عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أقول ومن السطر الاول إن في انتظارنا فترة لاهبة ساخنة وقلقة، بعد تطورات ليلة الخميس التي أدت الى "إنسحاب" مرشحي أحزاب المعارضة، والذي سبقه سحب الحركة الشعبية لمرشحها لانتخابات الرئاسة.

علينا الآن تركيب الوقائع حتى نصل الى الحقائق، التي يغطيها غبار كثيف من المواقف والمزايدات والمناورات السياسية، لكن قبل ذلك استأذنكم في العودة الى لقاء يتيم مع الراحل جون قرنق، وكانت الحركة الشعبية وقتها تتأهب للانضمام الى " التحالف الوطني الديمقراطي".

قلت للراحل قرنق " لست سعيداً بقراركم  لسببين، لان أحزاب التجمع ستعتقد انكم ستقاتلون نيابة عنهم من اجل عودتهم الى الخرطوم، والسبب الثاني أن العمل العام إذا دخلت فيه الحرب، وهي بالطبع السياسة حين تمارس باقصى درجات العنف، تحتم عندما تأتي لحظة المفاوضات أن يتفاوض المتحاربون وليس أولئك المنهمكون في اللقاءات والاجتماعات في القاهرة ولندن واسمرا".

قلت ذلك وهناك شهود، وكتبته في وقتها وهناك حبر وورق.

وكان ما حدث عام 2005 ، أن اعتذر جون قرنق "لحلفائه" في التجمع الوطني الديمقراطي" بانه حتى وجودهم كمراقبين في نيفاشا غير مرغوب فيه. وتجرع قادة ذلك الكيان المهانات، وهم يلاحظون أن سوداناً آخر تتم صياغته، وان ليس لهم فيه سوى فتات عرضه عليهم أحد قادة النظام في لقاء مهين في القاهرة حين قال لهم " المناصب الحكومية محسومة، واذا كان هناك من له مشكلة مالية سنحلها".

عندما زرت الخرطوم في ديسمبر الماضي في ايام المسيرات التي كانت تطالب بتعديل القوانين ، كتبت أيضاً وفي هذه الصحيفة ان أحزاب المعارضة المنهكة، تخطيء إذا اعتقدت ان الحركة الشعبية ستخوض معركة القوانين نيابة عنها.

وهنا أيضاً يوجد حبر وورق، أي كلام مكتوب.

الحركة الشعبية لها أهدافها التي على رأسها إنفصال الجنوب، وهو أمر سيحدث، وقد عملت من اجل ذلك ولم تصدق في يوم من الايام حكاية " الوحدة الجاذبة"، وهي تعرف، وكما سمعت في واشنطن تحديداً، ان الانتخابات الرئاسية والتشريعية، مجرد تمرين يسبق الاستفتاء، وهو الأهم والاساسي في أجندة الحركة والغرب.

على ضوء ذلك رشحت الحركة ياسر عرمان، ليس ليفوز أو ليواصل السباق حتى نهايته، بل ليصبح استمرار الترشيح نفسه موضوعاً للتفاوض والمساومات مع حزب " المؤتمر الوطني"، وبالمقابل هي تعرف الوضعية المتهلهلة التي توجد عليها احزاب الشمال، بسبب ضعف اجهزتها وبنياتها وقلة مواردها، وتداعيات 20 سنة من حكم شمولي خانق، أكثر من ذلك تعرف الحركة أن القيادات التي تقود هذه الأحزاب، أفرزها حراك سياسي في ستينات القرن الماضي، تأملوا الاسماء وستدركون ذلك بوضوح. ومن ظل يجتهد منذ الستينات، لايمكن لومه إن لفت رؤاه ضبابية ، وعدم قدرة على التحليل الصائب.

الحركة الشعبية تدرك أيضاً أن بعض هذه الأحزاب هي في واقع الامر ليست مع نيفاشا، حتى ولو تظاهرت لاعتبارات سياسية انها قبلت بها، وبعضهم يعارضها سراً ويقبل بها على مضض علناً.

مسألة اخرى في منتهى الأهمية ادركها حزب" المؤتمر الوطني"، وهي ان الحركة الشعبية، هي عملياً اليوم صاحبة اكبر كتلة ناخبة موحدة من بين الناخبين الذين يفترض ان يتوجهوا يوم 11 ابريل نحو صناذيق الاقتراع. كتلة ناخبة تصل الى حدود اربعة مليون و700 الف ناخب.

