عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أقول دون تردد، واثقاً مما أقول، صادقاً في ما اقول، إن إداء " مفوضية الانتخابات" خلال هذه التجربة التي عرفتها بلادنا كان سيئاً للغاية. حتى اولئك الذين قبلوا بهذه المفوضية، لا اخال انهم توقعوا أداء مبهراً، لكنهم قطعاً لم يتوقعوا ما حدث. لعلهم كانوا يبحثون عن انتخابات تتوفر فيها شروط الحد الأدنى، لكنهم قطعاً اخطأوا كثيراً في الاعتقاد بكفاءة من وقع عليه الاختيار لانجاز المهمة.

قالت "مفوضية الانتخابات" إن هناك اخطاء حدثت. والواقع أن تلك الأخطاء كانت خطايا. ربما يقول بعض الناس ، ومعهم الحق كل الحق في قولهم، كيف كنتم تنتظرون من نظام شمولي في جميع سلوكياته وسياساته، أن يحرص على انتخابات حرة ونزيهة.

كانت العيوب والنقائص تترى في كل مرحلة من مراحل هذه الانتخابات، من تسجيل الناخبين، الى مرحلة الترشيحات، ثم بدء الحملات الانتخابية، والمداخلات الإعلامية غير المتكافئة،وتوفير فرص متساوية للمرشحين في مخاطبة الناخبين، وفي كثير من الأحيان حتى الوصول الى هؤلاء الناخبين. ثم جاءت الطامة، عندما بدأت عملية الاقتراع، بحيث أقترب الأمر الى حدود المهزلة بل لعلها كانت المهزلة نفسها.

ناخبون لا يعرفون اين يمكن أن يصوتوا، مراكز مغلقة، أو تفتح لتغلق، رموز مختلطة، أوراق تصويت مليئة بالاخطاء، طرد ممثلي مرشحين من مراكز الاقتراع. وعندما تفتح مراكز التصويت لايجد الناخبون اسماءهم، وإذا وجدوا هذه الأسماء ، لا يشرح لهم أحد كيف يدلون بأصواتهم ، وإذا أدولوا بهذه الأصوات لا يعرفون ما إذا كانوا قد وضعوا أصواتهم في الصندوق الصحيح. وإذا حدث هذا لا يعرفوا ما إذا كانت أصواتهم ستحتسب بطريقة سليمة.

قالوا لنا إن المفوضية "محايدة" ونحن نعرف ان هذا مجرد هراء. وقالوا لنا إن رئيس وأعضاء هذه المفوضية من " الشخصيات المشهود لها بالكفاءة" وهذا هراء في هراء. رئيس المفوضية، هو أبيل الير، قدم على اساس أنه قاض باعتباره شخصا نزيها ومحايداً . لنطرح الأمور على بلاطها. ابيل الير هو من أركان " نظام مايو"، وهو نظام لا علاقة له بالانتخابات أو الحريات أو الإنتقال الديمقراطي، ذلك النظام كان شمولياً في كل مراحله تعسفياً في جميع سياساته. ومن قبل العمل معه في مناصب تنفيذية متقدمة، هل سيحرص ان يقول الناس رأيهم عبر صناديق الاقتراع. هل يمكن أن نطلب من المطر مثلاً أن تهطل من أسفل الى أعلى.

 إذا تأملنا مسار وسيرة أعضاء المفوضية ، سنجد أنهم مثل رئيسهم ، هؤلاء الذين يقولون لنا " ناس الأحزاب" تارة  و"جماعة الأحزاب" تارة اخرى، لعلهم لا يدركون أن وجود أحزاب وتنافسها، هو أقوى مظاهر الديمقراطية، إذ لا يمكن أن تقبل بمباراة ، ثم تريد ان تكون مباراة لايود بها متنافسون. أي مباراة بغير لاعبين، بل فقط حكم غير محايد ومساعدين له لا نزاهة لهم. إن هذه المفوضية جعلت الامور تبدو مهينة أكثر مما ينبغي. منذ البداية أثارت المعارضة الشكوك حول قدرتها على إعطاء البلاد بداية جديدة، في مجال الانتقال المفترض نحو نظام ديمقراطي تعددي، ينتقل فيه المعارض، وبدون ضغائن وأحقاد الى مواقع الحكم، ويقبل فيه المنهزم أن يعود الى منزله آمناً مطمئناً، يقبل بما أفرزته صناديق الاقتراع.

إن الذين طرحوا السؤال الاساسي، هل يقبل أهل الحكم أن يصبحوا مواطنيين عاديين إذا خسروا الانتخابات، هو السؤال الذي لم تدرك كنهه هذه المفوضية ، التي كانت تدافع عن السلطة أكثر مما فعلته السلطة نفسها. هذه المفوضية كان عليها أن تعي ان واجبها قيادة البلاد الى فجر جديد، لا الى ليل بهيم. كان عليها أن تستوعب أن دورها ان تقاتل من أجل النزاهة وليس تبرير التشوهات التي حدثت، وتقول إنها " مجرد أخطاء" تعترف بها على مضض.

