاش حول أمور مادية.

بعد فترة أتصل منتج البرنامج ليقول إن البرنامج الاخباري ليس لصالح فضائية مصرية، بل سيكون من أجل الفضائية السودانية، وان التباساً قد حدث، لان الشركة المنتجة للبرنامج شركة مصرية تسمى " أرب نيوز اجنسي"  أي " الوكالة العربية للاخبار" . لم اعترض، وقلت للمنتج " الآن أصبحت أكثر حماساً للمشاركة". وكان في ظني أنها مناسبة سانحة للحديث للمشاهدين السودانيين عن انطباعات شخصية حول الانتخابات ، وما لدي من معلومات حول ما جرى فيها وما قيل عنها.

ثم عاد منتج البرنامج ليسألني بعد فترة عن وجهة نظري بشأن الانتخابات . قلت له إنني سأقول ما ارى وأعتقد مباشرة ، لكن رأيي بصفة موجزة أنها كانت انتخابات معيبة. وبعد أن سمع هذا الكلام عقب قائلاً " يمكنك أن تقول ما تشاء، لكن الشركة المنتجة ترجو أن تقول إذ أمكن إنها كانت سليمة ونزيهة". كان جوابي يتلخص في جملة واحدة " آسف ، المؤكد أنكم أخطأتم إختيار الشخص المطلوب".

كان ذلك ما حدث بالضبط.

وفهمت أن المطلوب كان هو تزكية ، ما لايمكن تزكيته. وهذا أمر لم أفعله في الماضي، وقطعاً لن يحدث في الحاضر او المستقبل. لقد سبق لي أن شاركت في برامج إذاعية وتلفزيونية، مع محطات وقنوات في العالم العربي واوربا وامريكا، لكن كنت أقول ما أظن واعتقد ، وليس ما تريد هذه  المحطات والقنوات، أو تتمنى. لذلك أعتذرت عن المشاركة.

أعود الآن الى تقييم الانتخابات وما جرى فيها وما قيل حولها. هناك أربعة مواقف أفرزها ما جري يوم الاحد  11 ابريل والأيام الذي تلته.

*موقف الحكومة التي قالت إن" نزاهة الانتخابات فاقت كل التصورات". بل نسب الى قيادي بارز في السلطة الحاكمة في الخرطوم  قوله بالحرف "عملية الاقتراع هي العملية الوحيدة التي لا تقبل الطعن بما أن الصندوق يفتح أمام الجميع، إلا إذا كانت بعيونهم غشاوة، وهو يفتح أمام أعين الجميع" وأضاف المصدر نفسه يقول " هذه الانتخابات أخرست الألسن وفتحت العيون المعمشة والآذان الصماء ".

*موقف المعارضة بجميع احزابها، سواء التي شاركت أو قاطعت ، والتي قالت إن الانتخابات "كانت مزورة". وفي هذا السياق قال أحد مرشحي المعارضة لمنصب الرئاسة " ما حدث من تجاوزات وتزوير فاق كل التصورات والتخيلات وتم بصورة مبالغ فيه "

*موقف مراقبي الاتحاد الافريقي وجامعة الدول العربية، الذين قالوا إن الانتخابات كانت "معقولة".

*موقف المراقبين الاوربيين والامريكيين. والخص مواقفهم كالتالي:

البيت الابيض:الانتخابات السودانية لم ترق الى المعايير الدولية لكنها رغم ذلك تبقى خطوة اساسية في مسيرة تحقيق السلام في البلاد كما جاء في اتفاقية السلام بين الشمال والجنوب.ان السودانيين لم يمارسوا حقوقهم السياسية ولم يتمتعوا بالحرية الكاملة خلال مجمل العملية الانتخابية فيما تحدثت تقارير عن عمليات ترهيب وتهديدات باللجوء الى العنف في جنوب السودان.ان الصراع في اقليم دارفور لم يسمح بتوفير الظروف الملائمة لاجراء الانتخابات فيه بشكل مناسب. ستساهم الانتخابات في تمهيد الطريق امام تحقيق مزيد من الحقوق السياسية والمدنية لجميع السودانيين.

الاوربيون: اعربت المفوضية العليا للسياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي الاثنين عن قلقها من العيوب او الشوائب التي كشف عنها المراقبون الدوليون في الانتخابات وتدعو الى مناقشتها ومعالجتها.

الآن لنتحدث بكل موضوعية عن هذه المواقف.

*موقف الحكومة كان متوقعاً، طالما انها " اكتسحت" الانتخابات بجميع مستوياتها، ولم يكن يستقيم عقلاً ،أن تنتقد مجرد انتقاد، أو تبدي أية ملاحظات سلبية حول ما حدث.