لذلك ركز " المؤتمر الوطني" على مسألتين، الضغط على الحركة الشعبية لكي تسحب مرشحها، لأن استمراره في السباق الرئاسي، هو وحده القادر على إجبار مرشح المؤتر الوطني خوض جولة أخرى. والمسألة الثانية ربط الانتخابات الرئاسية بموضوع الاستفتاء حول مصير الجنوب، وهي  ورقة الضغط المتاحة امامه. وأطقلت تصريحات واضحة وصريحة تقول للجنوبيين" إذا اردتم استفتاء يؤدي الى إنفصالكم بدولتكم عليكم ان تسحبوا مرشحكم".

لهذا الغرض أوفدت "الخرطوم السلطة" وليس "الخرطوم العاصمة" الى جوبا موفدين كثيرين واحداً تلو الآخر، من علي عثمان محمد طه الى نافع علي نافع . وفي لحظة فاصلة،عرفت الحركة الشعبية كيف تتخذ خطوة ذكية. سحبت ترشيح ياسر عرمان، وأرسلت رسالة مزدوجة، الى المؤتمر الوطني والى تحالف أحزاب جوبا المهلهل.

الرسالة الى المؤتمر الوطني تقول " ها نحن سحبنا مرشحنا للرئاسة لكننا لن ننسحب من الانتخابات التشريعية، إذن عليكم أن تجعلوا الأمور ممهدة لتنظيم الاستفتاء في يناير المقبل".ورسالة الى أحزاب جوبا تقول " ها نحن سحبنا مرشحنا احتجاجاً على المخالفات الانتخابية تضامناً معكم، والامر متروك لكم لتقرروا على ضوء ذلك".

في السياسة لا أحد يمكن أن يدفع ثمناً في شئ حصل عليه بالفعل. واذا كان الشيء الذي ستحصل عليه الحركة الشعبية هو ضمان إنفصال الجنوب، وهي قد حصلت عليه بالفعل، من خلال زيارات مبعوثي "الخرطوم السلطة" الى جوبا، لماذا تدفع ثمناً لإسقاط مرشح المؤتمر الوطني.

ثم إذا كانت جادة بالفعل في خطوتها، من أجل إنقاذ السباق الرئاسي ، لماذا لم تسحب وزراءها من الحكومة، أوعلى الأقل "العاطلين" منهم داخل الحكومة مثل وزير الخارجية دينق آلور.

هكذا لعبت الحركة الشعبية أوراقها الرابحة. ضمنت الآن ان المؤتمر الوطني لن يعرقل تنظيم إستفتاء بين الجنوبيين، سواء كانوا في الجنوب أو الشمال أوالخارج، وبدت أمام احزاب جوبا مؤيدة ومتضامنة معهم.

وما يلفت الانتباه هوالأسباب العلنية التي قالت بها الحركة الشعبية وهي تعلن قراراها سحب ياسر عرمان. إذ حدد رياك مشار نائب رئيس حكومة الجنوب سببين: الوضع في دارفور الذي لا يتيح مجالاً لتنظيم انتخابات هناك وعدم ترشيح مرشح للرئاسة من الاقليم، ثم وجود مخالفات انتخابية.

دعونا نناقش هذين السببين بموضوعية وبوضوح أيضاً.

عندما رشحت الحركة الشعبية ياسر عرمان، هل كان السلام يسود دارفور، وكانت قبائل الزرقة والعرب تعيش هانئة مستقرة، تذهب الى الحقول والمراعي، وتقيم الافراح وتحتشد في الليالي الملاح. وهل عاد اللاجئون والنازحون الى قراهم ومناطقهم، مهللين مستبشيرن فرحين بالسلام. وهل أصبح  العنف المسلح والأمن المضطرب والخروقات والفوضى والنهب والسرقات، حكايات من الماضي تحكيها الجدات للأولاد والبنات. أما أن حالة دارفور كانت اسوأ مما هي عليه الأن.

ثم تقول الحركة الشعبية إن أوضاع دارفور المضطربة حرمت الأقليم من ترشيح أحد ابنائه، للانتخابات الرئاسية، وكأن هؤلاء المرشحين المفترضين، يوجدون في معسكرات النازحين واللاجئين، وكانوا ينتظرون استتباب الامن لتقديم أوراق ترشيحهم لمفوضية الانتخابات.

وإذا كانت الحركة الشعبية سحبت مرشحها بسبب مخالفات انتخابية، لماذا لم يكن انسحابها كاملاً من كل العملية الانتخابية، وليس فقط سباق الرئاسة. الجواب واضح لانها تريد انتخابات في الجنوب استعداداً للاستفتاء، وبالتالي الانفصال ، حتى تقول للجنوبيين، خرجنا من الغابة ووقعنا نيفاشا، ثم قدمنا أنفسنا للناخبين عبر صناديق الاقتراع وحصلنا على الثقة، إذن نحن حكام المستقبل في " دولة الجنوب" ونمتلك الشرعية.