إن الانتخابات ليست تجربة يخوضها السودانيون لأول مرة ، بل خاضوها مرات، ولم يحدث أبداً، ان قال حزب إن الانتخابات جرى التلاعب بها، وان ضمانات النزاهة منعدمة.

كنت شخصياً ولا زلت على اقتناع تام أن قرار مقاطعة بعض الأحزاب للانتخابات لم يكن صائباً، لكن هذا الموقف لا يعني إطلاقاً أن ما قالت به حول توفر شروط النزاهة، كان قولاً القي هكذا، مجرد كلام يلقى ليتبعثر في الهواء. بل كان قولاً يسنده واقع ، وممارسة سلبية.

ثم كيف يغيب عن بال هذه المفوضية ، انها أقرت تنظيم انتخابات هي الاكثر تعقيداً في العالم ، يصوت فيها الناخب في الشمال ثماني مرات، وفي الجنوب 12 مرة ، ولم يخطيء فقط الناخبون في هذه الانتخابات المعقدة ، بل ان نائب رئيس الجمهورية نفسه، قال إنه اخطأ في التصويت لانه لم يعرف كيف يصوت.

ألم يكن يفترض تقسيم هذه الانتخابات، بحيث تجري انتخابات رئاسة الجمهورية في شوط، ثم برلمان البلاد وبرلمانات الولايات في شوط، ثم حكام الولايات في شوط. أليس ما حدث مجرد ارتجال في ارتجال.

الناخب السوداني الذي عاش في كنف شمولية خانقة طوال 20 سنة ، ليس هو الناخب السويسري أو الامريكي ، الذي يصوت عبر أكثر من بطاقة تصويت، بل هو ناخب جعلت منه الشمولية، مثل أطفال الروض في فهمه وإدراكه للعملية الانتخابية، هل سنطلب من الأطفال وهم يتعلمون الحروف الابجدية أن يجلسوا لامتحان الشهادة.

كان على هذه المفوضية أن تصغي، مجرد إصغاء لمطالب المعارضة، أو بعضها على الاقل، لا أن تصم آذانها، وبعد ذلك تأتي تقول لنا " إن أخطاء قد حدثت". إن شعور الناس وفي كل المراحل، كان يزداد إحباطاً إزاء مواقف هذه المفوضية، لذلك ظهر شعور متنام بالإحباط من طريقة إدارتها للعملية الانتخابية. وأضحى واضحاً ومنذ البداية وقبل أن تنطلق الحملات الانتخابية أنها مفوضية لا تروعها الأخبار السيئة. واكدت الاحتجاجات المتواصلة الهوة الواسعة بين هذه المفوضية، وبين الرأي العام. ولعل المثير للاشمئزاز أن أكبر قدر من التجاهل لتلك الاحتجاجات جاء من المفوضية نفسها والاعلام الرسمي الذي ظل تحت قبضة السلطة الحاكمة، تفعل به ما تشاء وترد عبره على من تريد.

والمفارقة أنه خلال الانتخابات التي شوهتها الاتهامات بالفساد والتلاعب منذ أن بدأت عملية تسجيل الناخبين، لم تبادر هذه المفوضية ولو لمرة واحدة على تغيير هذا الانطباع. بل سعت على اختلاق أدلة على عجل حول نزاهة الانتخابات بينما كانت تهرول نحو يوم الاقتراع، الى حد قال أحد مسؤوليها في تبريرها لهذه الهرولة أن " الأحزاب كانت نائمة، ماذا نفعل لها" هل سمعتم في أي انتخابات في العالم، من يفترض انه يشرف بنزاهة على مراحلها أن اتهم المشاركين المفترضين بانهم كانوا نياماً.

تابعت بكل ما تعنيه المتابعة الدؤوبة، اللقاءات الصحافية التي نظمتها المفوضية، ولم اجد حجم الريبة والشكوك يحوم حول عمل لجنة يفترض أن تنظم " مباراة ديمقراطية"  بالقدر الذي وجدته من خلال ما طرحه الصحافيون من اسئلة على المتحدثين باسم هذه المفوضية.

الآن وقد انتهت الانتخابات، يتحتم القول إن السلطة الحاكمة، كانت تريد بها إطفاء شرعية على وجودها في الحكم، حيث بدأت تتحدث وقبل الاعلان عن النتائج ،عن "منح" مقاعد وزارية للمعارضة. لكن السؤال الاساسي هل يمكن أن نقول إن ما حدث في بلادنا كان بمثابة" انتقال ديمقراطي".

إن ما جرى في بلادنا العزيزة ، بعيد كل البعد عن ذلك. لكن يجب علينا أن لا نركن لليأس، اليأس من الكماليات بالنسبة للديمقراطيين، المؤمنين بهذا الشعب وقدراته.

وما علينا الآن سوى العودة الى سفح الجبل وتحريك صخرة سيزيف.

لن نيأس.

 

 

مقالات سابقة

جميع المقالات السابقة والمنشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى  يمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1