*موقف المعارضة ، يبدو طبيعياً، لأنها وجدت أن العملية ومنذ انطلاقتها كانت سيئة. لكن هذه المعارضة خذلت ناس السودان، لأنها لا قاطعت العملية ، ولا شاركت فيها، بل تشتت مواقفها، وبرهنت من جديد أن ما يقال عن " تحالف المعارضة" ليست سوى أمنيات.

*موقف الافارقة والعرب، وهؤلاء لا يعرفون أصلاً ، الا في استثناءات لا تصلح قاعدة، ماذا تعني " ديمقراطية" وما هي " انتخابات".

*موقف الامريكيين والاوربيين، قدم الدليل من جديد لمن يحتاج الى دليل، أن هناك " طبخة " متفق على مكوناتها وتوابلها. طبخة تجعل من هذه العملية مجرد "تمرين انتخابي" من أجل ما سيحدث في يناير المقبل بالنسبة لاستفتاء الجنوب.

لكن ما هو موقف ناس السودان. ما هو موقف الأغلبية الصامتة، التي بقيت اقول وساظل اقول إنها الرقم الحقيقي في المعادلة السودانية.

هذه الأغلبية التي أعتقد كثيرون في ستينات القرن الماضي أن ، صمتها دليل الرضى والقبول ، ما لبثت أن انفجرت في مظاهرات عفوية في اكتوبر العظيم، وسرعان ما تحولت المظاهرات الى "عصيان مدني" ثم" ثورة" عارمة ، جعلت الناس تحرك الجبال الراسيات. يومها خرج الناس يطالبون بالحرية، والخبز متوفر. خرجوا الى شوارع المدن السودانية يواجهون الرصاص، وهم يرددون " مات القرشي ليحيا الشعب". وعندما انتصرت " الثورة" عاد الناس الى حقولهم ومصانعهم ومكاتبهم ومدارسهم وجامعاتهم ، وتركوا الأحزاب والنخب السياسية تتقاتل حول المناصب والمواقع.

وغنى المغني " ...لسة بنقسم يا اكتوبر لما يطل في فجرنا ظالم ".

هذه الأغلبية التي أعتقد الحاكم الواهم في ثمانينات القرن الماضي أنها معه في تقلباته وعبثه، ثم أنفجرت في انتفاضة كان وقودها المهمشون في الساحات والشوارع المتربة، والنقابيون في مواقع العمل.

وغنى لهم المغني " يا راية منسوجة من شموخ النساء وكبرياء الرجال".

ثم كان ما وقع في يونيو 1989. عشرون سنة وناس السودان يكافحون ويجاهدون من أجل الديمقراطية والحرية. لم تكن قط عشرين سنة من الهدوء والاستقرار.

هل  اندثرت هذه الأغلبية الصامتة . قطعاً لا. من يعتقد ذلك واهم .

الآن لنطرح الأمور بوضوح.

السلطة الحاكمة تعتقد ان ما جري هي" الانتخابات"، والذين ينازعونها هذه السلطة يقولون إن ما حدث لا علاقة له بالانتخابات.

كيف إذن نخرج من هذا المأزق.

الحل الأمثل هو توسيع قاعدة الحكم حتى نصل الى محطة استفتاء الجنوب. لاخيار لنا سوى "حكومة توافقية" خارج ما حدث في 11 أبريل وما تلاه من أيام، وما تخلله من عبث. لابد أن ننتقل من محطة سيئة الى محطة أقل سوءً . لابد لنا من قرارات صعبة نتجرع فيها الحنظل، من أجل هذا السودان الذي نحب. لابد من حل توافقي لايقصي أحداً، ولا يلغي أحداً . لابد لنا من أن نقبل بالآخر سواء كان في السلطة ، او في المعارضة ، او حتى اولئك الذين يتابعون المشهد. لا بد من حل سوداني، لا نبحث فيها عند المراقبين أو دول الجوار. لابد لنا من تنازلات، تجعل تنظيم انتخابات جديدة بعد استفتاء الجنوب، وحل تفاوضي في دارفور، أمراً حتمياً. لابد لنا من جولة انتخابية جديدة، في السنة المقبلة، تتوفر فيها شروط النزاهة والفرص المتكافئة لجميع المرشحين.

أيها الناس ، كل الناس ،الوطن فوق الجميع. الوطن دائماً على حق.

 

 

مقالات سابقة

جميع المقالات السابقة والمنشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى  يمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1