وإذا كانت الحركة الشعبية تقيم وزنا لأحزاب " تحالف جوبا" لماذا بادرت الى سحب مرشحها حتى قبل أن تجتمع هذه الأحزاب لتقرر. أما كان من الأجدى ان يكون هناك قرار موحد.

ليس خافياً ان قرار الحركة الشعبية الذي سبق لقاء امدرمان، تسبب في إرتباك واضح لأحزاب المعارضة ، وكانت ليلة الخميس مشهودة في العاصمة، إذ لا احد كان يمكن أن يجزم من الذي إنسحب ومن الذي بقى، ومن  الواضح ان المساومات هي التي جعلت قرار الانسحاب غامضا ومرتبكاً. حيث اعلن المنسحبون انهم "سيعيدون النظر  في قرارهم اذا وافقت الحكومة على إصلاح مفوضية الانتخابات واستجابت لشكواهم بوجود مخالفات واسعة النطاق في الانتخابات". يعلنون ذلك وهم يعلمون أن ورقتهم الوحيدة هي إلقاء ظلال على مصداقية العملية الانتخابية، علماً أن النظام الحالي سبق له ان جاء بسباح ليخوض "انتخابات الرئاسة" والآن الوضع بالتأكيد افضل من تلك "الانتخابات".

إذن الانسحاب ليس نهائياً. هكذا نفهم ما قيل، لانه قيل ، ولا قبل لنا بالنوايا لانها حبيسة الصدور.

ولعل من مفارقات ليلة الخميس ايضاً أن سكوت غرايشن المبعوث الامريكي الى السودان اجرى مباحثات مكثفة مع قادة احزاب المعارضة الخرطوم قالت واشنطن إنها تهدف الى" محاولة لانقاذ الانتخابات العامة " وهو ما يؤكد أن واشنطن تريد لهذا التمرين الانتخابي أن يكون مقبولاً باية طريقة، حتى يصبح استفتاء الانفصال، وهو الأهم بالنسبة لها، حاسماً وليس موضعاً لاية شكوك.

الآن ماذا عن مستقبل الايام؟

وجدت في تعبير استعمله الصادق المهدي زعيم حزب الامة وصفاً دقيقاً لما يريده حزب " المؤتمر الوطني" حيث قال إنه يريد انتخابات تكون بمثابة استفتاء لتأكيد شرعيته. وازيد الى هذا التوصيف اقتناع قلته أكثر من مرة ، أن من جاء بالدبابات الى السلطة لا يمكن أن يخرج منها عبر صناديق الاقتراع. والمؤكد أن هذا النظام لم يفعل اي شيء ليجعلنا نعتقد أن " هؤلاء الناس يحبون هذا الوطن كما نحبه".

وحتى يصبح هذا الاستنتاج خاطئاً ومتحاملاً، يكفي ان يتخذ المؤتمر الوطني قراراً بحل مفوضية الانتخابات الحالية وتكليف لجنة جديدة تضم اشخاصا محايدين من أجل الأشراف إشرافاً كاملاً على جميع المراحل الانتخابية ، من تمكين المرشحين من اموال لتمويل حملاتهم الانتخابية، الى فرص متساوية في وسائل الاعلام، الى حرية تنظيم اللقاءات الشعبية،الى الابتعاد كلية عن التدخل في عمل مفوضية الانتخابات. كنا نتمنى ان تكون لدينا مفوضية انتخابات على غرار المفوضية العراقية التي قالت لرئيس الحكومة نوري المالكي لن نعيد فرز الاصوات لأن الحكومة طلبت ذلك.

وكنت اتمنى ان تحذو أحزاب المعارضة عندنا حذو التيارات الاصلاحية في إيران التي كانت تعرف انها ستخسر الانتخابات لكنها خاضتها، واستطاعت أن تهزم النظام في الشارع وبهدلة شرعيته، لا ان تنتظر من الحركة الشعبية ان تخوض المعارك نيابة عنها، سواء كانت معارك البنادق في الغابات، او معارك الانتقال الديمقراطي في مراكز صناديق الاقتراع.

الآن جاءت لحظة فاصلة لاقول فيها إن الحركة الشعبية في علاقتها مع معارضة الشمال ليست سوى "زجاج يقدم نفسه بمواصفات الماس".

 

 

 

"الأحداث"

 

مقالات سابقة

جميع المقالات السابقة والمنشورة في موقع الجالية السودانية في منطقة واشنطن الكبرى  يمكن الاطلاع عليها عبر هذا الرابط

http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoid=talha.gibriel&sacdoname=%D8%E1%CD%C9%20%CC%C8%D1%ED%E1